الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 880الرجوع إلى "الرسالة"

رسالة إلى ولدي

Share

ها أنت ذا تبلغ العام الأول يا بني: عاماً ككل الأعوام التي تمر من حياة الناس مليئة بالاصطخاب والتنافس والتنازع،  طافحة بالشهوات والنزعات والرغبات.

عاماً من أعوام هذا العصر الحاضر المشبع بأوضار المادة  والمفعم بسموم النزاع: ومنذ اللحظة الأولى التي تفتحت فيها  عيناك على النور ذهل البيت الآمن الوادع: وتغيرت في الحال  منه وجهة الطريق، فأنقلب النظام وتغير الجو وتبدلت الغايات. كان يشق طريقه يا بني في عتمة الأزل لا يهتدي إلى غايته  المتوخاة: ويدرج في دروب الحياة لا يرى الساحل الأمان،  وينتظم في صفوف القافلة لا يحس نهاية الغاية، حتى أتيته يا بني  وولدت فيه وانتظمت في أسرته فإذا به غناء وشعر وطفولة، وإذا  به رسالة وجهاد وأبوة

لقد كشفت للبيت السبيل يا بني فهديته إلى غايته في لحظة،  وأنرت للبيت الطريق فوجهته في سهولة، وبعثت فيه الحياة والحماس  والفتوة فأندفع كالسهم المراش يمضي ويمضي نفاذاً لا يلوى على شيء. لقد رطبت طفولتك يا ولداه جو البيت فلان بعد قوة،  وتلطف بعد تحجر، واستندي بعد يبس: وهذه الطفولة السحرية  العجيبة غيرت وجه التاريخ من دون عناء، وبدلت لون الكون  من غير تعب، واستبدلت بقلوب الآباء والأمهات قلوباً أخرى

تنبض بالحب بعدما كانت تنبض بالدم؛ وتجيش بالعطف بعدما كانت  تجيش بالرضى والغضب، وتقبل على الوجود بالتضحية والفداء  والإيثار بعدما كانت تقبل عليه ملأى بالحرص مغمورة بالأثر والمنفعة  وحب الذات؟!

لقد بدلت يا بني لون هذا العام الذي مر من حياتك وحياتي فهو  عام كغيره محشو بالأيام كما تحشى سنابل القمح بحباتها، ولكن  لون أيامه تغير وشكل لياليه تبدل فلم يعد هذا الصخب الذي مر  ذكره يصل إلى مسامع البيت، ولم تعد هذه المادية تكبله بسلاسلها  القاسية وتضرب حول فنائه ألف نطاق

فقد طهرته طفولتك يا ولداء وسكبت عليه من إكسيرها  بلسماً يعطى منه السقيم فيبرأ ويداوي به العليل فيشفى لقد أوضحت لي يا بني كثيراً من معاني الحياة، وكشفت لي

جوانب من أسرارها فاستوضحتها بعد إبهام، وتبينتها بعد  لبس، فلم تعد الوطنية معاني معقدة الفهم ضعيفة المدلول كما كانت  في فجر الحياة، ولم تعد الحياة ملهاة قليلة الشأن بسيطة القيمة  كما كانت في مطلع الشباب، ولم يعد المستقبل غموضاً وضرباً من  الخيال والوهم كما كان في أبان الطفولة.

لقد علمتني يا بني كثيراً وألقيت علي دروساً ذات قيمة كما  أنك هذبت نفسي وقلبي وصقلتهما صقلاً جميلاً مصقولاً!!  ترتسم عليهما الصور بسهولة. ولولاك يا بني لبقي العقل ضالاً جاهلاً  قدسية الأسرار العليا؛ ولبقى القلب حجراً قاسياً ما أكثر  ما يحتاج إلى تهذيب.

لقد أصبح قلبي وهو مهدك خزاناً يعج بأسمى العواطف، وبركاناً  يجيش بأقدس النزعات. لقد طهرته من الرجس وأزلت عن  جنباته أدران الصدأ. لقد علمته أنشودة الأبوة الرقيقة الحواشي  البديعة النغمات فغداً صباحه شعراً وأمسى مساؤه موسيقى.

ولو أدركت يا بني كم في نظراتك الطاهرة وحركاتك البارعة  من سمو إلهام لقلبي وارتياح لخاطري ونشوة لنفسي لنطقت  قبل أوان، ولعقلت قبل رشد ولأحسست قبل إحساس

لو أدركت يا بني وعلمت ما يخامر الآباء من حب  وعطف وحنان حيال أطفالهم الصغار لتمنيت  أول ما تتمنى ولطلبت  أول ما تطلب وعياً ومعرفة ورشداً لتذوق معنى السعادة التي يسعى  إلى تذوقها الضالون ويهيم في طلابها المدجلون إن طفولتك يا بني شعر، بل هي أسمى من الشعر إنها عروس  من عرائس الخيال للشاعرين يندفعون في الدنو منها محاولين

الوصف، ويحترقون في الاقتراب منها معالجين القريض، فإذا بهم  يتخبطون ويحترقون كما تحترق الفراشات المتواثبة حول النور! لست أدري يا بني لم تتزاحم الصور والمعاني أمام  خاطري حينما أنظر إليك، ولست أدري لم هذا النهم كله  في حبك، ذلك أن فيضك يا ولدي وسع آفاق قلبي كثيراً وبسط  جوانب نفسي كثيراً وزودني بأعماق بعيدة الغور لا يدرك لها  مدى ولا تحدها حدود!!

لو عرفت يا بني كيف يدفع التعب، وكيف تهون المشقات،  وكيف يسهل الصعب، وكيف تقرب الغاية لعلمت أنك دواء من  الله لم تحتوه صيدلية ولا ركبه العلم، يعين به الله الهمة  المجهدة ويرشد به الله البصيرة الضالة! ويحل به العزيمة  محل الخور والأمل بعد اليأس والرجاء بعد القنوط ثم ها أنت ذا يا بني تدلف إلى عامك الثاني تسرع الخطى وعندما  تضحي على أعتابه يا بني سيكون لي معك حديث وأي حديث.

بنت جبيل - لبنان

اشترك في نشرتنا البريدية