رسالة اكتبها اليك ايها الشباب ، وما يبتعثنى على كتابتها سوى الحب والاخلاص لك . وما يجرئني على الاعلان بهذا الحب والاخلاص سوى ما اتمثله فيك هذه الايام - ايام عيدك الزواهر - من نبالة القصد ، ورباطة الجأش وصدق العزيمة على الاخذ بحياتك الحرة ، ورفع دولتك المستقلة ، وانشاء نهضتك المباركة .
ما اتمثله فيك هذه الايام يزيد فى حبي لك واخلاصى ، بل يثير اعجابى ، ويلهب حماستي ، ويدفعني على رغم منى الى التغنى بك والاعتزاز بخصالك ، والتباهي بعالي همتك ، ومجد كفاحك
ان ايامك هذه تدفعني الي الفخر والاعتزاز بك ولاشك ، ولكنك انت عندى -كما تكون عند نفسك - اعظم واجل من ان تعنى بكلمات تطرى شعورك ، وتخامر عواطفك ، وتشغل بالك ، فتلهيك عن النظر فى جوهر حقيقتك ، ومهام حياتك
انت عندى اجدر بأن تعرف حقيقة ذاتك ، وتعني بالنظر الى مستقبلك ، ذلك المستقبل الذى تقف الآن على عتبته ، وقد بدا فجر حياتك ينكشف لك ولامتك عن ملامح دنيا جديدة ، دنيا جميلة ، دنيا عظيمة ، دنيا كان يحلم بها شاب قبلك ، ولكن وا أسفاه لم يـمهلة الدهر حتى يدركها ، وهو شباب ينعم بغضارة العيش ، ونضارة العمر ، وبهجة الفتوة .
انك ايها الشباب فى فجر من الحياة ، الحياة المشرقة فى كل جوانبها ، الحياة المستيقظة فى كل عناصرها ، الحياة المتجددة فى جميع مظاهرها . فانت في فجر من حياتك الشخصية ، وستدرك مدى اشراقة هذا الفجر حينما تجرى بك الايام فتكتهل ، وتعترك بك الحوادث فتأرب ، وتصهرك التجارب فتستحكم خبرة ، وتتكامل رجولة ، وتعود تذكر ايامك الماضية فترى ماذا تركته فيك ازمات النمو ، وماذا اكسبتك اياه ظروف البيئة ، وماذا عملته فى جسمك ونفسك وسائل التربية والتعليم .
وانت في فجر من حياتك العامة ، حياة القومية ، حياة الشعب الذي ضحى كافح وجالد من اجل عزته وحريته واستقلاله ، ويمكنك ان تدرك قوة الاشراق فى هذا الفجر لو تعود إلى تاريخ قومك الطويل ، فتذكر ماذا مر عليهم من اشكال الحكم ، وماذا قاسوه من ضروب الاعتساف ، وماذا تحملوه صابرين وغير صابرين من صنوف المسخ ، ومهازل العبودية .
المجد لك ايها الشباب اذا اشتد شعورك بهذا الفجر الذى تحيق بك انواره ، وتشدو لك اطياره ، ويهيب بعزيمتك ان تستيقظ ، وبقلبك ان يصحو، فتقبل على جلائل الاعمال ، وروائع الخير ، وتنشىء لامتك طريف المجد وتؤثل لها التالد .
المجد لك ايها الشباب اذ تعنى فى فجر حياتك وربيع وجودك باحقاق ذاتك ، ورفع مستواك . والتخلص مما قد كان يصيبك فى العهد الماضى من اضطهاد البيئة ، وجور التربية ، وفساد التعليم .
ستتحقق ذاتك ايـها الشباب ، وان تألمت فى العهد الماضي من ازمات الانتقال الى طور الشباب ، ولم تجد فى اسرتك او فى مجتمعك من ارشدك الى طريق الحكمة فى اجتياز تلك المرحلة . ستحقق ذاتك وان اضطهدتك البيئة التى كان يتغلب عليها الجهل فأخمدت فيك المواهب ، ولم تدر كيف تستغل خصب فطرتك الناشئة وترعى طبيعتك السليمة .
ستحقق ذاتك رغم فساد التربية وجهل كثير من المربين ، واحترافهم هندسة الاوادم المنحرفة ، واكلهم سحت جهدهم الزائف ، لما لم يبذلوه في تكوين خلقك السوى ، وطباعك السرية . واخلاقك المتينة ، وعقلك الواعي ، وايديك الماهرة
ستتحقق ذاتك رغم كل هذا ، لان ذاتك فطرة من فطر الله ، تفتعل بها عوامل الحياة ، وتختلج فيها اسرارها ، فتستجيب لعوامل النمو ، وتتنبه فيها عناصر اليقظة والازدهار ، شأنها فى ذلك شأن القطعة من الطبيعة ، يأتى عليها الربيع فتدب فيها الحياة ، وتخلع عنها يبسها ، وتتهيأ لظاهرة اخصابها ، ولو ضنت عليها السحب بالامطار .
ستحقق ذاتك ايها الشباب وذاتك تكمن فى المعرفة ، المعرفة التى يصحبها عمل وتطبيق ، هذه المعرفة هي اشمل اجزاء ذاتك اليوم ، ولا تأبه لما كان يقدم لك من مثل هذه الاقوال :
لم يدر طعم العيش شــ ــبان ولم يدركه شيب
جهل يضل قوى الفتى فتطيش والمرمى قريب
وقوى تخور اذا تشــ ــبث بالقوى الشيخ الاريب
فيم يقال خبا المغفــ ــل اذ يقال كبا اللبيب
"اواه لو علم الشبا ب ، وآه لو قدر المشيب"!
لا تأبه لمثل هذه الاقوال ، فقد دار بك الفلك ايها الشباب دورته ، فنزعت عنك كثيرا من جهلك ، واصبت كثيرا من مراميك وسوف لا تجد مبعثا للتأوه من الفشل او الخبة ، سوف تكون شبابا من طراز جديد ، تتوقد فيك شعلة الحياة ، ويتجسم فيك الامل والطموح ، ويفيض منك الطهر والاخلاص والحب ، ويتمثل فيك الفداء والتضحية من اجل الحرية والعدالة وجميع المثل العليا .
وستكون اعيادك ايها الشباب اعياد الحياة النامية المتجددة ، وافراحك افراح القلوب الآملة الباسمة ، وحركاتك حركات الشعوب الناهضة الفتية .

