طنجة في ... سنة ١٩٥١ أخي راتب.
ذكرت لك في رسالتي السابقة نبذة وجيزة عن الظروف التي أدت إلى تقسيم بلاد المغرب الاقصى (مراكش) إلى مناطق ثلاث : واحدة دولية هي منطقة طنجة ، والثانية تحت الحماية الأسبانية هي المنطقة الخليفية ، والثالثة تحت الحماية الفرنسية هي المنطقة السلطانية . ولابد قد تبين لك أن هذا التقسيم الصناعي أوجده تدخل الدول الأوربية ، غير المشروع ، بقوة السلاح ، ومحاربتها شعبا وادعا آمنا ، رغبة في الاستقلال . وقد تم لها ذلك في أبشع صورة من صور الاستغلال كما سأبين ذلك فى هذه الرسالة ورسالات أخرى .
ولما كانت منطقة الاحتلال الأسباني خارجة عن إشراف مولانا السلطان المباشر- وهو صاحب السلطة العليا وسيد البلاد - أناب عنه من يخلفه في هذه السلطة وسماه الخليفة . وهو عادة من أمراء أسرته . والخليفة الحالي هو مولاي الحسين بن المهدي العلوي .
ولعلك توافق معي على أن وجود خليفة للسلطان في المنطقة الأسبانية فيه حكمة وبعد نظر إذا قورن بما اتبعتموه في اتفاقية السودان سنة ١٨٩٩ من الا كتفاء بالحاكم العام الذي تقترحه انجلترا ويعينه وإلى مصر . فلو كان الخديو في ذلك الوقت عين نائبا عنه يمثل سلطته العليا بجانب الحاكم العام لظل السودان رسميا جزءا من مصر ، حتى ولو كان نائب مصر ذا سلطة اسمية كما هي الحال مع سلطة الخليفة عندنا . والخليفة يقيم في مدينة تطوان وله بها قصر جميل ، ولكن السلطة الفعلية في يد المقيم العام الأسباني ، وهو صاحب السلطة التشريعية والتنفيذية معا . ويعاونه عدد من النواب الأسبان (نائبو التعليم والقضاء والأشغال والزراعة والغابات ... الخ) ومن المراقبين.
أما في منطقة الاحتلال الفرنسي فالسيادة العليا لسيد
البلاد ، وهو السلطان مولاي صاحب الجلالة سيدي محمد بن يوسف الذي تولى الحكم في نوفمبر سنة ١٩٢٧ والذي يحبه الشعب حب إخلاص وولاء ووفاء . والحاكم الفعلي هو القيم العام الفرنسي - الجنرال جوان الآن - وهو كل شئ . ويعاونه مديرون ومراقبون ورجال شرطة وجيش احتلال ... والجميع فرنسيون ، ومدينة الرباط هي العاصمة .
والآن لأعد معك لوصف الحال الاجتماعية في طنجة ، فلقد كان من أثر جعلها دولية أن فتحت أبوابها لكل من هب ودب من من متشردي العالم ، الذين لم يجدوا في أوطانهم اطمئنانا أو عملا مغريا ، ولمن يريدون أن يتهربوا بأموالهم من دفع الضرائب المرتفعة في بلادهم على الاستغلال وراس المال، وللمقامرين وللتجار في جميع أنواع المحظورات ، وللساقطات من النساء اللوائي ضاقت بهن سبل الكسب في بلادهن .
لذلك تجد في طنجة جاليات من جميع انحاء العالم ، وأكبرها الجالية الأسبانية ، وكل جالية تتكلم بالطبع لغتها القومية ، وتتكلم بالإضافة إليها عددا من اللغات الآخرى . ولهذا تسمع في طنجة - شوارعها وأسواقها - بلبلة الأصوات واللهجات . غير أن جميع هذه اللغات العالمية تشترك في خاصة واحدة هي فسادها ، فلا تسمع فرنسية سليمة ، أو اسبانية راقية ، أو انجليزية مهذبة ، أو عربية صحيحة ، أو إيطالية نظيفة . كلا ، فجميع هذه اللغات تشوبها هجنة العامية ، وتتم عن مستوى واط لمتحدثها . وماذا تنتظر من جاليات معظمها من الطبقات الدنيا التي لا هم لها إلا كسحب المال بأية وسيلة ؟ .
وكان من نتيجة فتح الباب على مصراعيه وتخفيف القيود الجمركية أن أصبحت طنجة من أكبر أسواق العالم في التجارة المحظورة كالأسلحة والمخدرات فحينما كانت الحرب في فلسطين ، وامتنعت الدول عن تصدير الأسلحة للعرب ، كان اليهود يشترون الأسلحة باسم تجار في طنجة ، ومنها
يرسلونها إلى يهود فلسطين . وتعتبر طنجة سوقا كبرى سوداء للتجارة في النقود بصفة رسمية ، فجميع نقود العالم تباع هنا وتشتري ، واليهود هم أكبر تجارها ، ولهم فيها دائما صفقات يومية رابحة ، ولهم عملاء في جميع أنحاء العالم يهربون إليهم النقود .
ولما كانت طنجة أقرب نقطة في إفريقيا إلى أوربا فقد هاجر إليها وغمرها الأسبانيون والفرنسيون الفقراء سعيا وراء الرزق ، كما كان يفد اليونانيون إلى مصر - حفاة عراة - ثم يبدءون من الأعمال ما يترفع عنه أو لا يحسنه أبناء البلاد من المراكشيين ؛ فيشتغلون خدما في الفنادق
والمقاهى ، وتجارا متجولين ، وسماسرة ، ثم لا يلبثون أن يصيروا أثرياء فيملكوا القهاوي والفنادق والمحال التجارية الكبرى ، ويصبحوا سادة أصحاب ثراء . نعم يغنون ويتملكون من الأعمال والمصانع ما لا يستطيع منافستهم فيه المراكشي المغرور الجاهل ، أو العاجز عن اتخاذ ما اتخذوه من أساليب .
أما التعليم فحالنا فيه يرثي لها . فلكل جالية مدارسها تعلم فيها البرامج الحديثة ، يؤمها البنون والبنات . أما نحن فقد عددنا تعليم البنت عارا وفسقا ، فظلت جاهلة تابعة في
بيتها ، ونفرنا من مدارس الأجانب التي لا تعلم لغتنا العربية ولا ديننا ، واكتفينا بالكتاتيب المتأخرة والفقهاء الأميين يعلمون ثقا من القرآن والدين . نعم نشأ الآن عدد من المدارس الابتدائية الأهلية الصالحة ، ولكنها أقل مما نحتاج إليه بكثير ، وأين التعليم الثانوي والتعليم العالي ؟ لقد فرحنا واستبشرنا عندما أذيع أن مصر العزيزة ستنشئ عندنا معهدا ثانويا . نحن في حاجة ملحة إلى التعليم بجميع أنواعه ، وإدارة المدينة لا تشجع التعليم الوطني ، وأخشى أن تعوق مشروع المعهد المصري عندما تجئ مرحلة التنفيذ .
فإذا كانت هذه حالنا في التعليم عرفت - يا أخي -
نوع الأطفال والشبان الذين عندنا ، أطفالنا معظمهم حمالون في الميناء وخدم في الفنادق والمقاهي الأجنبية ومساحو أحذية . وشباننا سائقو سيارات خاصة وعامة ، وتجار برءوس أموال صغيرة ، ومتعطلون ومتسكعون . وهم لا يقوون على منافسة الأجنبي المتعلم صاحب النفوذ ، الذي يجد من جاليته تأييدا وعونا ماديا وأدبيا .
وأما الناحية الدينية عندنا فيؤسفني أن أقول لك إن أبناء الجيل الجديد قد ألهتهم مظاهر المدنية الحديثة وجاذيتها عن أن يفكروا في الدين وواجباته . ولقد غزتنا الحياة
الأجنبية قطفت حتى على هذا الشعور الذي كان يغمر النفوس بالقوة والسلاح والإيمان . وصرت تجد الآن حالة الخمور بجانب المسجد ، والمرقص بجانب الزاوية ، والحانة والمرقص عامران والمسجد والزاوية خاليان . وضاع ما وقف على المساجد وأعمال الخير من أموال ، وصار ما يهدم لا يعمر ، وضلت النفوس بالمال للاصلاح .
وإذا ما تجولت في طنجة رأيت مدينتين مختلفتين . مدينة أجنبية نظيفة صحية راقية ، وأخرى مهملة ، ضيقة الازقة، متداهية الأبنية ، مزدحمة بسكانها . ولا داعي لأن أقول : لمن هذه ، ولمن تلك .
إن فكرة العالمية - يا أخي - فكرة حلوة جذابة ، ولكن التجربة قد أثبتت فسادها ، وعدم إمكانها عمليا . فطنجة الدولية تضم جماعات من جميع أنحاء العالم والأديان . وهؤلاء تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى . فلا تربط بينهم عاطفة مشتركة نحو وطن واحد ، أو دين واحد أو لغة واحدة ، وليس لهم هدف أخلاقى أو عملي مشترك . وهم متباينون في السلوك والعادات والأهواء والآمال وقد صارت المصلحة الفردية أو مصلحة الجالية قبل المصلحة العامة . وسادت المنافسة الصحيحة ، وجازت في سبيل تحقيق الغابات الشخصية كل وسيلة . ومن يولد في طنجة من أبوين أجنبيين لا يحمل لمسقط رأسه ولاء ، وإنما ولاؤه لوطن آبائه . ثم قد صارت طنجة مدينة دولية . ولكنها ضمت أسوأ ما يمكن أن تبعث به الدول من أخلاق وسلوك . وإن كانت ثمة أية
ميزة لهذه المدينة فهى أنها صارت ملجأ الاحرار والمضطهدين السياسيين . ولم لا وهي مأوي الخارجين على القانون ، وفاسدي الأخلاق ، والمتعطلين؟ .
وبعد فاعذرني - أيها الأخ - إن كنت قد ضمنت رسالتي هذه صورة سوداء لمدينة طنجة . فما هي إلا الحقيقة المريرة ذكرتها لك .
عَلى أَنَّها الاحوال قَد صِرنَ كُلَّها عَجائِبَ حَتّى لَيسَ فيها عَجائِبُ
وأستودعك الله إلى الرسالة القادمة .
