الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 660 الرجوع إلى "الثقافة"

رسائل من المغرب، الرسالة الخامسة

Share

طنجة في... سنة ١٩٥١ أخي راتب.

عندما أُعلنت الحرب الأخيرة وقفنا نحن المراكشيين بجانب الحلفاء -أو بعبارة أخرى بجانب فرنسا- وقدمنا كل ما طُلب إلينا من الرجال والعتاد والتموين، وقدمنا موانينا ومطاراتنا ومواصلاتنا. وربما نقول إنه كان علينا أن نقدم هذا بحكم الحماية التي لفرنسا على بلادنا، كما فعلتم أنتم -المصريين- أثناء الحرب الأولى عندما كانت لإنجلترا الحماية على مصر. والواقع هو أننا -حكومة وشعبًا- قدمنا كل مساعدة ممكنة بدافع المبدأ، مبدأ تحيزنا للديمقراطية. فلقد فهمنا حينذاك أن الحلفاء كانوا يدافعون عن الحريات، حريات الشعوب والأفراد، وأنهم يريدون أن يتغلبوا على الدكتاتورية وطغيانها، وأن في نيتهم، بعد هزيمة الدكتاتورية، أن يجعلوا من هذا العالم عالمًا جديدًا خاليًا من العَوَز يتمتع بالحرية والسلام ، ويكون لكل شعب فيه حق تقرير مصيره. والواقع أن دعاية الحلفاء القوية في ذلك الوقت كانت مغرية ومقنِعة. وقد كان في استطاعتنا أن نثور، وأن نخلق قلاقل واضطرابات -بإيعاز من المحور- ولكنا لم نر من المروءة أن نضرب من الخلف. ولما هُزمت فرنسا سنة ١٩٤٠ وقامت حكومة فيشي التي كانت تتلقي الأوامر من الألمان ظلت عاطفتنا مع "فرنسا الحرة"؛ لأننا كنا من أنصار الحرية. ولعلك لا تعرف أن حكومة فيشي رغبت إلى مولانا السلطان أن يضايق اليهود في أموالهم وانفسهم -وكانت هذه رغبة ألمانيا- فرفض مولانا قائلًا: إنهم من رعيتي، وفي حمايتي، فلا يمسهم أحد بسوء. ثم نزل الحلفاء في مراكش سنة ١٩٤٢، فجددنا ثقتنا بالديمقراطية ظنًّا منا أن في انتصارها تحقيقًا لآمالنا. ولكن ماذا جنينا؟.

لقد كان انتصار فرنسا نكبة علينا، فهزيمة إيطاليا

أعادت للحبشة حريتها واستقلالها، وحرَّرت ليبيا وإرتريا أما نحن فما زلنا كما كنا من قبل إن لم تسؤ حالنا.

قدَّم الوطنيون مطالب البلاد، في أواخر سنوات الحرب إلى المقيم العام، فقال: إن الوقت لم يَحِن بعد للنظر فيها ووعد بإصلاحات تدريجية. وانتهت الحرب وضيق الفرنسي الخناق على حرياتنا، وصارت الصحف تصدر نصف بيضاء لا تحمل إلا الإعلانات وأخبار القادمين والمسافرين وحُظرت الاجتماعات، وعوكس الوطنيون في أموالهم وأعمالهم. وتتطور المأساة فيطلب المقيم العام إلى سيد البلاد أن يعلن أن "حزب الاستقلال" حزب غير شرعي، فيُحَلُّ بذلك الحزب، ويُشتت رجاله.

لقد كانت السلطات الفرنسية تتهم الوطنيين -قبل الحرب- بممالأتهم للنازية والفاشية، فلما زال هذان المذهبان، أصبح الوطنيون يُتهمون بالشيوعية. وهكذا يجد المستعمرون دائمًا في قاموس السياسة أوصافًا نكراء يَصِمون بها المجاهدين الأحرار. ولا أريد أن أعيد هنا ذِكر المأساة السياسية التي حدثت في شهري فبراير ومارس الماضيين وتحدي السلطات المستعمرة لأمة بأكملها شعبًا وحكومة، وما قام من مظاهرات أُخمدت بالسلاح، واعتقال السلطات لمئات من الأبرياء في جميع أنحاء البلاد ومحاكمتهم، ولكني أريد أن أشرح لك حالنا اليوم تحت الحماية الفرنسية.

هنا حقيقة يطيب لي أن أعلنها، تلك هي أن علاقتنا بسلطاننا إنما هي علاقة ولاء خالص وحب، لا فرق في ذلك بين من يسميهم المستعمر برابرة وعربًا. وحبنا لسلطاننا هو في الواقع حب طبيعي لا تقليدي، منشؤه أننا نري فيه أبًا لأسرة كبيرة، وراعيًا دينيًّا ومدنيًّا معًا، وسيدًا عطوفًا حدبًا علي مصالحنا. وهو في بساطة حياته، ومشاركته إيانا آلامنا وآمالنا يرتبط بنا بروابط روحية ومعنوية عميقة. وإنك لتجد صورته في بيوتنا وحجراتنا الخاصة تتمثل فيها قيادته

الرشيدة وأبوته وعطفه. لهذا كان من مصلحة المستعمرين أن يخلفوا في البلاد -مقابل هذه الوحدة بين الشعب وسيده- هيئة موالية لهم يعتمدون عليها. هيئة هي ورقة اللعب التي يهددون باستعمالها عند الأزمات السياسية. وأنت -يا أخي- تعرف أمثلة ذلك في السودان وغيره من البلاد العربية التي يسودها النفوذ الأجنبي.

ومنذ أن وضع الفرنسيون أقدامهم في مراكش حاولوا أن يفرقوا بين عرب وبرابرة، فعززوا سلطات زعماء

القبائل البربرية وحاولوا كسبهم، وعملوا على إحياء عادات البربر ولغاتهم وهي لغات غير مكتوبة. وفي سنة ١٩٣٠ أصدروا قانونًا بوجوب احترام العادات والتقاليد البربرية، ونظام القبائل، وأنشئوا بمقتضاه مجالس قضائية قَبَلية مستقلة عن نظام المحاكم الدينية والشرعية، مجالس تشبه مجالس نظار العشائر في السودان.

ثم حاولوا منذ إعلان الحماية أن يطبّقوا السياسة التي اتبعوها في الجزائر، على مراكش بالتدريج . فاستقدموا

الأسرات الفرنسية وزرعوها في المدن والقرى زرعًا. وسهلوا لها استغلال رءوس الأموال في الصناعة والتجارة والزراعة، وساعدوهم على امتلاك الأراضي، فنما عدد الفرنسيين وغيرهم من الأجانب، ونمت معهم ثرواتهم نموًّا فاحشًا، وصرت تجدهم في المدن والقرى أصحابَ المتاجر والفنادق والمقاهي والبيوت التجارية وأصحاب المزارع الواسعة والبساتين، والشركات الزراعية يستخدمون فيها معارفهم الفنية، وآلات الإنتاج الحديثة، مما لا يعرفه المزارع

المراكشي، وبانتشارهم بيننا نشروا معهم عاداتهم، وهي أجنبية عنا نحن المسلمين المحافظين، فأخذنا عنهم أسوأ العادات، أخذنا عنهم الربا والقمار وشرب المسكرات، وإن كنا لا زلنا -والحمد لله- محتفظين بتقاليدنا الإسلامية بصفة عامة إذا قُورنا بأهل الجزائر.

وأنت إذا ذهبت إلى المصايف المراكشية وجدتها ملكًا للفرنسيين، ولا يسمحون للوطنيين أن يختلطوا بهم أو يجاوروهم، وفي كثير من المدن مثل فاس ومكناس

اشتروا أراضي للبناء وقسموها وجعلوها مقرًّا لهم وللأوربيين ولا يسمحون لأهل البلاد بالبناء فيها، ولذلك نشأ في مدننا حيان متميزان: الحي الفرنسي الراقي، والحي الوطني المهمَل.

وفي مراكنش الآن نصف مليون معظمهم فرنسيون، وقد حرم الاستعمار المراكشيين من كل الوظائف الكبرى، بل بعض الوظائف الصغيرة، فإذا أنت دخلت أحد المصارف راعك ألا تجد فيه من المراكشيين إلا البواب والسعاة، وإذا درست إدارة من إدارات الحكومة -كالسكك الحديد مثلًا- وجدت معظم موظفيها من الفرنسيين، حتى الكمسارية، ولم لا؟ إن اللغة الفرنسية هي لغة الدواوين، والمراكشيون لا يُتاح لهم من التعليم عادة ما يمكِّنهم من الوصول إلى المستوى الثقافي أو المهني الفني الذي يسمح لهم بمنافسة الفرنسي، وقد كانت هذه حالة مصر إلى نهاية الحرب الأولى، وحالة السودانيين مع الإنجليز إلى سنوات أخيرة...

ويكفي أن أذكِّرك بحال الشركات الأجنبية في مصر قبل صدور "قانون استعمال اللغة العربية" فيها لتدرك كيف أن

جميع أعمالنا الرسمية والتجارية في يد الفرنسيين، وتستعمل فيها اللغة الفرنسية... نعم من الواجب أن أقول إن بين الموظفين الفرنسيين عددًا لا بأس به من المراكشيين هم موضع عطفهم وثقتهم، ولكنهم بالأسف يهود.

وأقول: بالأسف لأنهم محسوبون علينا وليسوا منا؛ فهم يوالون المستعمر، وهم يتمتعون بكل المزايا، ولكن عاطفتهم ليست معنا، ولقد استطاعوا أثناء حرب فلسطين -وما زالوا- أن يقدموا المساعدات المالية لأعداء العرب...

فإذا سألت عن حال التعليم قلت لك إن عدد التلاميذ المراكشيين الذين في مدارس الدولة يقل عن عدد التلاميذ الفرنسيين الذين في المدارس الفرنسية بمراكش، وعن عدد التلاميذ اليهود الذين في مدارسهم الخاصة.

وليس في بلادنا معاهد فنية عالية تُعد إعدادًا جامعيًّا للطب والهندسة والعلوم، وإنما الوسيلة إلى ذلك هي بإرسال الشبان إلى جامعات فرنسا.

ولقد كان من أثر قصر تعلم اللغات الأجنبية في مدارس الحكومة على اللغة الفرنسية أن اتجه تعليمنا العالي نحو فرنسا، وحُرمنا الاتصال بالثقافات الأوربية الأخرى. وإذا عرفت أن شئون البلاد في يد الإدارة الفرنسية أدركت أنه ليس من مصلحتها نشر التعليم أو تثقيف الشعب، ولكنا نحن المراكشيين قد تنبهنا الآن إلى هذه الحال، وبدأنا ننشئ المدارس للبنين والبنات، ولاقينا في مشروعنا هذا كل تشجيع وإقبال.

وفي البلاد الآن نهضة قوية في كل نواحي الحياة ويقظة لحقوقنا الوطنية تزيد كل يوم نشاطًا.

ونحن حين ننظر حولنا فنجد شعوبًا كانت بالأمس في مرحلة بدائية فصارت تحكم نفسها بنفسها كالساحل الذهبي مثلًا، وحين نذكر تاريخنا الماضي وقد امتدت الإمبراطورية المراكشية في عهد المرابطين والموحدين إلى تونس وأسبانيا، ونذكر الدور الثقافي الذي قام به علماؤنا في التاريخ، نشعر بأن الوقت قد حان لاسترداد حريتنا وحقوقنا، ولتنمية مواهبنا وقدراتنا وثرواتنا.

وللإشراف على شئون بلادنا، وللتعاون مع من نشاء من أمم العالم لخيرنا وخير الإنسانية.

إن حركتنا القومية هذه حركة طبيعية صحيحة سليمة، ولا بد منها لكل شعب من الشعوب، والمشكلة هي أن الأنانية الاستعمارية لا تريد أن تعترف بها، وتعمل على كَبْتها. ولقد صرح الأستاذ علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال في كتاب نشرته معظم الصحف الأمريكية والإنجليزية بأهداف الشعب المراكشي التي يعمل حزب الاستغلال على تحقيقها فقال:

"إن هدفنا هو استقلال بلادنا والانتقال بالعلاقة السائدة وغير المرضية بينا وبين فرنسا إلى علاقة تعاون حر. ويبدو أن هذا الهدف غير واضح في أذهان من يتحدثون عن المسألة المراكشية في الخارج.

... أما أن حركتنا الاستقلالية قائمة فهذا ما لا شك فيه، وهي قوية أيضًا، وأعضاء حزبنا من جميع الطبقات؛ من المثقفين ورجال الصناعة والتجارة إلى الزارعين الأميين ورجال القبائل. وإن نشاطنا الآن لموجه إلى ناحيتي السياسة والتربية. فقد نظمنا حربًا ضد الأمية في جميع أنحاء البلاد، وأسسنا مدارس كثيرة في المدن والقرى، ابتدائية وثانوية، ونعمل على استمرارها في رسالتها. ونحن نرى العمال وننظم صفوفهم لكي يكونوا اتحاداتهم؛ هذه الاتحادات التي تحظر الإدارة الفرنسية في مراكش تكوينها. وهذه الجهود تُبذل في جو من الصعوبات بسبب الحظر القائم على حريتنا المدنية.

إن حركتنا حركة وطنية أساسها الإسلام والديمقراطية، وبهذه الصورة ننكر كل علاقة بالشيوعية. ولقد حاول الحزب الشيوعي الفرنسي أن يتفق معنا على تكوين جهة مشتركة، وألح في محاولاته دون جدوى. وليس حزب الاستقلال عدائيًّا لفرنسا، ولكنا حقًّا ضد نظام الاستعمار الذي أثقلت به الإدارة الفرنسية عاتق الشعب المراكشي. ومع ذلك ما زلنا نعمل بقوة على أن نصل إلى حل الموقف مع الحكومة الفرنسية على أساس من التفاهم والاحترام والتبادل".

فأنت ترى -أيها الأخ العزيز- فيما ذكرت لك ما وصلت إليه بلادنا في عهد الحماية الفرنسية. وقد أردت أن أذكر لك هذا قبل أن تفد إلينا لكي يتهيأ ذهنك

لمشاهدة ما نحن فيه. وأنا متفائل جدًّا عندما أقول "قبل أن تفد إلينا" إذ يخيل إليَّ أن مصيرك سيكون كمصير غيرك من أبناء العرب الذين حاولوا الحصول على تصريح لدخول مراكش السلطانية، من القناصل الفرنسية. فالمنطقة السلطانية منطقة محظورة عليهم، بل إنها محظورة كذلك على أي زائر يُخشى منه أن يقوم بدعاية أمينة ضد السياسة الاستعمارية الفرنسية.

فإذا عرفت هذا عرفت أنه لا فرق بين "الستار الحديدي" الذي تفرضه الروسيا و"الستار الحريري" الذي تستخفي وراءه القادة الفرنسية، ولكن الأول باسم الدكتاتورية والثاني باسم الديمقراطية.

لقد أطلت عليك -يا راتب- في رسالتي، ولست أريد بهذا أن أصرفك عن زيارتنا، كلا فسوف تجد بيننا أهلًا بأهل وإخوانًا بإخوان. حاول أن تدخل المنطقة السلطانية. فرب من سار على الدرب وصل. وأستودعك الله، وإلى اللقاء.

اشترك في نشرتنا البريدية