إذا كانت رسالة المربى فى الحياة كما نراها هى المحافظة على سلامة الاتجاه الطبيعى نحو التعليم ، فإن ذلك الكلام يحتاج إلى المزيد من التوضيح . والواقع أن هذه الرسالة على بساطتها الظاهرة تستدعى مسئوليات جمة ، وتتطلب مجهودات كبيرة ، ولكنها إلى جانب ذلك جديرة بأن تحتل أسمى مكان وبأن تصبح المثل الأعلى للجميع.
إن بساطة تلك الرسالة وسهولة إدراكها تدعو إلى التساؤل
عما إذا كان الإنسان قد سار عليها من قبل أم لا ؟ وإذا كان لم يعمل بها فما هى الأسباب التى حالت بينه وبين ذلك ؟ وإذا أردنا العمل بها فما هى الأسس العلمية التى يستدعيها التطبيق ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة جميعها تتطلب منا أن نسير مع عملية منذ بدأت لنرى كيف سارت خلال العصور الماضية وحتى وصلت إلى تلك الحالة التى وصلنا إليها اليوم ، والتى لا يحسن السكوت عليها بأى حال .
بدأ الإنسان يتعلم - كما ذكرنا - منذ أن ظهر على سطح الأرض مدفوعا إلى ذلك بغرائزه المتعددة . فالإنسان - مثلا - حينما كان يقطن الغابة - كان إذا ما شعر بالجوع اندفع يبحث عن طعامه داخل الغابة ، حتى إذا ما رآه فى أعلى شجرة ممثلا فى ثمارها اضطر إلى التفكير فى كيفية الحصول عليه ، وفى تسلق الشجرة مثلا. وقد يفشل أو ينجح ، فإذا ما نجح تناول الثمرة ووجد فيها الغذاء الشهى أخذ يتعمد تسلق الشجار جرياً وراء الثمار وإشباعاً لغريزة البحث عن الطعام.
كانت حياة الإنسان الأول فى الغابة إذن هى المدرسة التى يتعلم فيها . تعلم فيها كيف يتسلق الأشجار وكيف يقى نفسه شر الحيوانات الكاسرة ، كان يتعلم فيها الطريقة العملية ، طريقة التفاعل مع البيئة التى يعيش فيها.
وقد ظلت طريقة التعلم بالتفاعل مع البيئة قائمة حتى توالت الأجيال وتغيرت الأحوال وأصبحت لا تفى بالغرض المنشود حين بدأ الإنسان يلمس فشلها فبدأ يتخلى عنها إلى غيرها ، إلى طريقة أخرى تلائم الوضع الجديد : ذلك أن المعلومات أخذت تزداد وتنمو بمضى السنين. واصبح عمر الأبناء عليلا لا يتسع لممارسة خبرة الآباء والأجداد بطريقتهم العملية. ووجد الآباء أنفسهم مضطرين إلى تزويد أبنائهم بخيرات ومعلومات هى خلاصة مئات السنين والآلف على أن يتم ذلك خلال سنوات الطفولة. عند ذلك أحسوا بالمشكلة، مشكلة إعداد الأبناء الناشئين حتى يستطيعوا الانسجام مع هذا المجتمع الذي سيعيشون فيه، لأنها - وهم لا يعلمون شيء عن أسلوب حياته أو طرق المعيشة فيه - طرق وأساليب قد تبلورت خلال مئات الآلف من السنين، فهل نكفي سنوات الطفولة بل سنوات العمر كله لهضم وتمثيل
ما لم يهضم إلا خلال القرون والأجيال ؟!
ظهرت المشكلة واعترضت الإنسان فأيقن منذ ذلك أن إعداد الطفل الناشئ أمر خطير. وازدادت المشكلة تعقيداً بنمو الإنسانية على مدى العصور حتى أصبحت فى القرن العشرين تحمل فى طياتها أعباء ما انقضى من القرون.
وبدلا من أن يحاول الإنسان حلها حين اصطدم بها نفض يديه منها وأحالها على غيره. أو لعله وجد حل للمشكلة فى أن يتركها ويتخلص منها بإحالتها على من يتخصص للنظر فيها، على هؤلاء الذين عرفوا بين الناس من ذلك الحين بالمربين . وجاء المربى فوجد أمامه ثروة ضخمة هائلة من المعلومات المتراكمة ، ووقتا ضئيلا لا يكاد يصلح لممارسة شىء من تلك المعلومات فى عقول الناشئين وهل هناك طريقة أسرع وأضمن من طريقة الكلام ؟ طريقة التلقين؟ عند ذلك استخدمها وفرج بها وتكالب مع غيره من المربين على اتباعها.
وهكذا انتقلت التربية من وسيلة العمل والتفاعل مع البيئة إلى وسيلة الكلام والاستماع ، ومن ميدان الغابة أو ميدان الحياة إلى ميدان المدرسة بجدرانها الأربعة المحدودة . ولقد كان ظهور المدرسة أمرا حتميا للتخلص فى عملية التربية ، إذ استطاعت منذ ظهورها فرض سيطرتها على التربية والتعليم حتى اليوم. فهل نجحت المدرسة ؟ هل أدت رسالتها أو حققت الغرض منها ؟
يدرك معظمنا شبح المدرسة ؟ ويلمس آثاره . يرهبها الصغير ويهرب منها الكبير ويتحمل مرارتها الصبور والمضطر، ويكفى أن نذكر أن فقدان الميل الطبيعى نحو التعلم هو من بين ضحايا شبح المدرسة الجاثم فوق صدور الناشئين حتى نعلم إلى أى حد نجحت المدرسة أو فشلت فى تحقيق رسالتها.
قامت المدرسة ولا تزال تقوم حتى الآن بالدور الرئيسى فى عملية التربية ، ولذلك تقع عليها معظم المسئولية ابتعاد التربية عن هدفها ورسالتها كما يجب أن تكون . ولكى نتبين ذلك بوضوح سنقارن بين الطريقة النفسية فى التربية والطريقة المنطقية.
ذكرنا أن الإنسان تعلم ما تعلم فى ميدان الحياة. شعر
بالجوع فقام يبحث عن غذائه. سار فى الغابة فشاهد حيوانا . أراد صيد الحيوان لطعامه فبدأ يهاجمه فرد عليه الحيوان بالمثل وعاد إلى كوخه جريحا جائعا. نظر إلى جرحه فأيقن فشل طريقته الأولى وبدأ يفكر فى طريقة جديدة تجنبه الأخطار. وبدأ يجرب ، أمسك فرعا من فروع الأشجار ليستعد به فى الدفاع عن نفسه أثناء الصيد هذه المرة. وكسر الفرع ففكر فى اتخاذ آلاته من مادة أصلب كالأحجار والصخور ساعدته فى التغلب على عدوه والعودة بصيده فى سعادة وهناء . ولقد عاد بالصيد ولكن. . . بعد أن تعلم الشيء الكثير. لقد تعلم عدم المخاطرة بنفسه ضد الحيوان الكاسر، وضرورة الاقتراب منه بحذر وهدوء، وعدم صلاحية فروع الأشجار، والاطمئنان إلى صلابة الأحجار ولا سيما أحجار الصوان بعد صقلها وتهذيبها.
هكذا كان يتعلم الإنسان الأول نتيجة لدوافع غريزية وبطريقة عملية حصل خلالها على تلك المعلومات التى اندمجت فى خبرته الحسية لعل بعضها ذلك الجرح الذي لم يندمل أو ذلك الصيد الذى لم ينته من التهامه بعد.
هذه الطريقة التى تعلم بها الإنسان الأول تتمشى مع الغرائز الإنسانية هى الطريقة الطبيعية التى اصطلح العلماء على تسميتها بالطريقة النفسية.
الطريقة النفسية إذن طريقة بسيطة عادية تتمشى مع ميول الإنسان الغريزية. ولذلك كان سلوكه نحو التعلم فيها تلقائيا أو فلنقل سلوكا غريزيا ، له للسلوك الغريزى من كل مظاهر التلقائية والتغير والرغبة فى تحقيق الهدف المنشود . وتتضح هذه المظاهر فعلا فى المثال السابق . فالإنسان الأول حين قام ليصطاد من الغابة قام من تلقاء نفسه ولم يأمره بذلك أحد، ولم يكن سلوكه أثناء الصيد جامدا ثابتا بل كان متغيرا متحولا. لقد استعمل يديه أولا فجرح، واستعمل فرع الشجرة فقصف، فلجأ إلى الأحجار يصقلها ويشحذها حتى نجح. وكان ذلك التغير فى سلوكه مرتبطا بتحقيق هدفه المقصود ألا وهو الصيد المنشود. وكان لسلوكه هدف واضح منذ البداية هو الحصول على ذلك الحيوان. ولقد انتهى السلوك بالحصول على الغاية المنشودة.
وهو لم ينته تماما لأن الخبرة التى حصل عليها من جراء ذلك
السلوك هى خبرة حسية دائمة. لن ينسى قط تلك الطريقة الناجحة فى الصيد. لقد جربها بنفسه فكيف ينسى ؟ لم ينقطع سلوكه تماما ما دامت هذه الخبرة الحسية موجودة وقائمة ، إذ أن سلوكه سيظهر من جديد محاولات أخرى للصيد تستخدم فيها تلك الطريقة أى تستخدم فيها الخبرة الماضية ويستفاد منها فى الحصول على صيد أكثر بطريقة أضمن وأسهل وأسرع.
تلك هى مميزات الطريقة النفسية التى تعلم بها الإنسان الأول هذه الطريقة التي نعم التعليم يديها بخير كثير حتى نمت الإنسانية خلال القرون والأجيال وازدادت معارف الإنسان. اكتشف المعادن فحلت الحربة النحاسية محل أختها الصوانية الحجرية، ثم ظهرت الطلقة النارية فحلت محل الحربة النحاسية. وظهر المعلم فى المدرسة ووكل إليه أمر الناشئين هؤلاء الذين لا يعلمون أمر دنياهم ولا من سبقهم فيها شيئا. ولم يتردد المعلم فى التعليم. ولكن كيف لجأ إلى نفس الطريقة التى لجأ إليها الأب حين سأله ابنه وهما خارجان للصيد معاً:
كيف أصطاد ؟ ففكر الأب وقال فى نفسه: (أأترك ولدى ليقع فى الخطأ الذى وقعت فيه من قبل فيجرحه الحيوان وقد يقتله أم أزوده بخبرتى حتى ينتصر بطريقتي ؟ لا، سأنصحه وسأسدد خطاه. عند ذلك التفت إلى ولده قائلا: خذ هذا الحجر وضرب به من بعيد ، أو خذ هذه الطعنة واطعن بها، فهكذا أوصانا الآباء عن الأجداد.
هذه هى الطريقة وما أسهلها . يعطيه خلاصة المجهود الذى بذله فى سنوات، والذى بذله الآباء والأجداد فى آلاف السنين ، يعطيه إياه خلال كلمة أو كلمتين . ألا يكون بهذا قد وفر عليه ضياع جهوده فى تجارب فاشلة قد وقع هو فيها من قبل ؟
تلك هى الطريقة المنطقية، أو هكذا اصطلح العلماء على تسميتها، هي طريقة إعطاء الخلاصة والنتائج مباشرة للناشئين. ولو نظرنا إلى موقف الابن بعد أن تسلم الحربة وبعد أن طلب إليه أن لا يصطاد إلا بها لوجدنا أنه فى حاجة إلى توضيح. لقد طلب إليه ألا يصطاد إلا بها وبوده لو ترك لحربته فيصطاد بيديه ويهجم بجسمه هو ليشعر فى قرارة نفسه أنه قد قيد بطريقة لا يفهمها ولا يدرى السر فى إصرار والده على ضرورة التمسك
بها. وهو مضطر للعمل بها إرضاء للسلطة العليا الممثلة فى شخص أبيه ؛ فكأنه لم يقبل العمل بهذه الطريقة إلا لإرضاء السلطة العليا، ولذلك يظل عمله بها قائما وباقيا ما دامت هذه السلطة موجودة لتعد عليه حركاته وسكناته وتراقب كل تصرفاته، ولذلك نراه يتخفف من العمل بما أمر به حين يخلو إلى نفسه وحين يبتعد عن سلطة الرقباء يخالف ما تعلمه فى الحال ويبدأ فى الصيد بطريقة أخرى تنسجم مع ميوله وأهوائه. سيجرب الوسيلة التى كان آباؤه قد جربوها من قبل ، وسيصيبه مثل ما أصابهم من ضر وعند ذلك يبدأ فى إدراك الحكمة فيما علمه إياه أبوه، ويفهم السر فى تمسكه وإصراره، والحكمة فى إرشاده وتعاليمه.
وهكذا يمكن أن نجمل موقف المتعلم بالطريقة بذكر المظاهر الآتية: - ١ - ازوراره عن التعلم أو انعدام الرغبة لديه ٢ - تقيده التام بما يراد له أن يتعلمه ٣ - عدم قبوله للتعلم إلا مضطرا وتحت ضغط عوامل خارجية ٤ - العجز عن الفهم أو عن إدراك الحكمة فيما يتعلمه ٥ - إن التعليم غير ثابت ويزول بزوال المؤثرات الخارجية المرتبطة به ٦ - عدم ثبوت ذلك التعليم إلا إذا حدثت خبرة حسية يمر فيها المتعلم مصادفة فتؤدى إلى إعطاء المعلومات الشكلية السابقة قيمتها الحقيقية.
ويلاحظ أن الخبرة العملية هى عودة إلى الطريقة النفسية ، وأن مرور المتعلم خلالها وممارسته لها قد غيرت من سلوكه السابق نحو عملية التعليم وحولته من الأدبار إلى الإقبال ، كما حولت عملية التعليم ذاتها من الفشل إلى النجاح. حقا إن الطريقة النفسية بعد أن قارنا بينها وبين الطريقة المنطقية تبدو وثيقة الصلة بالرسالة التى يجب على المربى القيام بها. البقية فى العدد القادم

