الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثانيالرجوع إلى "الرسالة"

رسالة الشباب

Share

عن يسارك وأنت خارج من ميدان الأبرا الى عابدين باب  عتيق ضخم، لا تجد بينه وبين جيرته انسجاما فى طراز، ولا التئاما  فى ذوق، تدخله فكأنما تدخل دارا من دور الترك، أو ديرا من  ديور الروم: دهليز قاتم رحب، وفناء كالح رطب، ودرج رخامي  يصعد بك طبقتين الى جمعية القرش!

فى هذا الربع الموحش يعمل الشباب النضر! ومن هذا الطابق الرهيب ينبثق الروح الذى يهز القلوب, ويشغل الأذهان, ويملأ الصحف, ويحرك الايدى ويرصد الأحبة لافتتاح (مصنع الطرابيش) عما قليل!

تدخل فتجد مقترح المشروع وكاتب سره وهو  فتى لا تزال على محياه الأبلج قسمات اليفاعة! يجلس فى غرفة عارية من  الأثاث، على مكتب مغطى بأشتات الورق ومن حوله رفاقه الأبرار  يجيبون دعاءه، أو يناقشون آراءه، أو يطلبون امضاءه، والعواطف  المشبوبة النبيلة تجيش فى هذه القلوب الغضة فتنسيها فى النهار الراحة  وفي الليل النوم! جلست هنيهة فى هذه الغرفة الجرداء الوسيعة، أرى  الاخلاص يتمثل في المخايل، والأمل يتدفق في الحديث، والشباب  المرح اللاهي يحول الى كد دائب وصبر غالب ووقار مرهوب، ثم  اسمع أخبار اللجان ومعدات المهرجان وحركة المطبوعات وجمع التبرعات  واصدار الطوابع الى مختلف الجهات، فقلت فى نفسى: يا لله!

أقيادة جيش تقرر الخطط وتحفظ السلام وتعز الوطن، أم خلية نحل تدير  الأمر وتجمع الرحيق وتصنع العسل؟!

لقد كان الشباب فى نهضتنا السياسية الروح الذى أحيا الشعور،  والضوء الذى هدى الجمهور والدعوة التي دار عليها الرأى!

وهاهم أولاء فى نهضتنا الاقتصادية يرقون رفيف الاملاك حول  بنك مصر وشركاته؛ ويضيفون الى هذا البناء الرفيع المحكم شرفات  تزيده جمالا وروعة! يريدون - والشاب قادر اذا أراد - أن  يتجمع من القرش الواحد رءوس أموال لمصانع شعبية. كما يتجمع  البحر من قطرات المطر، والجبل من ذرات الرمل!!

فمن ذا الذى لا يساهم فى هذا المشروع  الخطير بهذا القرش الحقير وفى كل لحظة  تلفظ اليد أمثاله فى توافه الأشياء وضئال الأمور! ان نشئنا ليؤدون رسالة الشباب كما تؤدى الزهور رسالة الفردوس.

ولقد رأيت اخوانهم فى فلسطين والشام والعراق ينتعشون  بهذا التعبير، ويسيرون على هدى هذا الشعاع. فافسحوا فى المجال لعزم الصبي ينهض برأي الكهولة! فان الوطن لا ينهض إلا بشبانه، وان الشجر لا يثمر إلا بأغصانه،

أما الشيوخ فكالجذوع، هم الأصل والمدد والسند، ولكنهم ألصق بالأرض وأميل الى السكون وأقرب الى الجمود، فلا تقوى على تحريكهم رياح الأمل، ولا تغرد على حطبهم طيور السماء!

اشترك في نشرتنا البريدية