الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

رسالة صديق

Share

سأل مدير المجلة صديقه الاستاذ عامر غديره مدرس الآداب العربية بباريس رأيه فى اتجاه المجلة وفيما عساها ان تبحثه من المواضيع وتعالجه من القضايا فأجاب بهذه الرسالة القيمة التى نبادر بنشرها لما تضمنته من توجيه سديد ولما قد تثيره ايضا من مناقشات تعيننا لا محالة على حل مشاكلنا الفكرية المتكدسة                                    - الفكر -

اخي العزيز تحية عطرة واشواقا صادقة وبعد فاني اشكرك على اعداد " الفكر " المتتابعة التي ارسلتها الي واني اعدك بالعمل معك فى سبيل تغذية المجلة والنهوض بادبنا العربي القومي .

" الفكر " جملة الهيأة لطيفة الشكل مهذبة المحتوى نظيفة ترتاح اليها العين وتقدرها حق قدرها ولو كانت للغتها جاهلة او عن قراءتها غافلة . وإنى لأحب منظرها البسيط الخالى من فاتن الصور وبديع المحسنات كما يحب بعضهم جريدة " لوموند " ويفضلونها على مجلة " باري ماتش " بالرغم عما لـ " باري ماتش " من عديد القراء وفاتن الصور . غير أني لا أدرى أيرضى قراؤنا عن هذه البساطة في الأخراج وهذا التجرد فى التقديم أم هل يريدون شيئا آخر فيه الرسم وفيه التصوير وهل يحسن بنا ان نأتي بحل وسط بين المصور العامى وبين الادبي الثابت المحض ؟

ولقد اتصلت برسالتك التى تحدثنى فيها بما يشغل بالك - لقد سألتني رأيي في الاعداد الخاصة وما يتعلق بها من مختلف المواضيع . فلعل انجع وسيلة لتكوين القراء ايجادهم وتوجيهم - هو البحث فى مواضيع معينة على منهاج معين مدقق .

الراي عندي ان نهييء قائمة المواضيع التى تهم بلادنا ولغتنا وثقافتنا والتي تهم اللغات والثقافات والبلدان المتصلة بنا اتصالا متينا ثم ان ننظر فيها وان نرتبها حسب اهميتها واتساعها فنجعل لكل موضوع او لكل موضوعين متقاربين عددا خاصا قائما

بذاته . وكل عدد خاص يتطلب طول المدة وعميق التفكير وحسن المشاركة . واني أظن أنا نستطيع ان نكثر من الاعداد الخاصة  - التى تدور حول موضوع حيوي - وان نخرج اثنين او ثلاثة فى السنة الواحدة

المواضيع التي تشغل البال في هذه الايام على ثلاثة انواع : موضوع ظاهره حق وباطنه باطل وبهتان . وموضوع ظاهره باطل وباطنه حق وجد - وموضوع ثالث لا اختلاف في اهميته ولا ريب .

المواضيع التى أعدها مشاكل كاذبة باطلة هي التي من شأنها ان تحدث المناظرة والمباهاة والتعصب عوض المشاركة والدرس والنزاهة ، هى التى نجد وراءها العراك ونحن نريد الحوار - وهل احسن من ان نقترب الى الحقيقة فى حوار ؟ هذه المواضيع هي التي نتناولها بالبحث فنتخبط فيها ونتشاجر ثم نفحصها فاذا هي خاوية لا شئ فيها - اذكر من ذلك موضوعين قد والله شوشا الافكار بتونس واقلقا القوم حينا من الدهر وهما اللائيكية ومشكلة المرأة من وراء حجابها او تصويتها . اللائيكية (كالشيوعية) من الالفاظ التى ينفعل لها الناس على سبيل الحكم الوهمي فتحدث ضجة ونزاعا في كثير من الاحيان عن غير فهم ولا حاجة الى الفهم - والمرأة سوف تترك حجابها وسوف تصوت او لا تصوت (الانقليزية وصلت الى التصويت لانها في كثير من الاحيان لا تصل الى الزواج . والسويسية وصلت الى اقصى التمدن ولم تلتفت الى حقها في التصويت) فما هذا الهام فى شانها بل الهام امور اخرى منها نفسية المرأة ورسالتها ووعيها...

وهناك مواضيع اخرى يراها القوم ثانوية تافهة فلا يأملون طائلا من ورائها ولا يقفون عندها . من ذلك الاهتمام بلغتنا العامية ولهجاتها المختلفة ومن ذلك الاهتمام أيضا بادبنا الشعبي وتشجيعه : الاديب الكلاسيكى المحترم يرى كل ذلك هذيانا وخطلا والشاب يرى كل ذلك عديم الفائدة عسير الدرس .

ان لغتنا العاملة ليست لغة اجنبية فننبذها ولا لهجة دنيئة فنستحي منها . انما هي مظهر من مظاهر عقليتنا وتاريخنا وكنز ثمين فيه اللفظ العربى الفصيح وفيه الدخيل الذي لم يوضح اصله بعد ، فيه التركيب الجديد والمثال المبتكر وفيه العبارة العتيقة

الفصحى . كل هذه المظاهر نستطيع ان نلفت اليها التفاتنا الى خصائص الاشياء واصفين مدققين مسجلين متسائلين علنا نفهم من وراء الوصف ومن وراء الاستقراء تطور لغتنا وبالتالى تطور تاريخنا ونفسيتنا :

اللغة العامية في خصائصها والأدب الشعبي في كنوزه موضوعان قد تعين حينئذ دراستهما على التقارب بين القديم والحديث بين الفصيح والعامي بين المتماوت والحي وقد يعين درسهما على الاتصال بالواقع والابتعاد عن المحافظة العمياء فانى اعتقد ان المبالغة فى المحافظة على الفصيح مدعاة الى الانحطاط إذ أن اللغة حياة ونمو أبدا واستحالة وإذ أن مستقبل العرية فى تهذيب عامتها وتيسير فصحاها .

انت تعلم - وكلنا يعلم - ان اللغة العربية والاداب العربية في خطر - اللغة العربية في خطر لان الاجانب - رغم ما قام به المستشرقون من جليل الخدمة ورغم دفاع الكثير منهم عنها - يحتقرونها في جهل وتعصب ولان قوما من العرب ومن غير العرب يريدون اليوم تشويهها بالعدول عن لغة القرآن والاسلوب العربى الاسلامى الى عبارة جديدة مشوهة واسلوب لا قرآني -ان لم أقل مسيحيا - واللغة العربية فى خطر لان أبناءها يجهلونها او يعبثون بها او يهملونها كما يهمل الصبى لعبتعه اذا قدمت والابن أمه اذا هرمت .

واللغة العربية هي التي تحمي وحدها كياننا الثقافي وتضمن للثقافة الاسلامية الكاملة الحياة والنمو - فلئن اهملنا اللغة اضعنا الثقافة الاسلامية واهلكنا الفكر الاسلامي فيجب علينا حينئذ ان نكفل اللغة وان نعتنى بها كما يعتنى العامل بآلته التى لا يقدر دفع ضرر ولاجلب منفعة الا بها .

ولكي ننهض بلغتنا ولكي ننعش ادبنا ونحفظ ثقافتنا يجب ان ننتج، يجب ان نخلق والانتاج في المغرب العربي ضعيف الكمية وهو ضعف القيمة (الا قليلا) فى الشرق العربى . فلم هذا التباين بين الشرق والغرب ونحن امة واحدة ، ولم هذا النقص ؟

اظنك توافقني اذا قلت : لئن بقي الانتاج العربي الحالى ضعيفا مشتتا فذلك للانقطاع القائم بين العرب في المكان والزمان : انقطاع فى المكان اذ الروابط بين الشعوب العربية قليلة ضئيلة في الميدان الثقافي . لقد فرق الاستعمار الطويل المنقض على كامل الشعوب الاسلامية

(أو يكاد) وشتت واعانه على ذلك التفريق الانحطاط المادى فجهل بعضنا بعضا وتفارقنا والأن ، فهل من التئام وتماسك متين ؟ اني ارى بلدان آسيا وافريقيا وقد كانت كلها في هذه الأيام الأخيرة دار كفاح وتحرير تعقد المؤتمرات السياسية وتكثر من الاجتماعات والزيارات الديبلوماسية ولكنى لا ارى التقاءات ادبية كثيرة.. فهل من " باندونغ " ثقافي وهل من مؤتمر لكتاب العرب والاسلام جميعا ؟ اذ كل استيقاظ سياسي يجب ان يتبعه نهوض فكري أدبي .

ثم انقطاع في الزمان وذلك ان عصور الأزدهار في العالم العربي انقضت منذ مايريد على ٨ قرون ونحن نعلم ان لكل أمة تراثا يعمل رجالها لحفظه وتنميته فيعمد اليه علماؤها لتثبيته وادباؤها للاقتباس منه والتقدم به . فقبل ان تمر أمة بعهد التاليف والخلق والابداع هى تمر لا محالة بفترة تحضيرية تنتهى بايجاد نوع من البنية الاصلية الأساسية Infrastructure التى سيتغذى منها الأدباء الجدد وسيعتمدها المحدثون في انتاجهم الجديد . وهذه البنية الاصلية - التى هى قوام كل شىء والتى هى الوسيلة الاساسية للنهوض الادبي . بطيئة التكوين مثلومة الاقسام عندنا لنقص في التعليم ونقص فى النشر

نقص في النشر فظيع ! عندما يريد اديب فرنسي ان يشتري كتابا " لراسين " او لـ " بالزاك " يختار بين عدد الطبعات للمؤلف الواحد ومختلف التقديم . وعندما يريد اديب تونسى اقتناء كتاب البخلاء مثلا فيخرج الى سوق الكتيبة مفتشا يحتار فى امره إذ لا يجده وعندما يفكر نفس الأديب في الطبعات المشوهة المملوءة اغلاطا وتحريفا وعندما يفكر نفس الاديب فى التاخر الطارىء على طبع بعض امهات الكتب (الأمثلة كثيرة حاضرة فى كل ذهن) وعندما يفكر في آلة النقد والدرس التى تكاد تكون مفقودة لدى الطالب المريد عندما يفكر اديبنا فى كل ذلك وفى غير ذلك لايسعه الا ان يحلل هذه البنية الاصلية التى اشرنا اليها وان يبحث عن وسائل النهوض و كيفية تدارك الامر . وقد تعينه مجلة كمجلة " الفكر " بعدد خاص تحليلي توجيهى في هذا الموضوع ...

وهكذا ندخل في النوع الثالث وهو المواضيع الحيوية التي لانزاع في اهميتها واذكر لك منها على عادتى موضوعين اثنين : بلادنا وديننا.

تونس بلاد مستقلة قائمة بذاتها قد حققت وحدتها منذ زمن بعيد ، بينما نرى اقطارا  كايطاليا والمانيا وحتى الولايات المتحدة الاميريكية لم تحقق وحدتها الا في اواسط القرن التاسع عشر نستطيع ان نعد تونس بلادا موحدة الحكم والمؤسسات واللغة والعرف منذ عهد الاغالبة (عشرة قرون قبل المانيا وايطاليا والولايات المتحدة !) فما هي ظواهر هذه الوحدة ؟ وما هى مكوناتها ؟ ومن هم الرجال الذين عملوا لتدعيم هذه الوحدة التونسية والذين ظهروا بمظهر تونسي حقيقي خلال التاريخ ؟ ومن هي الشخصيات التونسية المعروفة قبل الأسلام وبعده ؟ وما هى خصائص الروح التونسي ؟ وكيف قد تكون مشاركة التونسي في اعمال القافلة الامـمية ؟

قد اعتاد الناس ان يروا فى الروح الفرنسي مثلا العقل والذكاء والابداع حتى ان الرجل الفرنسي قد يعد اذكي من فى الارض لكنه قد يعد ايضا متخبطا احيانا في تطبيق مبادئه البديعة الخلابة .

وقد اعتاد الناس ان يروا فى الروح الالمانى الشغف والاندفاع والعمل في نظام عجيب ولكنهم راوا ايضا ان عمله ليس بمقدار بل يتراوح بين الخطل والنقص فالالماني رجل التناقض يستمع الى الموسيقى فيرق شعوره حتى يبكي حنينا ويستمع اليها فيجف قلبه حتى يقتل ظلما.. وقد اعتاد الناس ان يصوروا الاميركاني ولوعا بالسرعة طالبا لها اينما كانت وكيفما تكيفت ولكنهم راوا ايضا ان كل ذلك يشوبه شئ من الصبيانيات ظاهر مبين . والتونسي ؟ ما هى شخصيته وما هي مظاهر روحه ؟

اما الدين عندنا فهو الاسلام وانا نستطيع ان ندرس في عدد من اعداد " الفكر " هذا الموضوع لا من الناحية الدينية بل من الناحية التمدنية . لان ظاهرة هامة في تاريخ الاسلام هي ان الاسلام ليس دينا فحسب بل هو مدنية كاملة وحضارة عظمي واني أظنني قد قلت لك من قبل إنى اعتقد ان الرجل اللا ديني من بيننا الذي لا يؤمن بإلاه ولا يقوم بفرض يبقى مسلما فى تمدنه مسلما في تفكيره مسلما في انفعالاته حتى انه قد يهاجم رجال الدين فى مسألة ما ثم هو لا محالة يدافع عن الاسلام كلما رمى الاسلام اجنبي بنقد .

الاسلام حينئذ دين وحضارة ومدنية فما هى مظاهره ؟ وكيف تشعب في غير

الميدان الديني المحض ؟ هو دين وهو ايضا أدب وموسيقى ونقش وفن معماري - هو دين وجهاز اخلاقي كامل يامر بالمعروف وينهى عن المنكر - هو دين وجهاز قانونى تام قد نظر فى الميراث ودقق مسائل الزواج تدقيقا - وهو فلسفة واسعة متشعبة منها نشأ الاعتزال ومنها خرجت الصوفية - وهو الى هذا كله مظاهر اخرى عديدة يحسن بنا تحديدها والنظر في اسبابها ومسبباتها إذ ان الحياة طلب دائم وفحص فلا تقدم فى غير سؤال وحيرة وتجديد للنظرة المعهودة . وانا نعلم جمعا ان الطمأنينة والارتياح مدعاة الى الجهل والكسل .

تلك مواضيع نستطيع ان نتناولها بالبحث لنثير الحوار الجدى والمناقشة النزيهة تقربا منا الى الحقيقة ووعيا لبيئتنا وحاضرنا - والاعداد الخاصة سوف تكون - كما اتمناه - مطابقة لرائد المجلة العام مطابقة لغايتها من تكوين القراء التونسيين وربطهم ببقية العالم العربى . وانى اود لو تتمادى مجلتنا فى منهاجها الحالي بان تكون مجلة عربية اسلامية ديموقراطية شعبية تقدمية - والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية