الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

رسالة " انشتاين "

Share

اني سعيد اذ ان الدعوة التي وجهتها لي جمعية الامم ومعهدها الاممي للتعاون الثقافي بباريس لاتبادل الراي بحرية مع شخصية يقع عليها اختياري في موضوع اعينه بنفسي قد اتاحت لي فرصة ثمينة للتخاطب معكم فى شأن قضية تبدو لي في الاونة الحاضرة كأهم ما يذكر فى ميدان الحضارة وهي هذه : هل هناك سبيل لانقاذ البشرية من خطر الحرب .

وقد يسود اليوم الاتفاق بصفة عامة على ان تقدم " التكنيك " جعل تلك القضية حيوية حقا بالنسبة للبشرية المتحضرة ، ومع ذلك فان الجهود الجاهدة المبذولة لحل تلك المشكلة قد خابت لحد الآن خيبة مريعة .

وأنا اظن ان من بين الذين تشغل بالهم هذه المشكلة عمليا ومهنيا جماعة ترغب - رغبة منشؤها شعور بالعجز - في استشارة من وضعوا بحكم مباشرتهم العادية للعلوم على مسافة ذات حظ بالنسبة لكافة مشاكل الحياة .

اما فيما يتعلق بي فإن اتجاه تفكيري العادي ليس من الاتجاهات التي تلقي اضواء على اغوار العزيمة والشعور البشري ، ولذا فان في تبادل الآراء التي ابدأ بعرضها هنا لم أنو من عرض المشكلة وتمكينكم هكذا - مع الاعراض عن محاولات الاخرين لايجاد الحلول - من فرصة انارة المسألة بفضل ما لكم من المعرفة العميقة باسرار الحياة الغريزية عند الانسان .

وانا واثق انكم - من دون التعرض الى السياسة - اهل للاشارة الى الوسائل التربوية التي من شأنها ازالة الحواجز النفسية التي قد يتصورها من ليس له خبرة بالموضوع لكنه لا يقدر على تقدير تناسباتها وتغيراتها .

ويلوح لي - انا المتحرر من المزاعم القومية - ان ظاهر المشكلة اي طريقة العمل بسيط ، اعني ان الدول تضع سلطة تشريعية قضائية لتخفيف وطأة الخلافات كل الخلافات ، التي قد تنجم بينها وهي تلتزم بالخضوع للقوانين التي تسنها السلطة التشريعية وان تلجأ للمحكمة عند نشوب كل خلاف وان ترضخ دون

احتراز لاحكامه وان تنفد لضمان التطبيق كل الاجراءات التي تراها المحكمة لازمة . وهنا المس الصعوبة الاولى وهي ان المحكمة مؤسسة بشرية قد تتأثر بعوامل الالحاحات غير القانونية بقدر ما تتضاءل لديها القوة على تنفيذ احكامها وهناك امر واقع لا بد من اعتباره هو ان الحق والقوة مرتبطان اشد الارتباط وان الاحكام الصادرة عن منظمة عدلية تقرب من المثل الاعلى لعدالة المجتمع الذي باسمه ولصالحه تصدر الاحكام . وذلك بقدر ما يتاتى لذلك المجتمع ان يجمع القوى اللازمة لتحقيق احترام المثل الاعلى لهذه العدالة . لكننا اليوم ابعد ما نكون عن التمتع بمنظمة فوق دولية قادرة على منح محكمتها سلطة نافذة وضمان الامتثال المطلق لتنفيذ احكامها .

واول مبدإ يستبد بخاطري هو ان الطريق التي تؤدي الى السلم العالمية تفرض على الدول التخلي بدون قيد ولا شرط عن جزء من حرية عملها وبعبارة اخرى عن سيادتها ، ومما لا شك فيه انه ليس بوسعنا ان نجد طريقا اخرى تؤدي الى ذلك الامن .

ونظرة بسيطة الى فشل الجهود ، المخلصة ولا شك ، التي بذلت طيلة العشرة سنين الاخيرة تسمح لكل انسان بان يدرك ان قوى نفسانية جبارة ما تزال عاملة على اعاقة تلك الجهود ، والبعض من تلك القوى يسهل ادراكها .

ان التهافت على النفوذ الذي يبدو من الطبقة السائدة في اية دولة يعطل تحديد حقوقها في السيادة ، وهذا التهافت السياسي العارم كثيرا ما يجد غذاء له فى ادعاءات طبقة اخرى يتجسم مجهودها الاقتصادي في شكل مادي صرف . واذ اقول هذا فانا افكر خاصة في تلك الشرذمة التي نجدها فى كل شعب ، والتي هي ثابتة العزم على قلتها ، لا تقيم وزنا للتجارب ولا للعوامل الاجتماعية ، المتركبة من أفراد لا يرون في الحرب ولا في صنع الاسلحة والاتجار بها سوى فرصة سانحة لاستدرار فوائد وارباح شخصية وتوسيع نطاق نفوذهم الشخصي .

الا ان تلك الملاحظة البسطة ليست سوى خطوة اولى فى سبيل معرفة الملابسات ؛ فيتبادر اذن للذهن سؤال هو : كيف يتيسر لتلك الاقلية ان تستعبد لمطامعها السواد الاعظم من الشعب الذى لا يجني من الحرب الا الآلام والتفقير ؟ واني عندما اتكلم عن السواد الاعظم لا انوي اقصاء اولئك الجنود - على درجاتهم - الذين اتخذوا من الحرب حرفة ، واثقين من انهم يعملون لدفاع عن اثمن خيرات شعبهم ومعتقدين ان احسن وسيلة للدفاع تكون احيانا المبادرة بالهجوم

وهاك اول جواب : يتأكد في نظري ان قادة الساعة - وهم اقلية -  تتصرف في المدرسة والصحافة وفي غالب الاحيان المنظمات الدينية ، وبفضل تلك الوسائل تفرض هيمنتها وتوجه عاطفة السواد الاعظم فتجعل منه اداتها العمياء .

لكن هذا الجواب لا يفي بعد بتسلسل المائلة لان هناك سؤالا آخر يعترضنا وهو هذا : كيف يمكن للسواد الاعظم ان يتاثر بالوسائل التي ذكرناها فيتاجج حماسا الى حد الجنون والتضحية ؟ لا ارى لذلك جوابا سوى ان في النفس البشرية حاجة ملحة الى الحقد والتدمير تبقى كامنة فى الظروف العادية ولا تظهر الا في الظروف غير العادية ، وقد تثار بسهولة فتتعفن وتؤول الى نفسية جماعية مرضية ، وهذا هو - على ما يظهر - المشكل الجوهري والسر الدفين لمجموعة تلك العوامل وهذه هي النقطة التي لا يمكن لسوى الخبير الماهر بسر الغرائز البشرية ان يلقى عليها ضوءا .

وهكذا نصل الى سؤال آخر : هل يمكن توجيه النمو البشري بحيث يصبح المرء اكثر مناعة ازاء عقد الحقد والتدمير ؟ وهيهات ان افكر - عند كتابة هذا - فى الاميين فحسب ، بل قد جربت بنفسي ان من يوصفون " بالذكاء " هم اكثر الناس عرضة للايحاءات الجماعية الوخيمة . ذلك انهم لم يتعودوا الورود من معين التجربة الحية بل هم على عكس ذلك ينخدعون انخداعا بالورق المطبوع .

وفي الختام اضيف اني لم اتعرض الى الآن لسوى الحرب الاممية او بعبارة اخرى لما يدعى بالنزعات العالمية ، ولست اجهل ان سجية العداء البشري تبرز ايضا بمظاهر اخرى وفي ظروف اخرى . خذ لك مثلا من الحرب الاهلية الناجمة قديما عن اسباب دينية والناتجة اليوم عن اسباب اجتماعية ، او من اضطهاد الاقليات القومية . . . انما قصدت ادهى النزعات ، هذا الذي يندلع بين المجتمعات البشرية اذ بمعالجتنا لهذا الصنف نتوصل بسهولة اكبر الى معرفة وسائل اجتناب الفتن المسلحة .

وأنا أعلم أنكم أجبتم في مصنفاتكم - مباشرة او بصورة غير مباشرة - على كل هذه الاسئلة المتعلقة بالمشكل الذي نحن بصدد معالجته والذي يلح علينا إلحاحا . إلا أنه لا يخلو من الفائدة ان تتناولوا بالبحث مسألة إقرار السلام في العالم على ضوء بحوثكم الحديثة ، فقد يكون هذا الدرس مدعاة لجهود مثمرة في هذا الباب . مع خالص الود ( ١ )

حرر ببو تسدام فى ٣٠ جويلية ١٩٣٣

اشترك في نشرتنا البريدية