الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 686الرجوع إلى "الثقافة"

رسائل من انجلترا

Share

( بعد عودتي من الخارج اطلعت على الرسائل التي كنت ارسلها لوالدى تركت أرض الوطن حتى عدت إليه بعد ثلاث سنوات ، ثم رأيت أن أقتبس لقراء مجلتكم الغراء بعض الفقرات من تلك الرسائل التي ضوءا على التفاعل الذى يحدث بن المدينة الشرقية والحياة الغربية عند الاصطدام الأول ، ثم على "التكيف" الذي يحدث تدريجيا في خلق الفرد وفي وجهة نظره للحياة .) ( بثينة عبد الحميد محمد )

١٩٤٦/١٠/١٢ عندما وصلتنا إلى ميناء لفربول ، بدا منظره جميلا ، وكذلك منظر مدينة بركنهيد ، ثم مدينة نيو برايتون على الضفة الأخرى من مصب نهر مرزي ، المنازل تقريبا من طراز واحد مبنية بالطوب الأحمر والشوارع منحدرة "نحو البحر ، ومرت أمامنا عدة قوارب بهدوء وتؤدة ، وربما لم تكن جميعا بهذا الجمال ، وإنما أوحي إلينا بهذا الشعور اقترابنا من شاطئ انجلترا !

توجهنا بالقطار إلي لندن ، وبه تناولنا وجبة العشاء حيث سئلنا سؤالا طريفا " اتفضلين قطعة من الخبز أم حلوي ، يا سيدتي ؟ ! " ....

خرجنا في اليوم التالي لرؤية المحال التجارية ، وقد لاحظنا في الشعب مستوي عاليا من جهة الصحة والنشاط والنظام . . فلم نمر على مشاجرة أو متسول - للآن - أو شخص عاري القدمين ، رث الثياب ، أو طريق قذر أو أي مخلوق يمش بخلاعة واستهتار!

بعد قضاء ثلاثة أيام بلندن توجهنا - أنا وزميلتي إلى بلدة شيفلد ، وبعد البحث على مكان لإقامتنا من الساعة الواحدة والصف إلى الساعة الثامنة مساء ، وصلنا إلى مقرنا الحالي الذي قامت بزيارته مندوبة من الجامعة ، ووافقت على صلاحيته لكننا قبل أن تقيد أسماؤنا رسميا في كلية الآداب ....

السكن مريح ، وبالرغم من أن معظم المواد الغذائية بالبطاقات ، إلا أن الغذاء كاف ومرض للغاية ، خلاف الإشاعات التي وصلتنا قبل حضورنا ....

١٩٤٦/١٠/٣١ في يوم الجمعة الماضي ، احتفل طلبة الجامعة بما يسمونه Rag Day ، وهو يوم جمع فيه تبرعات لأغراض معينة سنويا - فقد جمعت هذا العام مثلا لمكافحة داء السرطان - ولم يقم الطلبة بهذا المشروع منذ أن نشبت الحرب في سنة ١٩٣٩ ، ولذلك فالجميع يدفعهم حماس شديد ، وروح ابتكارية قوية في الحصول علي التبرعات ....

١٩٤٦/١١/١٠ قبلت وزميلتي دعوة لتناول الشاي في منزل مستر ، ك . وهو عامل في أحد معامل الجامعة يعاون المهندسين المصريين في أثناء تمرينهم هنا . وقد أظهرت السيدة حرمه نحونا كثيرا من الكرم والحفاوة ، وقد أعجبا جدا بنظام ونظافة منزلها ، وما فيه من أثاث وسجاد وثريات ومذياع ووسائل للتدفئة وصور وزهور ومكتبة لا يستعملها ولا يحتاج إليها العامل المصري !

وكان مستر . ك قد قضى بعض الوقت في مصر خلال الحرب العالمية الأولى ، وقد أحضر معه مجموعة من الآثار لا بأس بها . وكذلك مجموعة من الذكريات ، لعلنا أفلحنا في محو بعضها ، وفي إصلاح البعض الآخر !

حضرنا يوم الجمعة الماضي حفلة تمثيلية في مسرح " الإمبراطورية " لما يسمونه البانتومايم Mother Goose وهو من الاستعراضات القومية الصميمة في موسم عيد الميلاد وسررت لرؤيته لأول مرة .

قرأت أول أمس في صحيفة Sunday Dispatch مقالا لرحالة بدعي Mr .Ward Price قام من مكتب تلك الجريدة برحلة بالسيارة إلى رأس الرجاء الصالح عابرا أوسع بقعة من الأرض " تحت إدارة انجلترا " وسأقتبس هنا فقرات من الجزء الخاص برحلته من الجزائر إلى السودان بدون أى تعليق : " إننا نعيش هنا فوق بركان ، فقد انبعثت من القاهرة موجة من الشعور الوطني طغت علي

شمال إفريقيا بأجمعه فلا يجرؤ الأوربيون في الجزائر على الخروج في الطرقات الرئيسية بعد الغروب ، لأن إقليم الجزائر كان في العام الماضي ميدانا لمجزرة عدد كبير من الأوربيين ، ردت عليها الحكومة الفرنسية بقتل حوالى ٣٠.٠٠٠ من الأهالي رميا بالرصاص .

وفي آخر مرحلة من الرحلة في إفريقيا الشمالية مررنا بإقليم ساكن ، مقدس ، مهيب هو ميدان العلمين .

أما في الإسكندرية فالحالة أيضا متوترة يسودها القلق وتوقع الاضطرابات . . والآن نصل إلي القاهرة ، أهم مركز في العالم لأغنياء الحرب حيث أثري كثيرون - من " باشا " إلى بائع القول السوداني من أموال بريطانيا ، ثم انقلبوا على اليد التي أطعمتهم وحمتهم .

فلم تفد عاصمة في العالم بأسره مثل ما أفادته القاهرة في السلم والحرب من المشروعات البريطانية ؟ . . والآن قد وصلت الحالة إلى ما هي عليه سياسيا وعسكريا واقتصاديا .

استعدنا ذكريات الماضي حينما كان نفوذ بريطانيا علي أشده في مصر ، وقد دفعتنا تلك الخواطر إلى التفريج عن أنفسنا بأن نتحول بالسيارة جنوبا تجاه السودان . "

خرجنا أمس لرؤية أجمل بقعة قريبة من شيفيلد وتدعي وايمنج بروك . فهناك خزان بجانبه تجمع الماء على شكل بحيرة جميلة ، تصل إليها المياه المنحدرة على سفوح تلال ابتدأت الخضرة تكسوها بعد تغطيتها بطبقة كثيفة من الجليد لمدة ثمانية أسابيع ، ولا زالت بها بعض الأماكن المرتفعة مغطاة بالجليد . كما اجتمعت بها أشجار الصنوبر على شكل غابات تتخللها ممرات للمشاة وطرق السيارات ، حتى يتمكن الزائرون من رؤيتها من كل جهة .

فبالرغم من أن شيقبل شيفيلد شهيرة بصناعة الصلب فقط ، إلي أنها مركز هام لزيارة أماكن من أجمل بقع انجلترا ، وذلك لتوسطها بين مرتفعات بوركشير الشهيرة ، وكذلك لسهولة المواصلات التي تربطها بمنطقة البحيرات ولانكشير ودار بشير ، كما أنها مركز ثقافى واجتماعي هام .

١٠ / ٨ / ٤٧ كان أطول يوم في رمضان هو أول يوم في الصيام ، إذ كان غروب الشمس في الساعة العاشرة وثمان دقائق . ويسرني أن أبدي هنا ملاحظة عابرة على عناية المشرفات

علينا من عضوات جمعية الشابات المسيحيات في أثناء الصيام واهتمامهن براحتي بالرغم من اختلاف مواعيدى كل الاختلاف عن مواعيدهن ، وإني أقدر شعورهن هذا كل التقدير .

9 / 12 / 47 . زرنا أمس مدرسة خاصة للأطفال المرضى بالروما تلزم ، وسن الأطفال فيها تتراوح بين أربع سنوات وخمس عشرة سنة ، وعددهم اثنان وأربعون طفلا وطفلة من اطفال مدينة شفيلد وضواحيها ، وتقع المدرسة في خارج البلدة في الهواء الطلقي . أما التدريس فيها فهو إما في حجرات الدراسة أوفي حجرات النوم على حسب الحالة الصحية للأطفال ، وتدرس لهم نفس المواد التي تدرس في المدارس العارية تقريبا ، ولكن بطريقة مبسطة شائفة للغاية مع اهتمام كبر بالأهمال البدوية والرسم . كما يقدم لهم العلاج اللازم في المدرسة ، ومعظم الحالات متوسطة في شدتها ، أما الحالات الأكثر شدة فتعالج بمستشفي الأطفال وقد علمنا أنه بعد مضي فترات متباينة من الزمن يتمكن حوالى ٨٠ % من التلاميذ والتفيذات من الالتحاقي بالمدارس العادية وماجحة الدراسة فيها بنجاح بعد ذلك

٤٧/١٢/٢٨ . بعد أن زرنا قصر وندسور ، توجهنا إلى قصر سان جيمس حيث رأينا الهدايا التي قدمت لسمو الأميرة إليزابث ولية العهد بمناسبة زفافها في العشرين من نوفمبر .

وليتني أتمكن من التعبير عن بعض ما لاحظناه في هذه الأيام الأخيرة عن تعلق الشعب بأجمعه بها وبجلالة الملكة وبفكرة الملكية على الإطلاق . تلك الرابطة التي تربط الشعب بأكمله في أفراحه وأتراحه ، ذلك الرمز النبيل لاتحاد الأمة بأسرها في سبيل تحقيق المثل العليا للديموقراطية في نظام الحكم وفي حياتهم الخاصة . تلك الديمقراطية الغريبة التى لا تتميز فقط بتمثيل الشعب في برلمان يؤاخذ الحكومة على كل صغيرة وكبيرة ، بل تتشمل بأجمل مظاهرها في تمتع الشعب بحريته كاملة ، وبالتعبير عن عقائده وشعوره عن طريق اللسان والقلم ، وعلاوة على ذلك فإنها تبدو جلية في معاملة أفراد الشعب بعضهم لبعض ، واحترامهم لشخصية كل مواطن مهما صغر شأنه ؛ فمن الجميل أن نسمع هيئة التدريس في الجامعة تخاطب غلاما يساعد في معمل بالجامعة

(البقية على الصفحة التالية )

بلقب " مستر " فلان ، كما يستعمل الصبي نفس العبارة في مخاطبة هؤلاء الأساتذة.

إننا نفس الروح الديمقراطية هنا عندما يقف العمداء والأساتذة مع الطلبة في " طابور " ينتظرون دورهم لتناول وجبة الغداء بمبنى اتحاد الطلبة ، ثم يأتي دور الواحد منهم فيحمل صينية خشبية كما يفعل الطلبة ويمر بها مختارا ما يروق له من ألوان الطعام ، ثم يتجه بها إلى المكان الخالي علي أي منضدة ويفرغ ما عليها ثم يرجعها حيث أخذها ليستعملها من لا يزال ينتظر دوره . فإن هذا الاندماج مع الطلبة ليس الغرض منه فقط حل ازمة الأيدي العاملة ، ولكنه ذو أثر كبير في تهذيب نفوس الشباب .

هذه هي البيئة التي تهيء للفرد الجو الذي يعتز فيه بشخصيته ، ويحاول من تلقاء نفسه أن يوصلها إلى أسمى درجة ممكنة . فالديمقراطية الحقة يجب أن تكون تلك الروح التي تسود العلاقات البشرية ، فتشعر كل فرد بضرورة

إفادته المجتمع بما أوتي من مقدرة عقلية وشعور بالمسئولية الخلقية التي تميزه عن الحيوان ، وليست الديموقراطية في إرغام الشعب بالقوة على المساواة دون مراعاة لاختلاف الميول الطبيعية وللفروق في المواهب بين الأفراد عقليا وخلقيا ، فالمساواة يجب أن تكون مساواة في أهمية كل فرد كعضو في الجماعة التي ينتمي إليها .

كما أن مبادئ الديموقراطية يجب أن تمتد إلى العلاقات الخارجية حتى تشمل تدريجيا جميع الشعوب المتدينة التي قد وصلت في درجة رقها ثقافيا واجتماعيا وسياسيا إلى درجة تؤهلها لأن تعامل على قدم المساواة مع غيرها ، وإن لم تكن قد وصلت إلى تلك المرتبة فلندع مبدأ التفوق الفردي يسود في العلاقات بين الدول كما يسود في العلاقات بين الأفراد ، وبهذه الطريقة يمكن أن تخفف وطأة تلك الحرب المستترة التي تنتاب الشعوب في الوقت الحاضر .

(له بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية