الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 118الرجوع إلى "الثقافة"

رسالة الطب، عود على بدء

Share

شرحت في كلمتي الفائتة الشطر الأول من شطرى رسالة الطب ، وهي الوقاية أو حفظ الصحة حاصلة . أما الشطر الثاني فهو العلاج أو مداواة المرضي لاسترداد الصحة زائلة . واساس العلاج هو التشخيص . وهو عند الأطباء تعيين المرض وتمييزه مما سواه ، ومعرفة موضعه في الجسم ، وهو ما يتم على نحو ما يأتي :

يحضر المريض إلي الطبيب ، أو يذهب الطبيب إلي المريض ، فيبث إليه شكواه . والأغلب أن يكونا غريبين من طبقتين مختلفتين اختلافاً اجتماعياً ؛ وبالرغم من ذلك فهما يتسايران تسايراً يكون فيه الطبيب هادياً والمريض مهتدياً ، ولشد ما يشعر كلاهما بالغربة عند أول محادثة . فيتغلب المريض على هذه الغربة بثقته في الطبيب ، تلك الثقة التي دفعته إليه مستشفياً من دائه ؛ فتراه يكشف له عن بدنه لفحصه ، ويطلعه على ذات نفسه ، فهو يتعرى من ثيابه ، ويبوح بأسراره مما كان يخفيه علي أقرب الناس إليه . وهذا مما يجعل الطبيب عند حسن ظنه به مما يكون بالاصغاء إليه والعناية بأمره والاهتمام بمرضه ، وبمخاطبة الطبيب مرضاه على قدر عقولهم . فإذا أخذ المريض في بيان شكواه أطال ، لأنه يجد في الاطالة شيئا من التفريج عن غمه ونوعاً من التنفيس عن كربه. ففي إلقاء المخاوف على الطبيب يشعر المريض أنه قد وقع على الخبير الذي يشاطره آلامه ويعرف كيف يخففها عنه . فهو يشعر بالراحة التي يشعر بها المعترف بذنوبه للكاهن إرادة التوبة.

وما على المريض بعد ذلك إلا أن ينقاد لأوامر الطبيب

ونواهيه انقياداً تاماً ، ولا يكون مثله كمثل المريض المتخلع في الشراب ، الذي زاره طبيبه في مرضه فوصف له حبوبا يأخذ منها حبة ثلاث مرات في اليوم ، وامره ان يتناول قليلا من الوسكى قبيل النوم . وحيما زاره وفمة ثانية ووجده لم يتحسن سأله : أهو بتناول الدواء كما وصف ؟ فأجابه المريض بأنه قد افرط في الوسكى متجاوزاً الحد ، وفرط في الحبوب مقصرا في عددها !

والمحادثة الاولية بين المريض وطبيبه غاية في الأهمية ، فيها يعرف الطبيب سوابق المريض المرضية كما يعرف المحقق سوابق المتهم . ومنها يعرف الطبيب كيف ابتدأ المرض وكيف سار ، وهل المرض علاقة بأي امر من أمور المريض . ومنها يعرف عمر المريض وصناعته وطريقة حياته ونظامه في معيشته ، وهل كان بصحة جيدة إلى ان الم به المرض ؟ بل يعرف منها تاريخ الاسرة ، وهل الأبوان على قيد الحياة ، وإلا فما كان عمرهما عند الوفاة ، وما سبب الوفاة ؟ وهل له إخوة أو أخوات ، وكيف صحتهم ؟ والميت منهم ما سبب وفاته ؟ وكل ذلك ضروري لمعرفة الأثر الوراثي ومنها يعرف أيضا هل المريض متزوج ، وما سنه عند الزواج ، وهل له أولاد ، وما هي صحة شريكته في الحياة ، إلى غير ذلك مما يطول شرحه .

وقلما يستطيع المريض أن يبدي كل ذلك كما يريد الطبيب ، لانه لا يعلم تماما إلى أي شئ يقصد الطبيب ، فجدير بالمريض أن ينحو في الرد على ما يوجه إليه من الأسئلة محو موسي عليه السلام في الرد ، وقد سأله الله

سبحانه وتعالي : " وما تلك بيمينك باموسي ؟ " فقد قال عليه السلام : " هي عصاي اتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ، ولي فيها مأرب اخرى" ، واقصد بذلك إلي ان أجوبة المريض على أسئلة الطبيب يجب ان تكون شافية كافية ، لكى يحمل الطبيب على عرضه من الأسئلة . ولا بأس من التطويل في الجواب كما حدث في جواب سيدنا موسي عليه السلام ، فإنه قد قال :" هي عصاي " ، وبذلك قد تم الجواب ولكنه على رأي بعض المفسرين ذكر الوجوه الآخر ، لأنه كان يحب المكالمة مع ربه ، فجعل ذلك كالوسيلة إلي تحصيل هذا الغرض ، فزاد : "أتوكأ عليها" ، واهمش بها على غنمي ، ولي فيها مآرب اخرى " .

فأحري بالمريض أن يجيب عن أسئلة الطبيب بالتفصيل ، ولا يحسبن ان في إطالته مضيعة لوقت الطبيب .

فإن كان المريض صغيرا لا يستطيع أن يعبر عما به ، فلتوجه الاسئلة إلى والديه ، وإن كان المريض فاقد الإدراك ، فلتؤخذ المعلومات الضرورية من أقاربة وذويه ،

وقد يخدع المريض طبيبه ، إما عفوا بسبب جهله ، وإما عمدا ارادة اكتساب عطف الطبيب ، وحبا في زيادة الاهتمام بأمره .

ولا يتوهمن الانسان أن وقت هذه المحادثة الأولية ضائع سدي ، فانها كثيرا ما تسهل على الطبيب ما يتخذه من الخطوات بعد ذلك ، بل كثيرا ما يهتدي الطبيب إلي التشخيص . لأن من الأمراض ما يسير سيرا مميزا ، كجمعي الغيب ، وهي التي تأخذ يوما وتدع يوما.

ومن ظريف ما يقال تشنيعا على الأطباء ، والمشتعون عليهم من الاحياء كثيرون ، ومن الأموات اكثر وأكثر !! أقول ومن ظريف ما يقال منهم انهم كثيرا ما يسألون مرضاهم : هل يملكون سيارات ؟ وذلك ليعرفوا

اهم اغنياء من ذوي اليسر والرخاء ، أم هم اصحاء لا يحتاجون إلي دواء ! ولكن فات أولئك الظرفاء من المشتعين ، أو المشتعين من الظرفا ، ان من الحكمة لتشخيص المرض ، ثم املاج المريض ، ان يعرف الطبيب حالته . بل فانهم ان من الضروري ان يعرف الطبيب مركز مريضه بالدقة لتقدير اجره تقديرا يتناسب ورقة حالته .

ولزيادة الإبضاح أقول إن القوم في الولايات المتحدة قد وجدوا ان نسبة الامراض ونسبة الوفيات بين طبقات العمال أكبر منها بين الاغنياء وذوي اليسار ، حتى لقد تصل إلي الضعف ؛ وكذلك وجدوا ان نسبة الوفيات في الاطفال تقل كلما أزدادت أجور الآباء . فوفيات الأطفال من الفقراء ثلاثة أضعاف الوفيات بين اطفال الأغنياء . والسبب لاشك ظاهر لا يحتاج إلى دليل . فالازدحام في المساكن وسوء التغذية والتعب وجهل الآباء والامهات للقواعد الصحية ، واضطرار الامهات إلى العمل لمساعدة ازواجهن ، وعدم استكمال الشروط الصحية ، وعدم توفر وسائل العلاج والتمريض في اثناء العلاج ، كل اولئك من دواعي الأمراض وزيادة الوفيات

وهم كذلك يعدون التعب مرضا ، فما التعب الجثماني  لا تأثر بالسموم الناشئة عن المجهود العضلي . فالفضى تعبا كثيرا ما يخطئ في عمله ، وكثيرا ما يصاب بالأمراض والحوادث في أثناء العمل . إلا يكون الفقير مكدودا دائب العمل للسي على رزقه منهوك القوي للجري علي هذا الرزق لا يذوق للدعة طعما ، ولا يتفيأ للراحة ظلا ؟ وهو مهما انصب نفسه في العمل عبر مطمئن جنبه إلي مضجع ، لا يحصل إلا علي القوت الضروري ، ولا يعيش إلا علي الكفاف ، ولايسكن إلا في مسكن فلما تتوافر فيه الشروط الصحية ، ولا يلبس إلا لباسا لابقية البرد ، ولكن انقطع عن العمل كما يحدث للعاطلين او للمرضى لقد حرم الكفاف

وزادت حاله شدة ، وقد يدعوه فقره لارتكاب الجرائم والجنايات مضطرا ، مؤكدا المجتمع البشري صدق قوله صلى الله عليه وسلم " كاد الفقر أن يكون كفرا " مبينا للناس حكمة الزكاة بجميع أنواعها للترفيه عن الفقراء والمساكين انقاء لهذا الخطر .

وقد حثت الأديان كلها على مساعدة الفقراء والمساكين لاثقاء ما عسى أن يحدث من جراء الفقر من ذلك ما جاء في الحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " الساعي على المسكين كالمجاهد في سبيل الله " وقوله ايضا : " من شكا قسوة قلبه فليطعم المسكين "

فالفقر مرض اجتماعي شديد الخطر . وهو من ظلم الناس بعضهم بعضا ، وهو في اغلب احواله مأوي الامراض ومنشأ الجرائم والجنايات وسبب الدعارة

فالفقر كالمرض لابد من علاجه ولتحسين الصحة العامة في بلد من البلاد لابد من العناية بالأوليات الضرورية لكل طفل وامراة ورجل ، لان أساس تحسين الصحة العناية بالمسكن والمأ كل والمشرب والملبس وتنظيم اوقات العمل والراحة ، وتوفير وسائل العلاج المرضي بأوسع معاني العلاج وانفعة . فمن العبث رعاية الأطفال تركهم يشربون الألبان الملوثة ، ومن العبث العناية بأمراض الفلاحين وتركهم بشربون المياه غير الصالحة للشرب ، ويعيشون في أكواخ غير صحية بزاحمهم فيها البهائم والدواجن.

ومن طريف ما يحكي ان طبيبا زار مريضا من زبائنة كان يشكو من ارق ، فوصف له دواء ونصح له بألا يتناول شيئا من الطعام في العشاء . فقال له المريض : غريب بادكتور ! لقد نصحتني في العام الفائت حينما اعترتني نوبة أرق كهذه أن اتناول غذاء خفيفا في العشاء ! فرفع الطبيب رأسه كبرا وشمخ بأنفه وقال في شيء من الخيلاء " إن الطب يخطو

سريعا ، وما أسرع تقدمه في عام ! " .

والواقع أن الطب يتقدم بخطوات سريعة . فقد كثرت وسائل التشخيص وتعددت ، وكذلك تعددت أساليب العلاج وتنوعت ، ولذلك كان من الزم ما يلزم الطبيب لتأدية رسالته ، ان بدأب على الدرس ، يحرص في الاطلاع على كل ما يجد ، بقراءة الحديث من الكتب والمجلات الطبية .

اشترك في نشرتنا البريدية