الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 204الرجوع إلى "الرسالة"

رسالة الشباب في الحاضر، مهداة إلى الشباب المصري المتوثب

Share

يسرنا جداً أن تعلن   (الرسالة)  في جملة رسالاتها رسالة  الشباب، وتقوم بها في جيل عرف قيمة الشباب وعظمة  مقامه في حياة أصبحت دعائمها ترتكز عليه، وهو الجيل الذي  قضى على ثرثرة الشيوخ وترددهم، وأثبت لهم أن الأمة  في استطاعة شبابها أن يمشوا بها إلى المورد العذب، والغاية  المثلى؛ وفي تنظيم فئات الشباب في كل أمة واعتماد الدولة على  هذه الفئات المنظمة آية بل آيات لمن كفر بمعجزة الشباب.  وقد كانت رسالة الشباب - قبل إنجاز المعاهدات سواء في  مصر وسورية والعراق - رسالة تيقظ وتدمير، وخلق  للفوضى؛ لأن الفوضى وحدها - في عصر الجمود - تحرك  الذرات الواقفة، وتخلق الوعي والشعور في الأنفس الهامدة.

ويظهر أن رسالة الشباب بدأت - في هذه الأصقاع  واحدة، ويظهر أنها سائرة إلى هدفها على طريق واحد. . . بدأت  برسالة التهديم، والتهديم وسيلة لا غاية، وذريعة إلى بناء  جديد، ولا يقوم هذا البناء إلا على كواهل من خربوا وهدموا  القديم وحاربوا الذل والقيد! وإن مما يستوقف المفكر أن  يفكر في رسالة البناء؛ والبناء صفة أدق من التهديم، لأنها  تحتاج إلى دقة ونظام واستقامة في العمل. والهندسة قبل البناء،  توفر كثيراً من العناء! فما هي رسالة البناء؟ وما هي حدود هذه  الرسالة التي يجب أن يقوم بها الشباب؟

أصبحت لا أخاف على شبابنا بعد أن عرفوا التطرف؛  وكيف يبلغ القمة من لم يتطرف! وأصبحت لا أخشى خوراً

ينفذ إلى نفوسهم، أو سكوناً يطغى على حركتهم، بل إنني  أصبحت أخشى أن تصرفهم لذة التهديم عن لذة البناء، لأن  لذة الشباب وهواه في الطفرة والتطرف. . . ولكن لا أريد  أن يقوم هذا البناء إلا على سواعد الشباب مهما شابته  الأهواء ومهما داخله فساد. . . لأنني أريد أن يلم الشباب  بالبناء وأن يلموا بأمر عظيم ما تلقى عليهم تبعاته، وبهذا نعيد  لشبابنا حاسة العمل التي عطلتها التقاليد وأثرة الشيوخ.

ويقيني أن الشباب لا يهدأ نضاله ولا يصرفه عن عمله كلل أو  فشل! وكيف نريد أن نحرم الشباب لذة العمل في هذا  الانقلاب وهم كانوا يده المتصرفة وقلبه الذي ينزف دماً! لعل الشباب يزعمون أنهم قد انتهى عملهم بعد أن انتهى الفوز

لهم؛ ولعل الشباب يقولون: لنسترح الآن فقد تم جهادنا؛  ولعل الشباب يظنون أن العهد الذي جاهدوا فيه في سبيل الحرية  قد انقضى. على أن عملهم الحقيقي قد   (بدأ الآن)  لأنهم هم  الذين خلقوا العهد الجديد وهم الذين ينبغي أن يكونوا دعائمه.

بلى! يا شبابنا، ومصابيحنا في طريقنا! لم ينته عملكم وإنما  عملكم ابتدأ الآن، لأن العبودية السياسية التي تحررتم منها  لا يزال خلفها عبوديات مختلفة ليست بأقل خطراً منها. ومن  ذا يعمل على التحرر من هذه العبوديات إلا الذين لا يعرفون  الوهن في العزم ولا التردد في الإقدام، وهم الشباب!

أنقذتم أنفسنا من العبودية السياسية فأنقذونا من العبودية  الروحية التي أورثت أرواحنا الذل وأورثتنا مع الذل  الضعف والجبن حتى أصبحنا إذا طلبنا حقنا طلبناه سائلين.

أنقذوا نفوسنا من العبودية العقلية التي غادرت تفكيرنا رياء،  وتظاهرنا بالتقاليد رياء. وهل كان الرياء إلا ثوباً من أثواب  العجز؟ وهل كانت العبودية العقلية إلا شر من العبودية السياسية؟

أنقذوا نفوسنا من عبودية الألقاب الفارغة، والتقاليد البالية، ا لتي نشهد بها على حقارة أنفسنا بأنفسنا. وكونوا مثال

العزة والكرامة التي لا تكرم إلا الكرامة.

هنالك عبوديات كثيرة تقف في طريقكم، وعقبات كثيرة  تريد وقف سيركم المبارك، ومن لها إلا الشباب؟ إلا الذين  يسعون إلى الحرية لتقتلهم الحرية، وبقتلها إياهم يعتزون  وينتصرون، ومن لها إلا الشباب الذين يرى فيهم الجامدون  خطراً على المجتمع لأنهم متطرفون متهورون يجمح بهم طموحهم  كثيراً. فأي شئ يخاف هؤلاء الجامدون من خطر يريد أن  يقلب مجتمعاً تراكم الفساد فيه على الفساد؟ أي شئ يخاف  هؤلاء البالون من تهور على طريق الحرية وحدها! وأي شئ  يخاف هؤلاء الجبناء من طموح يريد أن يصعد ويصعد!

ها قد جاء عهدكم أيها الشباب! العهد الذي يعطيكم الحرية  ويفتح لكم آفاق الأمل فيما تحلمون! وهذا العهد ليس  بالخفيف عهده، ومتى كان عهد التحرر خفيفاً؟

هذا عهد تريد فيه أمة أن تخلق هذا عهد تريد فيه أمجاد قديمة أن تزحف هذا عهد تريد فيه كبرياء شعب أن تتيقظ! هذا عهد تريد فيه حضارة ساهمت في الحضارة الإنسانية  أن تسطع منارتها وأن تتم رسالتها!

ومن لهذا العهد إلا الشباب الذين لا يقولون   (القناعة  كنز لا يفنى)  لأنهم لا يعرفون القناعة. . . إلا الشباب الذين  لا يقولون ما يقول ذوو النفوس الحقيرة:   (كلب جوال خير  من أسد رابض)  لأنهم يعلمون أن روح الأسد لا تنوب  عنها أرواح الكلاب مجتمعة. والربوة التي يحميها أسد رابض  لا يقدر على حمايتها ألف كلب جوال. . وهو بعد ذلك أسد  لا يربض، لأن الأسد لا يعرف الربوض

إلا الشباب الذين يقولون ما قال أبو حمزة الخارجي  عندما عيره أهل مكة بأصحابه:   (تعيرونني بأصحابي! تزعمون  أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباباً!) هذا العهد ينادي إليه الأرواح الجبارة لترافقه ولا ينادي  جثثاً خالية من الإحساس يحملها على ظهره. لأنه يريد رفاقاً  يحسون ويلتهبون، قد أدرعوا الإرادة وساروا يقتحمون  كل شئ كالسيل الجارف، يثبون فوق القمم وثباً ولا يزحفون  زحفاً، في نفوسهم عقيدة تفيض حماسة وقوة، يفرضونها  فرضاً على الزمان ولا يجد الزمان إلى إخفاقها سبيلاً.

هؤلاء الرفاق يستطيعون أن يمشوا معه لا تثنيهم عقبة ولا  يحول بينهم وبين بغيتهم حائل. ومن هم هؤلاء الرفاق الأشداء  إلا الشباب؟ روح الأمة ولون وردها الأحمر المشتعل،  وعزيمتها التي لا تكل. تحررتم أيها الشباب من العبودية السياسية، فلتتحرروا  من كل عبودية. وليكن هدفكم التحرر في كل شئ. وكره  العبودية في كل شئ. شباب قنع لا خير فيهم ... وبورك في الشباب الطامحينا

(در الزور)

اشترك في نشرتنا البريدية