الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

رسالة القبان

Share

منذ ما يزيد عن ربع قرن تولت المطبعة السلفية بمصر طبع ثلاث رسائل ، نشرتها مجموعة فى مجلد واحد . ونسبتها الى أبى عثمان عمر بن بحر الجاحظ . ونصت يظاهرها ان الذي سعى فى نشر هذه الرسائل هو المستشرق الامريكي الدكتور " يوشع فنكل " . والرسائل هي : " المختار من كتاب الرد على النصارى " و " رسالة فى ذم أخلاق الكتاب " و " رسالة القيان "

وهذه الرسائل الثلاث ذكرها الاديب حسن السندوبي فى كتابه " أدب الحاحظ " فى الفصل الثامن عشر ، الذى خصصه لوصف مؤلفات الجاحظ وإحصائها .

فأورد الرسائل بعناوينها المتقدمة . واضاف الى كل رسالة منها ما انتهى اليه تحقيقه بشأنها .

فقال معلقا على " رسالة في ذم اخلاق الكتاب": عثر على هذه الرسالة فى مكتبة زور الدين بك مصطفى ، ثم طبعت بالمطبعة السلفية ضمن ثلاث رسائل للجاحظ سنة ١٣٤٤ ه وهى منشورة ايضا ضمن " الفصول المختارة " بهامش كتاب الكامل.

وقال معلقا على " كتاب الرد على النصارى " اختار عبيد الله بن حسان من هذا الكتاب رسالة عثر عليها ، و ضمنها كتابه " الفصول المختارة " المنشور بهامش الكامل ثم طبعت بالمطبعة السلفية ضمن ثلاث رسائل للجاحظ

وعلق على " رسالة القيان " بقوله : عثر على هذه الرسالة في مكتبة نور الدين بك مصطفى رحمه الله ، ثم طبعت بالمطبعة السلفية ضمن ثلاث رسائل للجاحظ .

والاديب حسن السندوبي يعتقد انه مما لا يصح ان يشك فيه ان ثبته الذي جمع فيه مؤلفات الجاحظ هو اصح وأوفى واوضح من غيره على صورة مطلقة . ومن اجل هذا قال " : وقد اعتمدت فى ذكر مؤلفاته على ما ذكره هو في كتابه " الحيوان " وعلى ما

اورده ياقوت فى كتابه " معجم الادباء " وعلى ما عثرت عليه في غيرهما من الكتب والاسفار "

وفي رجوعنا الى الفهرست الذي اثبته ياقوت ، في الجزء السادس عشر ، من كتابه " معجم الادباء " صفحة ١٠٦ اثر تعريفه بالجاحظ ونقله لشئ من أخبار حياته ، وطرف من أدبه ، وجدنا ياقوت لا يستعمل كلمة " رسالة " مفردة ، مطلقا . وانما يلتزم فى كل ما أثبته من مؤلفات الجاحظ استعمال كلمة " كتاب " وقد يتبعها بكلمة رسالة فيقول مثلا " كتاب رسالته فى القضاة والولاة " ووجدنا في اضعاف ثبت ياقوت هذا العنوان " كتاب المقينين والغناء والصنعة " ولم نجد غيره . فليس هنالك ذكر " لرسالة القيان": فهل" كتاب المقينين والغناء والصنعة " هو ذاته ما طبع بعنوان رسالة القيان ؟ وهل التغيير الموجود في كلمات العنوان هو من عمل الوراقين والناسخين الذين كانوا يجيرون لانفسهم ان يحدثوا مثل هذا التغيير الجزئي دون ان يتفطنوا لما قد يتولد عنه من لبس واشتباه ؟

على ان كلا من العنوانين ، هذا الذي اثبته ياقوت ، وذاك الذي طبعت به الرسالة ، يلائم المؤلف الذي بأيدينا . فعنوان ياقوت يلائم الموضوع وجوهر ما قد تناول الجاحظ بحثه جملة . والعنوان الذي طبعت به الرسالة بالمطبعة السلفية ، يلائم الطريقة التي سلكها الجاحظ فى عرض موضوعه وبسطه ، وله مع هذه الملاءمة ، صلة قريبة جدا بجانب من الموضوع كله . وهذا الجانب هو الذي أسهب فيه الجاحظ الكلام عن القدان من الوجهات النفسية والادبية والفنية . ذلك انه تحدث حديثا عن عشقهن وخداعهن ، وعن ثقافتهن وكيسهن وعن حذقهن وتمكن مهارتهن في تأدية ما يجدن تأديته من غناء .

وفى تتبعنا لا سماء الكتب التى الم بها وذكرها الجاحظ نفسه ، فى مقدمة كتابه " الحيوان" لا نجده يذكر " كتاب المقينين والغناء والصنعة " كما لا نجده يذكر " رسالة القيان " . وانما نجد الجاحظ يحمل ، فى معرض الموضوعات التى تعيب من أجلها ، واستهجن بحثه وتأليفه فيها ، فكرته في " الغيرة " فيقول عاطفا كلامه على ما تقدم له من ذكر الكتب والموضوعات المستهجنة . " والفرق بين الغيرة واضاعة الحرمة

وبين الافراط في الحمية والانفة ، وبين التقصير في حفظ الحرمة ، وقلة الاكتراث لسوء القالة ، وهل الغيرة اكتساب وعادة ، أم بعض ما يعرض من جهة الديانة ، ولبعض التزيد فيه والتحسن به . او يكون ذلك فى طباع الحرية ، وحقيقة الجوهرية ، ما كانت العقول سليمة ، والافات منفية ، والاخلاط معتدلة . "

وليس هذا ، فى المتعارف ، مما يعد عنوانا لكتاب ، وانما هو، كما قلت ، اجمال . من الجاحظ لفكرته فى موضوع الغيرة . وفى رسالة القيان التى بأيدينا تفصيل يلائم هذا الاجمال . وقد جعل الجاحظ هذا التفصيل اول شىء تصدى له ، ونظر فيه . فمشكلة الغدرة هي المشكلة الاولى التى تصادفنا فى رسالة القلان . . والجاحظ اذ اخذ يبين الحجة فى اطراح الغيرة ، فى غير محرم او ريبة ، لم ينظر الى القينة فقط :

وهي الامة تتخذ للغناء ، وانما نظر الى المرأة مطلقا ، فشملت نظرته النساء الحرائر والشرائف ممن لا ارادة فوق ارادتهن تسلبهن الرشد او تحجزهن ان يلابسن ما يباح لهن ان يلابسنه من شؤون تختلف باختلاف منازل لهن وحظوظهن في المجتمع الذي يرتبطن باسبابه ، ويسرن فيه الى جانب الرجال . والجاحظ يرى ان الغيرة لم يكن لها اثر فى تحديد مواقف الرجال من النساء ، وفى تكييف العلاقات الدائرة الاسباب بين الرجل والمرأة : قبل تحريم ما حرم ، وتحليل ما أحل ، مواضعة وتشريعا ، قصدا لتخليص المواليد من شبهات الاشتراك فيها ، وحصول المواريث فى ايدي الاعقاب .

وفي هذا يقول ": ولم نعلم للغيرة فى غير الحرام وجها ، ولولا وقوع التحريم ازالت الغيرة"

ويرى ان كراهية الرجل ان يشركه غيره فى ما يحويه رحله وما يقارب من نساء كانت ، فى الجاهلية والاسلام ، على حال سليم من الضبط والاعتدال ؛ اذ كانت وسطا بين الافراط فى الحمية والانفة ، وبين التقصير فى حفظ الحرمة . وهو اذ يقرر قضيته هذه يستند الى دلالات التاريخ والاخبار التى يثق بها . فيقول : " لم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب ، ولا كانوا يرضون ، مع سقوط الحجاب ، بنظرة الفلتة ، ولا لحظة الخلسة ، دون أن يجتمعوا على الحديث ، والمسامرة ، ويزدوجوا فى المناسبة والمشافعة ، ويسمى المولع بذلك من الرجال " الزير " المشتق من الزيارة ، وكل ذلك بأعين الاولياء ، وحضور الازواج ؛ لا ينكرون ما ليس بمنكر اذا أمنوا المنكر...

ويقول : " أعرس عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، بعاتكة ابنة نفيل وكانت قبله عند عبد الله بن أبى بكر ، رضي الله عنه ، فمات عنها ، بعد أن شرط عليها الا تتزوج بعده ابدا ، على ان ينحلها قطعة من ماله سوى الارث . فخطبها عمر ابن الخطاب ، رضى الله عنه ، وافتاها بان يعطيها مثل ذلك من المال فتتصدق به عن عبد الله بن أبى بكر ، رضي الله عنه ، فقالت في مرثيته.

فأقسمت لا تنفك عيني سخية      عليك ، ولا ينفك جلدي أغبرا

فلما ابتني بها عمر بن الخطاب أولم ودعا المهاجرين والانصار . فلما دخل على ابن ابى طالب ، رضى الله عنه ، قصد لبيت حجلتها فرفع السجف ونظر اليها وقال :

فاقسمت لا تنفك عيني قريرة       عليك ، ولا ينفك جلدي اصفرا

فخجلت واطرقت . وساء عمر رضي الله عنه ، ما رأى من خجلها ونشوزها عند تعيير على اياها بنقض ما فارقت عليه زوجها . فقال : يا أبا الحسن ، رحمك الله ، ما اردت الى هذا ؟ فقال حاجة فى نفسى قضيتها . . .

ويتبع الجاحظ هذا الخبر بقوله : " فلو كان النظر والحديث والدعاية يغار منها لكان عمر ، رضي الله عنه ، المقدم فى انكاره لتقدمه فى شدة الغيرة ، ولو كان حراما المنع منه ؛ اذ لا يشك في زهده ، وورعه ، وعلمه وتفقهه . ."

هذا وهناك امر آخر يمكن ان يعتمد في تأكيد نسبة " رسالة القيان " لادب الجاحظ ؛ ذلك ان الخصلة الاصيلة التى يستند اليها الجاحظ في اكتشاف موضوعاته ، وبحثها ، واستقصاء جوانبها هى " دقة الملاحظة " وخاصة دقة ملاحظته لما يحيط به ، ويقع قريبا منه ، ويلابسه من شؤون المجتمع ، فالجاحظ في انقياد ملاحظته الدقيقة السخية لا يستبعد منه ان يقف امام موضوع " المقينين والغناء والصنعة " وان ينصرف الى بحثه ، انصرافه الى بحث غيره من موضوعات مستفيضة فى حياة مجتمعه . وان يكون له في بحث هذه الموضوعات اغراض يرمي اليها ، قد لا يتفطن غيره من معاصريه ، لشئ منها . او ليس قد حكى لنا سؤال المنكر المتعيب ، والقادح المستزرى ، والمصغر لشأنه فى عنايته بهذه الموضوعات وتاليفه فيها . فقال في مقدمة كتاب الحيوان : " وقلت ، وما بال ا اهل العلم والنظر ، واصحاب الفكر والعبر،

وارباب النحل ، والعلماء واهل البصر بمخارج الملل ، وورثة الانبياء واعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء ، وكتب الفراغ والخلعاء ، وكتب الملاهي والفكاهات ، وكتب اصحاب الخصومات ، وكتب اصحاب المراء ، وكتب اصحاب العصبية وحمية الجاهلة ، ألانهم لا يحاسبون انفسهم ، ولا يوازنون بين ما عليهم ومالهم . ولا يخافون تصفح العلماء ، ولا لائمة الارباء ، وشنف الاكفاء ، ومشناة الجلساء ؟ " ثم هو يجيب المتبجح بهذا السؤال فيقول له : " فهلا أمسكت - رحمك الله - عن عيبها ، والطعن عليها ، وعن المشورة والموعظة ، وعن تخويف ما في سوء العاقبة ، الى ان تبلغ حال العلماء ، ومراتب الاكفاء "

فموضوع " رسالة القيان " من هذه الموضوعات التى لا يتردد الجاحظ لحظة في ايثارها بالحظ الاوفر مما تستحقه من ذاته ، من تفكيره ، ومن رايه الضاحك ، ومن غمره الخفي . أضف الى هذا انه الموضوع الذي تنشق جوانبه عن سبل نافذة يجد فيها الجاحظ طريقة الى اشباع ما في ذاته من ميل عميق الى المزاح والاضاحيك ، والي الجد الممزوج بالهزل .

فاذا جمعنا بين هذه القرائن ، واقبلنا على الاسلوب الذي كتبت به " الرسالة " وعلى الطابع الجاحظى الذي يتراءى لنا من خلال كل شئ منها ، تأدى بنا كل ذلك الى الثقة بصحة نسبة الرسالة الى أدب الجاحظ فالجاحظ هو الذي يسلك في كتبه سبل المحاجة ، ويفضل البنان الخطابي ، ويجمع بين الرأي والبرهان ، ويقرن الفكر بالرواية والجاحظ هو الذى يرغب فى ان يتقصى معناه في جمله المترادفة حرصا على الاحاطة به من جميع جهاته ، وهو الذي ينبسط اكثر مما يتعمق . ونحن نصادف كل هذه المميزات التى تؤلف طابع الاسلوب الجاحظي في هذا النص الذي نستمده من مستهل الرسالة دلالة على الاسلوب الذي كتبت به ، يقول الجاحظ :

" اما بعد ، فانه ليس كل صامت عن حجته مبطلا في اعتقاده ، ولا كل ناطق بها لا برهان له محقا فى انتحاله . والحاكم العدل من لم يعجل بفصل القضاء ، دون استقصاء حجج الخصماء ، ودون ان يجول القول فيمن حضر من الخصماء ، والسماع منه . وان تبلغ الحجة مداها من البيان . ويشرك القاضى الخصمين في فهم ما اختصما

فيه ، حتى لا يكون بظاهر . ما يقع عليه حكمه أعلم منه ببططانه . . . وقد كنا ممسكين عن القول بحجتنا في ما تضمنه كتابنا هذا ، اقتصارا على ان الحق مكتف بظهوره مبين عن نفسه ، مستغن عن ان يستدل عليه بغيره ؛ اذ كان انما يستدل بظاهر على باطن ، وعلى الجوهر بالعرض ، ولا يحتاج ان يستدل بباطن على ظاهر . وعلمنا أن خصماءنا - وان موهوا وزخرفوا - غير بالغين للفلح والغلبة عند ذوي العقول ، دون الاستماع منا . وان كل دعوى لا يفلح صاحبها بمنزلة ما لم تكن.

بل هي على المدعي كل وكرب حتى تؤديه الى مرة النجح او راحة اليأس .." وبعد فرسالة القيان فى صحة نسبتها الى ادب الجاحظ تصف مرحلة من مراحل " الرحلة الفنية " التى حدثنا عنها الدكتور طه حسين ، من على منبر جمعية قدماء الصادقية ، وذلك فى زيارته الى تونس . وقد نسيت ان اذكر ، في اول هذا المقال ، ان حديث الدكتور هو الذي نبهنى الى مراجعة النظر في هذه الرسالة ، وفي غيرها من المراجع القريبة التى لها صلة بحديث رحلته الفنية .

اشترك في نشرتنا البريدية