الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 658الرجوع إلى "الثقافة"

رسائل من المغرب ، الرسالة الثالثة

Share

طنجة في ... سنة ١٩٥١ أخي راتب .

تستطيع أن نقد إلينا بطريق البر أو البحر أو الهواء . والعادة أن يذهب القادمون من المشرق أولا إلى جبل طارق . ومنه يعبرون إلى طنجة في سفينة بخارية تسافر يوميا وتقطع المسافة في ثلاث ساعات تقريبا، أو يستقلون الطائرة . ولك أن تذهب إلى إسبانيا أولا ، ومنها إلى طنجة . ثم ترسو في طنجة بعض السفن التجارية الوافدة من المشرق ، ولكن لا يوجد خط بحرى منتظم للركاب بيننا وبين البلاد العربية . فلابد إذا للقادم من أى بلد عربي أن يذهب أولا إلى أوربا ومنها إلى مراكش . فانظر إلى أي حد صار التواصل بيننا .

ولا تحتاج إلى تصريح لدخول طنجة ، وإن كان البوليس يطلب إليك أن تعطيه بيانات مفصلة عن أسباب قدومك ، ومدة الإقامة ، وعنوانك .. الخ ؟ ذلك لأنك من رعايا إحدى الدول غير المشتركة في إدارة المدينة . ولدخول المنطقة الخليفية أو السلطانية تحتاج إلى تصريح (VISS) من القنصلية الإسبانية للأولى والفرنسية للثانية . وقد كان من الصعب على المصري - وغيره من أبناء العرب - الحصول على تصريح إسباني لدخول المنطقة الخليفية ، غير أن العلاقات الودية التي نشأت أخيرا بين مصر وإسبانيا جعلت قناصل إسبانيا يراعون جانب المجاملة يمنحهم المصربين تصريحا لدخول المنطقة الخليفية ، وإن كان ذلك لا يتفق والسياسة العامة التي تعمل على قطع الصلات بين سكان المنطقة والعالم العربي . أما الحصول على التصريح الفرنسي لدخول المنطقة السلطانية فهذا من أعقد المسائل . ففرنسا لا تحب العرب ولا سيما المصريين . فقد خسرت نفوذها في سوريا ، واحتضنت مصر الأمير عبد الكريم وصحبه على حين غفلة منها . ولا زالت مصر مأوي الوطنيين المراكشيين وغيرهم . وهي

مركز الجامعة العربية . والصحف المصرية - وهي قادة الصحف العربية - لا تفتا تهاجم الاستعمار الفرنسي في شمالي إفريقيا . والحركة الوطنية في مصر وباء خطير تنتقل هدواء بطريق الاتصال أو اللمس . لذلك وضع الاستعمار الفرنسي سياسته على أساس الحياولة بين الزائرين العرب ودخولهم بلاد شمالي إفريقيا .

ولعلك تعرف أن مصر حاولت إنشاء قنصلية لها في شمالي إفريقيا - تونس - فرفضت ذلك فرنسا . وقبلت أخيرا أمام التهديد ، على أن يكون مقر القنصل في مرسيليا . وواضح أنها لا تريد أن يقف العالم العربي على ما يجري في داخل شمالي إفريقيا من شنائع الاستعمار . على أنه من الإنصاف أن أسجل هنا أن فرنسا تبيح لعنصر خاص من أهل البلاد العربية أن يدخل شمالي إفريقيا ، لابل وترحب بهذا العنصر وتمنحه الوظائف، ونسخو معه في الأجر . ويؤسفنى ان  أقول لك إن هذا العنصر الذي ينتمي إلى العرب بحكم موطنه ومولده ولغته خطر علينا كل الخطر . وقد أضر بنا في الماضي ، ولا يزال يؤذينا في الحاضر . وهذا العنصر يستخدمه الفرنسيون في الجمارك والبوليس السري ، والدعاية والرقابة ، والتجسس علينا نحن المستعمرين . ذلك لأنه يجيد العربية والفرنسية ويتصل بنا بسهولة ، وبندس فينا وبتقرب إلينا باسم العربية ، ثم ينقل إلى المستعمر الأخبار والشبهات . وكم معتقلين ومضطهدين هم ضحايا هذا العنصر الدخيل . ومنه عدد الآن في المنطقة الخليفية أيضا وفي الجزائر وتونس . ولقد قامت مصر أثناء الاحتلال البريطاني ، شر هذا العنصر المأجور .

فالتصريح الفرنسي بدخول مراكش إذا يعد معجزة من المعجزات ، نعم قد يسمح لبعض الهيئات غير السياسية بالدخول ، كما سمح في العام الماضي لبعض أعضاء الجمعية الفلكية الزراعية ، ولفرقة التمثيل القومية ، ولكن هذا

من باب ذر الرماد ، والمجاملة الدبلوماسية ، ولا أذيع سرا إذا قلت إن هذه الهيئات تكون دائما تحت الرقابة السرية ، ولا يسمح لها إلا بزيارات معينة في حدود موضوعة ، ويطلب إلى بعض الشخصيات في البلاد عدم مقابلتها ، أو التغيب عن الأماكن التي تزورها .

وهب أنك تمكنت من الحصول على التصريح الإسباني لدخول المنطقة الخليفية ، إنك بعد وصولك إلى طنجة ستسافر بالسيارة نحو ثلاث ساعات حتى تصل إلى مدينة تطوان العاصمة .

وسوف تلاحظ على طول الطريق ظاهرة غريبة ، هي انتشار الجنود الإسبانيين وكثرتهم ، حتى لتري معسكراتهم فوق الهضاب ، وفي منحنيات الطرق ، وفي الغابات . ولذلك أسباب : منها أن هذه المنطقة الخليفية هي الوكر الذي دبر فيه الجنرال فرانكو حملته وهجومه على أعدائه الشيوعيين في إسبانيا نفسها ، وفيها كان - ولا يزال - أنصاره وزملاؤه . فهو لا يزال يحتفظ برصيد عظيم من الجنود والضباط والذخيرة احتياطا للطوارئ . ومنها أنه لابد من

استبقاء جيش احتلال قوي ، لاسيما الآن ، آن نشاط الحركات القومية في البلاد المراكشية وان يقظة البلاد العربية بما في ذلك بلاد شمالى إفريقيا . وسبب ثالث هو أن حكومة الحماية في المنطقة الخليفية حكومة عسكرية والقانون القائم قانون الأحكام العرفية . ولذلك نجد معظم الموظفين المدنيين يعمل معهم موظفون عسكريون في الجمارك والبنوك والسكك الحديدية إلخ . أما الضعفاء العزل سكان المنطقة الخليفية الذين لا يزيد عددهم عن عدد سكان القاهرة فليس لديهم

حيلة أو وسيلة إلا الاستسلام وكبت الشعور الحزين .

فإذا وصلت إلى مركز الجمارك عند حدود المنطقة الخليفية فعليك أن تخضع لتفتيش دقيق ، ولا أعني التفتيش عن البضائع المجمركة ، أو النقود التي معك ، أو لاستيفاء الأوراق الرسمية وجواز السفر ، لا بل التفتيش عما تحمل من أوراق مكتوبة أو مطبوعات . فالخطر كل الخطر في أن تحمل كتابا أو مجلة مطبوعة في إحدي البلاد العربية . ولما كان موظف الجمارك إما إسبانيا أو مواطنا ، يريد أن يرضى رئيسه ،

فإن الطريقة العادية عند العثور على أية مطبوعات معك هي استفصاؤها والاستيلاء عليها ، إذ ما حاجتك إلى هذه المطبوعات ؟ إن ما في المنطقة من كتب - على قلتها - كاف لأمثالك وللعدد القليل من المراكشيين المتعلمين . وليس من المصلحة تشجيع القراءة والمعرفة.

فإذا ما انتهيت إلى مدينة تطوان رأيت مدينة جميلة فيها حبان رئيسيان ؟ الحي الأسباني والحي المراكشي ، وخير مقارنة بين الحبين أن أذكر لك حبين في القاهرة : جاردن ستى ومصر القديمة، ولعلك تحسب أن الحي المراكشي لفراكشيين وحدهم، كلا، فسوف نجد الحي المراكشي عامرا بالأسرات الأسبانية التي تعيش فيه كما نعيش نحن ، على حين لا يسمح لنا بأن نسكن الحي الأسباني .

وسوف تطوف في المدينة وتسأل عن أصحاب الفنادق والتناهي والمحال التجارية ، والشركات . وأود أن أطمئنك منذ الآن ، إلى أنها أسبانية ، وأن المراكسيين لا بالتجارة المتواضعة كالمطارة والأحذية (البلغ) والأقمشة المحلية والحبوب الخ . ولعلك تدهش حين تعلم أن بعض الحرف ينافسهم

فيها الأسبان كالحلاقة ومسح الأحذية ، وأن حرفة كخياطة القمصان والملابس الأفرنجية لا يعرفها أحد من المراكشيين ، وإنما هي في يد اليهود أو الأسبان .

وعلى ذكر اليهود نحن نسميهم هنا "أهل الملاح" وحبهم يسمي "حي الملاح" ، والغالب أن هذا تحريف من عبارة "أهل الملة" وبالرغم من أن الكاثوليك - وجميع الأسبان كاثوليك - يكرهون اليهود الذين قتلوا المسيح في عقيدتهم ، تجدهم يتقون بهم أكثر مما يتقون بنا أهل البلاد .

وسوف تطوف بالمدينة ونري دواوين للحكومة ، ومباني مصلحية ، ومعاهد ، وحمامات للسباحة ، وملاعب للكرة والتنس ، ومدارس فنية ، ولكني أريد أن أطمئك من الآن إلى أن نصيبنا في جميع هذه المؤسسات قليل جدا ، فجميع الموظفين الكبار ، ومعظم الصغار أسبان ، وإنك لتجد الموظف منهم يملك فندقا وحالة للخمور ومطعما ، فإذا ما رجع من عمله في الديوان اشترك مع زوجه أو أخته في إدارة الفندق والحانة والمطعم .

قلت إن نصيبنا من هذه المؤسسات قليل ؛ فمن ذلك حمامات السباحة وملاعب الكرة والتنس لا تجدها إلا مملوءة بالجالية الأسبانية . والمدارس - أيها الأخ - تبني بأموالنا ، ويتفق عليها من أموالنا ويدخلها كل طفل ، أو طفلة أسبانية ، في سن التعليم الابتدائي أو الثانوي . أما نحن فالتعليم  يعطى لنا "بالقطارة" قطرة قطرة . المدارس الابتدائية تعد على الأصابع وعدد تلاميذ المدارس جميعها بضعة آلاف . وليس لدينا إلا مدرسة ثانوية واحدة فيها نحو مائة تلميذ ، وتعليم البنات في حكم المعدوم . ولدينا مدرسة للفنون والصنائع ، ولكن أي الفنون وأي الصنائع ؟ زخرفة الخشب ، وصنع الفلشاني ، والجلود ، والأواني النحاسية المنقوشة ، تلك الصناعات القديمة التي ليست لها قيمة تجارية ولا مستقبل في الأسواق . وسوف نجد العامل - التخرج في هذه المدرسة - يمضى يومين في صناعة صينية من النحاس ثمنها عشرون قرشا .

هذا وليس في البلاد معهد للتعليم العالي ومن يسعده الحظ

فيتعم التعليم الثانوي ، ويكون ذا حال يستطيع أن يتعم تعليمه في أسبانيا . وكم من أهل البلاد يستطيعون هذا ؟ أما الذهاب إلى إحدي البلاد العربية المشرقية لإتمام التعليم بعد الثانوي فقد اثبتت التجربة عدم صلاحيته من الناحية السياسية ؛ ذلك لأن من يعودون من هذه البلاد العربية تكون افكارهم قد سمعت بآراء ومشروعات غير مرغوب فيها ؛ وذلك الطريقة السليمة - بعد التجربة - هي وضع العقبات في سبيل من يرغب في إتمام تعليمه بمصر تو سوريا . ولعلك تعرف ان بيت المغرب بالقاهرة أوشك أن يفعل ، لأن من يعود من الطلبة المغاربة إلى بلادهم لا يجيء من يحل محلهم .

وثمة مسألة ستلاحظها عندما تكون في المنطقة الخليقية ، تلك هي أن أهل هذه المنطقة لا يسمح لهر بالذهاب إلى طنجة

أو المنطقة السلطانية إلا بتصريح . وما أدراك ما التصريح ومقدمات التصريح ؛ لابد من اختبار تحريري طويل ، وملء استمارات ، وتقديم مستندات ، وصور شمسية وبيان أسباب ومسببات ، قبل الحصول على هذا التصريح .

ومن هذا يتضح لك - أيها الأخ الكريم - أن سكان المنطقة الخليفية يعيشون في سجن سياسي وثقافي وعمراني ، يعيشون في حال من الضعف أخشى أن ينطبق عليهم القول :

إن من كان ضعيفا ؟ أكلنه الأقوباء . وأكتفى اليوم بهذا القدر . وموعدنا الرسالة القادمة .

اشترك في نشرتنا البريدية