الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666 الرجوع إلى "الرسالة"

رسالة في القدر :

Share

سيدتي الفاضلة : تلقيت كتابك الكريم الحزين ، وإني لألمس فيما يضطرم فيه  من لاعج الألم : وفيما ينطوي عليه من احتياج كظيم وثورة  مكبوتة ، مبلغ السعادة التي فجعك فيها القدر ، ذلك القدر الذي  فجعني مثل فجيعتك .

وما أحسب أهل الحضارات القديمة من الأمم الحالية إلا على  عذر في تصورهم أن الآلهة تحسد من تهيأت لهم السعادة في تمامها  وكمالها من البشر ، فتبتدرهم بما يقتضب تلك السعادة عليهم .

ولقد كنت في صدر حياتي أعجب للمأساة عند الاغريق  وتصويرهم فيها للقدر يقضي قضاءه لغير موجب نعقله ، فلا تجدي  حيلة ولا شفاعة ، لا حيلة في الأرض ولا شفاعة في السماء تقف  في وجه القدر الطاغية فيما يروونه من أساطير تاريخهم . وذلك  انهم كانوا - مع إيمانهم بسلطان الأرباب على البشر - يجعلون  القدر فوق الأرباب .

وإنني لأذكر اليوم هذه الصورة للقدر التي كنت أعجب لها عند  الإغريق الأقدمين ، ثم أذكر هذا الذي ما نزال عليه نحن عامة المسلمين  من الاعتقاد بالمقدور المكتوب من قديم لكل واحد منا ، وما  يستتبعه من الدعاء بدعائنا المأثور   ( اللهم لا أسألك رد القضاء ،

ولكن أسألك اللطف فيه )  فلا أملك نفسي من مراجعة النظر  والتفكير . أجل ، إني لأديم التفكير في هذا على الرغم مني .

ولست أزعم ولا أنت تزعمين يا سيدتي أن الفجيعة التي نزلت  بنا لم تنزل قط بأحد غيرنا . ولكني لا أجد في ذلك عزاء وأظنك  مثلي ، وإنما ذلك أدعى إلى زيادة الأسى على حظ البشر المساكين .

وكل ما يستطيعه الإنسان في رأيي ويليق بكرامته أن يواجه  الحقيقة وينظر إلى وجهها سافرة معتصما بذلك الاستسلام الجليد  النبيل الذي عرف به الفلاسفة الرواقيون . فهل نحن مستطيعون ؟ وقبل أن اختم هذه الكلمة اليائسة التي كنت أود لو قلت

غيرها من قبل الكلام الذي تعوده الناس في هذه المناسبات  الحزينة ، أعتذر مخلصاً للسيدة الفاضلة عن خروجي عن المألوف ،  وأرجو أن تتقبل اعتذاري . أما اعتذار السيدة عن ترديدها لشعر  الديوان في بكاء حبها الضائع وإلفها الراحل فهو حقها ، فالديوان  ديوانها مثل ما هو ديواني ؛ إنه ديوان كل من أصيب في حبيب .  أما ثناؤك الكريم يا سيدتي على ناظم الديوان ، فأنه ينصرف إلى  صاحبة وحيه ولك أجزل الشكر مني

اشترك في نشرتنا البريدية