الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 687 الرجوع إلى "الثقافة"

رسائل من انجلترا

Share

١٩٤٨/٤/١٧ قضيت الأسبوع الأخير من عطلة عيد الفصح فى منزل صديقة لى إنجليزية تدعى م . د فى ضاحية نوتنهام فى شمال لندن ، وقد كان أسبوعاً ممتعاً ومفيداً فى الوقت نفسه . فقد أعد لنا والدها برنامجاً دقيقاً لزيارة الأماكن الهامة بالقرب من لندن ، كما ترك لنا وقتاً للاطلاع أو التصرف فى فضائه كما نشاء . وإنه ليسسرنى رؤية السيدة الإنجليزية تدير منزلها دون الاستعانة بالخدم مطلقاً ، فهى تقوم بتنظيفه وبالطهى وشراء الحاجيات والخياطة وغسل وكى الملابس ، علاوة على تربية أطفالها ، كما أنها تشترك اشتراكاً لا بأس به فى الحياة الاجتماعية والثقافية ، وكل ذلك نتيجة لحسن توزيعها لوقتها ولمحافظتها على صحتها وصحة اسرتها .

١٩48/٧/١٨ بدأ أمس مؤتمر دولى ىي كروهول - منزل طلبة القسم الداخلى - للبحث فى مشاكل الحالة الحاضرة ، وقد اختتمه

رئيس بلدية شيفيلد . ثم تلت كلمته مناقشة " مجمع الفكر " الذى كان كل عضو فيه يمثل حزباً سياسياً معيناً . فكان الأول محافظاً ، والثانى شيوعياً ، والثالث اشتراكياً ، والرابع حراً . وبالرغم من اختلاف مبادئهم كل الاختلاف نظريًا ، فإن وجهات نظرهم متقاربة من جهة ضرورة تهيئة مستوى معين للمعيشة لكل فرد من أفراد الدولة . فالمحافظ مثلا يعارض فكرة التأميم بوجه عام ، ولكنه يقر التشريعات الحكومية التى تمكن أصحاب الأموال والعمال ، كما تمكن الأفراد والحكومات على السواء ، من العمل لصالح الشعب والدولة .

فالأحزاب جميعا تقر أنه من واجب الحكومة تقديم الخدمات الصحية للشعب بأكمله وللأطفال بوجه خاص ، إذ تقدم لهم وجبات طعام مجانية ، كما يوزع عليهم اللبن ويقدم لهم العلاج اللازم بالمدارس . أما خارج المدرسة فهناك هيئات حكومية وخاصة تبحث فى حالة الأسرات المنكوبة

وتساعد العاطلين وتقدم مساعدات ونصائح المدنيين فى كل ما يهمهم معرفته .

وهذه الروح التعاونية يجب أن تسود العلاقات بين الأحزاب دائماً ؛ فلو كانت خدمة الوطن والمواطنين هى هدف كل حزب على حدة ، فإن الفروق فى النظريات الجافة أو المصالح الشخصية يجب أن تكون أقل أهمية من ضرورة العمل على تهيئة الفرصة لكل فرد لأن يعيش عيشة خالية من الذل والبؤس والجهل والمرض التى لا يزال هناك كثيرون يقاسونها.

١٩٤٨/١٢/٢٠ إن آداب اللياقة فى الحياة الاجتماعية لواحدة تقريباً فى معظم بلدان العالم الجديرة بأن تقاس بمقاييس المدنية ، وإن ما يميز شعباً عن آخر هو اختلاف العادات والتقاليد ووجهة النظر إلى الحياة عامة ؛ وليس الغرض هنا الدفاع عن عادات الغرب أو تفضيلها على عاداتنا ، ولكن لا بأس علينا كمصريات من أن نقتبس منها الصالح الذى تحتاج إليه ولا ضرر من اتباعه - فمثلا كثيراً ما يواجه الطالب المصرى بأربعة أشهر طوال كعطلة فصل الصيف ، لا يدرى كيف يقضيها ، بل ربما لا يفكر مطلقاً فى أن هذه مشكلة تحتاج إلى حل أو ترتيب خاص ، وعلى ذلك فهو يضيعها سدى فى التنقل من مقهى لآخر ، أو من شاطئ لشاطئ . كما أن طالباً آخر يشعر بالملل لطول الوقت ، فيعتريه الكسل والخمول ، ويفقد القدرة على العمل بدلا من أن يستعيد نشاطه ، حتى إن العام الجديد يفاجئه وهو غير مستعد له أى استعداد ، ويظن الشاب أن مجرد الراحة أو الامتناع عن أداء أى عمل هو الغرض من العطلة . ولكن تغيير نوع العمل كثيراً ما يعود على الفرد بفائدة لا تقل عن فائدة اللهو واللعب ، وعلى ذلك فإننا نجد الطلبة هنا قد فظنوا إلى تلك الفائدة . واستعادوا بالعطلات الدراسية فى الاشتغال بكافة أنواع الأعمال الخارجية التى تحتاج إلى أيد عاملة ، والتى مختلف كل الاختلاف عن عملهم الذهنى الجامعى ، وإن الطلبة والطالبات يتسابقون فى هذا المضمار ؛

فمنهم من يقوم بتوزيع الخطابات أو فرزها فى دور البريد ، ومنهم من يساعد فى المحال التجارية وفى المحطات ومحال تناول الأطعمة ودور السينما والمسارح ، كما أن المصانع والمستشفيات والحقول تستفيد سنوياً بعدد كبير من طلبة وطالبات الجامعات ، وقد سمعنا مره عن خريج من خريجى كلية العلوم بالجامعة ، وكان أول دفعته ، وكان ينتظر السماح له بالاشتراك بقسم الدراسات العليا ، وأمامه متسع من الوقت بريد قضاء فى شيفلد نفسها ، وسمعنا أن هذا الشاب المثقف قام بتوزيع اللبن على المنازل أثناء عطلته .

وإذا دعى طالب أو دعيت طالبة لدى أسرة لا خدم لها - وأغلب الأسر اليوم لا يحتمل دخلها مع تكاليف الحياة الباهظة نفقات الخدم - فإن الضيف منهم يعرض على ربة الدار المساعدة فى جمع الصحون وغسلها وتجفيفها ليسهلوا عليها عملها . وهم يشعرون فى ذلك بسرور عظيم  ولا يجدون أى غضاضاً فى تقديم يد المساعدة إلى كل من يحتاج إليها بل بالعكس ، فهم يرون أن هذه ميزة من ميزات الرجل المثقف لأنه لا يستحى من أى عمل . ولا يرى فى مساعدة الناس حطاً لكرامته .

١٩4٩/١/١٣ " رأيت فى الأسبوع الماضى أوبرا " عائدة " لتمردى ، ومن الطريف أن تذكر كيف كان فردى متردداً فى وضع تلك الأوبرا القوية ، الدقيقة فى التعبير ، ثم قابلها الإيطاليون أنفسهم بعدم الرضا والأرتياح ، من جهة موضوعها الشرقى وروح التجديد التى أبداها فيها فردى ، ثم لاهتمامه الزائد بالأوركسترا بالنسبة إلى الغناء ، حتى اتهم بتقليد فاجنر الذى كان يمثل للايطاليين تفوق الألمان فى الموسيقى كتفوقهم فى الحرب البروسية الفرنسية ، ولم يتنبأ أحد وقتئذ بالمستقبل الذى كان ينتظر " عائدة التى ما زالت تثير الإعجاب والتقدير بالرغم من مرور حوالى ثمانين عاماً على تأليفها ، خصيصاً لحفلة افتتاح قناة السويس .

١٩٤٩/٧/١٤ حضرت إلى أكسفورد منذ أسبوع لقضاء ستة أسابيع

فى دراسة عن المدنية المعاصرة فى أوربا ، وتشمل المجموعة التى تدرس هنا ما يربو على مائتى شخص من مختلف بقاع . العالم ومعظمهم من الولايات المتحدة .

وكثيرات منا يقضين وقت الفراغ فى الاطلاع فى مكتبة الجامعة وتدعى مكتبة بودليان ، وهذه المكتبة ، وكذلك مكتبة جامعة لندن ومدرسة الاقتصاد بلندن مفيدة ومريحة للغاية ، سواء فى نظام حجرات الاطلاع من جهة الراحة فى الجلوس والإضاءة ، أم فى تيسير سبل الاستعارة ، وسرعة إحضار ما يلزم كل طالب ، كما أن معظم المراجع الهامة يوجد منها عدد كاف من النسخ حتى لا يضطر الفرد إلى الانتظار مدة طويلة حتى يحصل على النسخة الوحيدة الموجودة ، أو يعلم أنها مستعارة فى الخارج .

١٩٤٩/٩/٢٠ أبعث بهذه الرسالة الأخيرة فى طريق عودتى إلى أرض الوطن . فقد تركت لندن فى صباح اليوم السابع على من سبتمبر ، ووصلت باريس فى الرابعة بعد الظهر . وكانت الرحلة مريحة للغاية ، وإنى أقطن هذا الأسبوع فى ريدهول وهى مركز ثقافى أمريكى للسيدات الجامعيات ، وكل شئ يسير على ما يرام . وقد يمكنت فى الأيام القليلة الماضية من زيارة أمكنة كثيرة هنا هامة مثل متحف الوتر ومتحف الفنون الزخرفية وجامعة السوريون ودار الأوبرا وبعض القصور القديمة ، وحدائق التوبارى وبرج إيفل ومسلة الأقصر وكنيسة نوتردام وقبر نابليون وغيرها .

تقطن معى هذه الدار فتاة أمريكية تعرفت عليها وصادقتها أثناء دراستى الصيفية فى جامعة أكسفورد ، وهى تقوم بالتدريس هنا لحين عودتها إلى وطنها بالولايات المتحدة الأمريكية . . وهى تقضى معى كل ليلة بعض الوقت لتقص على ما لاقته طوال يومها فى الزيارات المختلفة وما لاحظته عن البلاد وعن شعبها ، ثم ينتهى بنا الحديث إلى ذكر الأيام التى قضيناها معاً فى انجلترا ، وما وجدنا فيها من أمور تختلف عما اعتدنا عليه فى وطنينا .

تأسف تلك المدرسة الأمريكية لقصر المدة التى أتيحت

لها لزيارة انجلترا ، فقد تركت فى نفسها تلك الزيارة مع قصرها آثاراً لا تمحى لحسن ضيافة شعبها وترحيبهم بالزائرين ومعاونتهم للغرباء من كل جنس . كما أن نشاطهم ومثابرتهم على العمل ، ومقدرتهم على عمل الظروف القاسية التى يعيشون فيها الآن . وحسن تصرفهم فى مشاكل الحياة اليومية ، كل ذلك أعطاها فكرة هى أن هذا العالم القديم لم يمت بالرغم مما سمعته فى العالم الجديد بخلاف ذلك . إن هذا العالم الغربى لم يمت ولن يموت بالسهولة التى كانت تتصورها ، لأنه أثناء تطوره قد كون رجالا شجعاناً ذوى نفوس أبية هم لا شك أعظم قيمة من الثروة المادية المعرضة للزوال .

فى حين أن العالم الجديد عالم مادى صرف ، لا يهتم بتقويم الخلق وتكوين الشخصيات مثل ما يهتم بالمظاهر . ولكن العالم الجديد هو وطن تلك المدرسة الذى ينتظرها بعد قليل من الوقت ، ينتظرها ليستفيد بخبرتها ودراستها ووجهة نظرها التى اتسع أفقها ، فى إعلاء شأنه بين الأمم .

كانت زميلتى كلما طالت بنا الجلسة ، وسكن الليل ، تحلق بفكرها فوق هذا العالم المضطرب ، وتسمو بذهنها فوق المسائل الشخصية التى كنا نتحدث عنها ، وتنظر من ناحية فتجد العالم الغربى الذى يجذبها نحوه بثقافته وقوته وانساع أفقه وفى الجهة الأخرى تجد وطنها وأهلها وعشيرتها أى كل ما تربطها به صلات القرابة والوجدان والشعور ، كانت تتمنى أن يرتفع الجميع معها إلى تلك القمة التى كانت تنظر منها تجاه العالم أجمع ، حيث ترى أن واجب الجميع هو العمل على تحقيق السعادة لأكبر جزء ممكن من هذا العالم تلك هى الفكرة السامية التى يجب أن تكون الهدف الأول فى هذا العصر فقد انقضى الوقت الذى كان فيه الإنسان لا يفكر إلا فى نفسه ثم أسرته ثم قبيلته ثم أمته ، وحان الوقت الذى يجب ان يصل فيه الفرد فى الوطن العالمى الأعظم لصالح المجتمع البشرى بأكمله . .."

تركت زميلتى . . فى منتصف الطريق . . بين انجلترا والوطن . . وقد أخبرتنى بعد ذلك بعودتها إلى الوطن . .. ولكنها ما زالت تفكر . .. حائرة !

اشترك في نشرتنا البريدية