طنجة في ... سنة ١٩٥١ أخي راتب .
سأتحدث إليك في هذه الرسالة عن تجربة مريرة مؤلمة، فيها عظة لنا نحن أهل المغرب، ومعرفة لكم أهل المشرق .
منذ سنتين حاولت أن أزور بلاد الجزائر وبالرغم من أن هذه البلاد تعد في نظر الفرنسيين، وفي العرف السياسي الرسمي، قطعة من الاتحاد الفرنسي، فإني وجدت من العنت والصعوبة في الحصول على التصريح بالدخول الشئ الكثير. فلقد كان على أن أقدم ثلاث صور شخصية ، وأن أجيب عن مجموعة من الأسئلة الشخصية، وأن أعطي عنوان شخصين يزكياني من أهل الجزائر، وأن أنتظر حتى ترسل أوراقى إلى الحاكم العام هناك فتفحص ثم يؤشر بالموافقة على الزيارة، ولقد ترددت كثيرا في أن أعطي اسمى صديقين لي من أهل الجزائر، على أنهما مزكيان، خشية أن تثار حولهما الشبهات السياسية. وأخيرا استطعت أن أدخل بلاد الجزائر فماذا وجدت ؟.
وجدت تلك البلاد التي استسلمت للغزو الفرنسي منذ ١٢٠ سنة قد امجث منها الآثار العربية، والمعالم الإسلامية، والتقاليد القومية، اللهم إلا بقايا تتراءي هنا وهناك كما يتراءي تحت الرماد وميض النار. فلم تقع عيني على جريدة أو مجلة عربية، ولم أر عنوان شارع ، أو لافتة، مكتوبا بالعربية . نعم تصدر بهذه البلاد التي يسكنها سبعة ملايين من الصحفين مجلة "شبه أسبوعية" اسمها "البصائر" هي لسان جمعية العلماء، وشعارها العروبة والإسلام، وأقول "شبه أسبوعية" لأنها لا تصدر كل أسبوع كما هو المفروض . والسبب في تعثرها وتعطيلها واضح . فالبلاد بصيرورتها فرنسية رسميا، أصبحت فيها اللغة الفرنسية هي اللغة القومية، تعلم في المدارس على أنها اللغة الأولى ، وأصبحت اللغة العربية لغة أجنبية مختارها النفيذ بعد الفرنسية كما يختار الإسبانية أو الإيطالية . وبذلك قل قراء العربية إلى درجة الندرة .
هذا إلي أن المجلة مجلة مقالات جدية لا أخبار ولا قصص غرامية، لذلك لا يجد فيها العدد القليل من قراء العربية ما يجده في المجلات والصحف الفرنسية المحلية والخارجية . ولقد حاولت أن أتكلم العربية مع الجزائرين فلم نستطع التفاهم، فما يعرفونه من العربية مزيج من البربرية واللكنة الفرنسية . وكيف أفهمهم وهم ينطقون بكلمتي محمد وعلى مثلا مهمت وألي ؛ ولقد خفف عن نفسى شعورها بالأسي لهذه الحال ما عرفته من أن جمعية العلماء الجزائريين، والتبورين من الوطنيين، قد أسسوا مدارس إسلامية عربية، ولكن روادها قليل . وسبب ذلك أيضا واضح ؛ فالأطفال يرسلهم آباؤهم إلى مدارس الدولة التي تمنح الشهادات، والتي تمكنهم في المستقبل من الارتزاق والتوظف . أما المدارس العربية الأهلية فمستقبلها خيالي، لا تمنح شهادات معترفا بها، ولا تعد لدراسات عليا، والآباء في ذلك معذورون . على أنني سمعت من بعض الآباء أنهم لحرصهم على تعليم أولادهم العربية، يرسلون بهم في الفجر لتلقى درس أو درسين قبل الذهاب إلي مدرسة الحكومة . ومنهم من يذهب إلى المدارس العربية بعد العودة من مدارس الحكومة، وفي هذا عناء ومشقة على الأطفال . ولا أبالغ إذا قلت إن معلمي هذه المدارس العربية من نوع فقهاء الكتاتيب التي كانت عندكم بمصر في أول هذا القرن ، ممن يتخذون من أساليب التعليم العقيمة ما يكره الأطفال فيما يتعلمون .
أما معالم الإسلام فلعلك توافق معي على أن أهمها المساجد التي يدل قيامها على وجود جماعة مسلمة تؤمها . ومن المحزن أن أروي لك ما ذكره لي أحد إخواننا الجزائريين من أنه كان بمدينة الجزائر عند الغزو الفرنسي نحو مائتي مسجد وزاوية فلم يبق بها الآن إلا مسجدان . ماذا جرى ؟ قطعت الأوقاف . وألغيت الوظائف الدينية بها، ولم يصلح ما آل منها إلى السقوط فهدم وأصبح خرائب،
وحول بعضها إلى كنائس . ولا زالت بعض كنائسها محتفظة ببنايتها الأولى عندما كانت مساجد ؛ كما في الصورة المرافقة .
وبزوال المساجد، واضطهاد العلماء، واتهامهم بالحركات السياسية المعادية، وفتح المدارس الفرنسية بدل القومية، وإحلال اللغة الفرنسية محل العربية، نشأت أجبال لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، وتعترف بإسلامها بصورة تقليدية، لا تحمل معها معني واضحا أو شعورا قويا .
وأنت تعرف أن ليس لفرنسا دين رسمي، فهي لا تعلم
فى مدارسها بالحزائر ديانة من الديانات، ولكن الشعب مسيحي ومعظمه كأوليكى، والمدرسون والمدرسات من أصل فرنسي، ولذلك تقفل المدارس أيام الآحاد، أيام العطلة الأسبوعية، وهكذا صار أولاد المسلمين الذين يتعلمون بمدارس الحكومة لا يعرفون شيئا عن التقاليد الإسلامية، وينظرون إلى يوم الأحد على أنه يوم عطلتهم الأسبوعية .
والمبشرون الذين وفدوا مع الغزو وانتشروا في البلاد، لاسيما القرى والجبال، يجدون من الحكام تأييدا عظيما . أذكر لك شيئا عن طوائف المبشرين "الآباء البيض" الذين
يعلنون أن غرضهم إنساني اجتماعي محض، إن لهؤلاء عياداتهم الطبية، وملاجئهم ، ومدارسهم، وأنديتهم الاجتماعية، وخدماتهم، وإعاناتهم، وهم يعيشون في الطبقات الدنيا الجاهلة، ويغرونهم بالخدمات الصحية والمعونات. وقد نجحوا فعلا في تصير عدد من البسطاء، وإيواء أطفال يتامي أو فقراء من أبناء المسلمين فنشئوا على دينهم. وبذلك لم يتخذ الاستعمار من الإسلام، ودين البلاد، موقفا سلبيا فقط، بل اتخذ موقفا إيجابيا بصورة خفية. وبالرغم من كل هذه
الجهود مازال أهل الجزائر متمسكين بدينهم حريصين عليه، ولو أنه حرص صورى .
لاتسئ فهمي - أيها الآخ - فتظن أنني متعصب ديني، كلا فأنا أومن بما جاء فى القرآن ( ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين ). وإنما سقت لك ما لاحظته عن حال الإسلام والمسلمين في الجزائر لتري مقدار ما فعل الاستعمار بدين البلاد ولغتها .
فإن سألتني عن التقاليد القومية قلت لك إن البلاد فقدت كل تقاليدها القومية ؛ فليس لها أعياد قومية : عيد ملك
أو عيد استقلال أو عيد الدستور، وإنما تحتفل بيوم ١٤ يوليو عيد الثورة الفرنسية، وفقدت تاريخها القومي ؛ فلا يعلم في المدارس إلا تاريخ فرنسا، والجزائر الفرنسية، وفقدت ذكري عظمائها ؛ فما كان لها من عظماء محا الاستعمار ذكره واسمه. وأصبحت شوارعها وميادينها ومدارسها تحمل أسماء قواد، وسياسين، وشعراء، وكتاب فرنسين، ثم طفت عليها تقاليد الدولة المستعمرة : بيوت الفاجرات مفتوحة علنا، وحانات الخمور أكثر من دكاكين السجاير، وأصبحت الجزائر الإسلامية شهيرة بخمورها التي هي مورد ثروة كبيرة للحكومة والأفراد . والملاهي ودور القمار مؤسسات مرخص بها رسميا، ولم يبق من تقاليد البلاد ما يذكرها بقوميتها وعزتها وتاريخها . نعم بقى شئ أحترمه الاستعمار وحافظ عليه هو الجهل، والاعتقاد فى الكرامات، وزيارة أضرحة الأولياء، وإنك لو زرت بعض الأضرحة لوجدت جماهير من النساء والشيوخ والأطفال، يطوفون، ويتبركون، ويرجون الشفاء، أو رد المفقود، أو رفع البلاء !.
وثمة شئ آخر احتفظ به الاستعمار وشجعه، هو الفقر.
ومن المغالطات أن يقال إن الاستعمار ينمي ثروة البلاد ؛ فلمن هذه التنمية ؟ إنه ينميها لنفسه ولمستعمريه ولدولته ، ويكفي دليلا على ذلك أن الفرنسيين نجحوا في شراء الأراضي الزراعية من السكان الأصليين فزحفوا إلى الجنوب - إلى الصحراء - ولكن لم يتركوهم وصحراءهم ، بل صاروا كلما أصلح أهل البلاد الأراضي ، وزادت ديونهم الناجمة عن الشراب والسفه ، اشتروها منهم . وبذلك تحولت الثروة الزراعية إلى المستعمر . أما الثروة الصناعية والتجارية فهل تنتظر أن ينافس فيها الجزائري سيده المستعمر ؛ إن الشركات الصناعية ، واليبوت التجارية ، والمصارف ، كل هذه في يد الفرنسيين . ولا تنسى أن العملة فى الجزائر هى الفرنك الفرنسي . والبلاد - يا أخي - غنية بمعادنها لاسيما الحديد ، وصناعاتها الزراعية كالسجائر من التبغ الناتج في الجزائر، والزيوت ، والصابون ، والأخشاب ، والفواكه ، والخمور.
أما الجزائريون فبالرغم من معاشرتهم الفرنسيين أكثر من قرن ، ومشاهدتهم إياهم في حياتهم الإنتاجية والثقافية ، ما زالوا يعيشون عيشة فقر وبؤس وحرمان ، إنهم لم يندمجوا في الفرنسيين فيصيروا مثلهم ، ولم يبقوا على كيانهم وثروتهم ، ويتعلموا ، وينشطوا ، وينافسوا لينهضوا . فصاروا إلى تلك الحال التي تشاهدها في الصورة المرافقة .
سافرت يوما إلى إحدي القرى القاصية في الجنوب ، وحسيت أنني سأجد نفسى في صميم الشعب الجزائري ، ولكن أملي خاب ، فلقد وجدت المقاهى والمخابز والمطابخ والفنادق والحانات والبيوت الجميلة والبساتين كلها في يد المستعمر .
هذه - يا أخي - إحدي تجاربى فى آثار الاستعمار الفرنسي بشمالي إفريقيا ، وررت أن أسجلها لك فى رسالتي هذه . وأن أعلنها . وإنها لصفحة سوداء فى تاريخ الاستعمار، وفى سجل أمة كانت أولى دول العالم التي نادت بالحرية والإخاء والمساواة ، أمة تتفاخر بديمقراطيتها ودفاعها عن الديمقراطية والحريات ولكن العالم مازال مليئا بالمناقضات .
قتل امرئ في غاية جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن مسألة فيها النظر

