فكرة النسبية لأينشتاين توحى بتمدد الكون - نبوءات العالم (دى سيتر) بوجوب ظهور الأجرام البعيدة كأنها تبتعد عنا -هذا الابتعاد حقيقى بخلاف ما يعتقد (دى سيتر) - الطيف خير رسالة من النجوم لإثبات ذلك - رسالة العوالم تنبئنا بابتعادها لها عنا، وأننا أبناء كون يمتد.
ترى ما هى هذه الرسالة من العوالم البعيدة؟ وترى كيف يكبر الكون ولماذا؟ وكيف توصل العلماء إلى اكتشاف ذلك؟ وهل يعد الاكتشاف من الأمور النظرية، أو أن خطوات العلم التجريبى تدل على ذلك؟... هذا ما نحاول أن نتناوله فى هذه الأسطر، فنبحث موضوعاً جديداً، لا تبعد نتائجه التجريبية الأولى عن عشر سنوات، وإن رجع البحث النظرى فيه لأكثر من عشرين عاماً.
وتعد نشرات(1) السير أرثر أدنجتون أستاذ الفلك في جامعة كمبردج، وكتابه (العالم ينتشر(2)) الذى ترجمه للفرنسية مسيو روسينيون من أهم المراجع فى هذا الموضوع. كذلك محاضرته
التى ألقاها فى المؤتمر الدولى للفلك المنعقد فى كمبردج سنة ١٩٣٢ والتى أتبعها بسلسلة محاضرات فى الراديو بأمريكا.
لم يعن الجمهور فى الممالك المختلفة بنظريات إينشتاين فى النسبية، التى تنبأ فيها بتقوس الأشعة الضوئية التى تصل لنا من الأجرام السماوية، إلا بعد التجارب الشهيرة التى قامت بها الهيئات العلمية المختلفة أثناء كسوف الشمس فى سنة ١٩١٩، هذه التجارب التى أثبتت نبوءة أينشتاين، وجعلت من نظريته مثاراً لحديث الناس عامة. على أنه إذا كان هذا حظ الجمهور من الاهتمام فقد عنى كثير من العلماء بنظرياته قبل ذلك التاريخ، ففى نوفمبر سنة ١٩١٧ أى بعد مرور عامين من نشرات أينشتاين عن (النسبية فى وضعها العام(1)) ، نشر العالم (دى سيتر) W d Sitter بحثاً عن أثر نظرية أينشتاين فى الناحية الفلكية. ونرى فى هذا البحث لأول مرة أن الأجرام السماوية البعيدة يجب أن تعطينا على الأقل فكرة الابتعاد عنا، ولم يؤكد (دى سيتر) هذا الرأى بطريقة جازمة، وكان عمله من قبيل توقع ظاهرة يغلب على الظن ملاحظتها.
وظلت فكرة (دى سيتر) الجديدة فى مفترق الطرق تفتقر للإثبات التجريبى بحيث إذا أيدت أرصاد الفلكيين هذا الابتعاد ثبتت صحة الطريق النظرى الذى اختطه (دى سيتر)
ومن المدهش أن يتوصل الفلكيون بعد ذلك، لا إلى إثبات تحقق نبوءات (دى سيتر) فحسب، بل إلى أن هذا الابتعاد حقيقة واقعة، وأنه يتغير مع المسافة وفق قانون خاص. وبعبارة أخرى توصل العلماء لاكتشاف يُعد أكثر أهمية مما كان يتوقعه
(دى سيتر). لندع الآن جانبا النظريات لنتكلم عن الطرق التجريبية التى أثبتت تمدد الكون واتساعه
ذكرنا أن السُّدم اللولبية هي أبعد ما نعرف من عوالم فى الكون(1). وتقع السدم التى أمكن رؤيتها على مسافات تختلف من ١ إلى ١٥٠ مليون سنة ضوئية. ويجمل بنا أن نذكر أن السنة الضوئية هى المسافة التى يقطعها الضوء فى سنة، بمعنى أنه لو تصورنا قاطرة تستطيع أن تدور حول الكرة الأرضية سبع مرات فى الثانية الواحدة، فإنها تستغرق ١٥٠ مليون سنة لتسير من أحد تلك السدم حتى الأرض
هذه السدم المتباعدة منتشرة فى الحيز الواحد بعد الآخر. كل منها يكون عالماً كعالم المجرة الذى يحوى ملايين الكواكب التى تعد شمسنا واحداً منها، ولا حاجة بنا إلى أن نذكر مرة أخرى أنه إذا كان المجرة عالماً واحداً مكوناً من حوالى مائة ألف مليون نجم فإن مجموع العوالم الأخرى التى تشبهه تبلغ مثل هذا العدد
هذه العوالم المتباعدة الواحد منها عن الآخر لا نستطيع، عند التفكير فيها، أن نفصل فكرة الفراغ واتساعه عن فكرة
الزمن والتطور، ولكن ندع فكرة تكوينها لنشرح الطريقة التى علمنا بها سرعة ابتعادها
ونبدأ بكلمة موجزة عن التحليل الطَّيْفى لعلاقته بهذا الموضوع. كلنا يعرف أن الضوء إذا وقع على منشور، كحافة مرآة مشطوفة، يتحلل إلى ألوانه العديدة التى نميز منها بالعين السبعة الألوان المعروفة، من البنفسجى إلى الأحمر؛ كذلك نعرف أن لكل مادة طيف إشعاع يميزها عن غيرها، فالهيدروجين والصوديوم مثلاً لهما خطوط معينة يتميزان بها فى الطيف، كما أن لكل مادة خطوطاً أخرى، وعلى هذا يدلنا التحليل الطيفى للأشعة الآتية من الشمس أو النجوم عن العناصر الموجودة بها، وهكذا أثبت العلماء أن كل العناصر الموجودة فى الأرض موجودة أيضاً فى الشمس.
ويجد القارئ فى الشكل (١) ست صور لأطياف مواد مختلفة(2), بعد أن نسلط عليها قوساً كهربائياً. والطيف الأول من أعلى الشكل خاص بالزئبق عند أول تكوين القوس، والثانى خاص به ولكن بعد أن توازنت حالة الإشعاع فى الزئبق، أى بعد مرور فترة على تكوين القوس، والطيفان الثالث والرابع خاصان بنفس الظاهرة للصوديوم، والطيفان الأخيران، الأول للهيدروجين عند احتراقه بمرور شرارة فيه، والثانى للبوتاسيوم عند تسليط القوس عليه.
ومما يجدر ذكره أن المصابيح المستعملة فى إنارة بعض ميادين العصمة والإسكندرية، كالمحطة وجوار معبر قصر النيل، تضاء بهذه الطريقة أى باستعمال الزئبق الذى يعطى هذا اللون الجميل المائل للزرقة أو استعمال الصوديوم الذى يعطى لوناً مائلاً إلى الاصفرار، على أن هذا النوع من الضوء يقع فى الجزء الحساس من العين؛ لذلك ولأسباب أخرى، تُعد هذه المصابيح أكثر اقتصاداً من المصابيح المعروفة
وهكذا لكل مادة طيف خاص بها يميزها عن غيرها من المواد؛ على أنه يشترط لكى تبقى هذه الخطوط الطيفية فى مواضع معينة وثابتة، أن يكون الجسم مصدر الطيف ثابتاً بالنسبة لنا، وكما أننا
نستطيع أن نعرف درجة ابتعاد قاطرة عنا من سماع وتسجيل صفيرها، كذلك يمكن بدراسة خاصة بالتحليل الطَّيْفى أن نعرف إذا كان النجم يبتعد أو يقترب منا، كما نعرف سرعة ابتعاده، ذلك أن الخطوط الطَّيْفَّية تقترب من جهة الطيف الأحمر إذا كان النجم يبتعد عنا، أو من الجهة الأخرى إذا كان النجم يقترب منا، وعلى قدر اقترابها من أحد الطرفين نعرف سرعة ابتعاد النجم أو اقترابه
والشكل (٢) مثال من هذا الطيف الذى يسمح بالحصول على تقدير هذه السرعات الكبيرة، والأشكال التى تبدو في الصورة كالطوربيد، هى طيف لسدم مختلفة، مأخوذ فوق الطيف الأرضى العادى، وترى أنه كلما نزلنا فى اللوحة مالت خطوط معينة فى الطوربيد إلى الجهة اليمنى، وتختلف سرعة هذه السدم الواحد عن الآخر فالطيف الأعلى يمثل ضوء السماء والسديم الأول وهو الذى يليه يقترب بسرعة ١٨٥ كيلو متراً فىى الثانية والثانى يبتعد بسرعة ٣٨٥ كيلو متراً والثالث والرابع بسرعة ٤٩٠٠ 12.30
كيلو مترا و ٤٨٨٤ كيلو مترا على التوالى والخامس بسرعة ١٩٧٠٠ وأول من قام بعمل هذا النوع من التجارب هو الأستاذ سلفرV M Slipher مرصد لويل Lowel
هذا عن تعيين سرعة السدم وبقي أن نشرح الطريقة لمعرفة بعدها عنا
من الممكن أن نرى فى العوالم الحلزونية القريبة بعض النجوم الكبيرة المنفردة عندما تفوق هذه النجوم الشمس فى حجمها وضوئها مئات أو آلاف المرات، ومن حسن الحظ تتغير شدة إضاءة طائفة من هذه النجوم من وقت لآخر وتسمى هذه النجوم التى يتغير ضوءها Cepheides Variabes ويحدث توهجها، الذى يقع فى فترات متتابعة ومتساوية، من نبض حقيقى للنجم أو تغير فى حالته الطبيعية؛ وتختلف هذه الفترات من بضع ساعات لبضعة أسابيع، حسب حجم هذه النجوم وقوة توهجها
وكما أن الأطباء يحاولون بدراسات جديدة تمييز الجنين في بطن أمه إن كان ذكراً أو أنثى، من عدد ضربات قلبه، فقد وجد العلماء أن هذه الفترات تدل على حالة النجم. وقد أثبتت الملاحظات أن النجوم التى لها نفس الفترة لها نفس الخواص الأخرى كالحجم والتوهج والنموذج الطيفى، وعليه فالفترة التى يمكن أن نقيسها بسهولة بساعاتنا الأرضية تعين درجة توهج النجم؛ فإذا عرفنا أن نجماً من النجوم توهجه يختلف مرة كل عشرة أيام، كان سطوع هذا النجم يماثل ٩٥٠ مرة قدر سطوع الشمس. وتنحصر المسألة بعد ذلك فى معرفة المسافة التى يوجد عليها نجم عرفنا درجة توهجه، ونعرف أن حجمه الظاهرى لنا النقطة التى نراها. من هنا عرف العلماء مسافة هذه النجوم البعيدة، وبالتبع مسافة العالم الذى يحويه(1)
وهكذا أصبحنا نعرف مسافة هذه النجوم المتغيرة ، معتبرة وحدة للقياس ، كما نرف مسافة سمعة معتبرة وحدة للقياس من درجة توهجها الظاهرة
وقد اكتشف الدكتور هبل(Hubble) من مرصد جبل ولسون بأمريكا نجوماً من هذا النوع فى ثلاثة من أقرب السدم
الحلزونية وحدد أبعادهم بالطريقة السالفة - هذه الطريقة التى صعب على هذا العالم تطبيقها للسدم البعيدة؛ فاضطر إلى الالتجاء لطريقة أخرى يعتد بها فريق من العلماء، ولا مجال لشرحها هنا.
وها نحن نسرد النتائج الفعلية لهذه الأبحاث أولاً: أن سرعة ابتعاد السدم تفوق كثيراً السرعة التى تسير بها النجوم فى أفلاكها داخل هذه السدم
ثانياً: هذه السرعة للسدم تزداد بازدياد المسافة التى تفصلنا عنها ثالثاً: تبتعد جميع السدم عنا بسرعات كبيرة جداً
صحيح أنه دل امتحان ٩٠ سديماً، فى بادئ الأمر، على اقتراب الخمسة السدم الأولى منا بسرعة بطيئة، ولكن يعتقد السير أدنجتون أن هذا الاقتراب اقتراب ظاهرى، ذلك أن الباحثين لم ينسبوا سرعة هذه السدم للمجرة كمجموعة، إنما نسبوها لمجموعتنا الشمسية، وباعتبار أن الشمس تسير حول مركز المجرة بسرعة تختلف من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ كيلو متر فى الثانية، فإن هذا الاعتبار الأخير يصحح معرفتنا الحقيقية عن هذه السدم الخمسة التى يثبت بعد ذلك ابتعادها.
ويحسن أن نطلع القارئ على درجة سرعة ابتعاد السدم عنا، فبينما تختلف سرعة النجوم فى أفلاكها من ١٠ إلى ٥٠ كيلو متراً فى الثانية(1) ، إذ تختلف سرعة السدم فى الأربعين سديماً القريبة منا كما بين ذلك (سلفر) من ٨٠٠ كيلو متر فى الثانية إلى ١٨٠٠، هذا وقد اكتشف (هاماسون) Humason من مرصد مونت ولسن بأمريكا أن السرعة تزداد بعد ذلك كثيراً للسدم البعيدة ففى جهة التوأمين Gumaux يُرى سديم يبتعد عنا بسرعة ٢٥ ألف كيلو متر فى الثانية، ويبعد عنا بنحو ١٥٠ مليون سنة ضوئية. ولا شك أنهم سيكشفون الآن سُدُماً أبعد من هذا، وذلك بعد أن تم وضع المنظار الجديد فى مرصد جبل ولسون، ذلك المنظار الذى كان له الفضل فى كشف القمرين الجديدين للمشترى كما ذكرنا فى مقال سابق
ولقد كان لهبل فى سنة ١٩٢٩ الفضل فى اكتشاف تناسب
سرعة السديم مع بعده، وهذا مطابق لنظرية إينشتاين، ولو أن (دى ستر) ظن بادئ الأمر أن السرعة تتناسب مع مربع المسافة، إلا أنه اتضح له خطأ هذا الحساب فيما بعد
وتزيد السرعة وفق تجارب هبل ٥٠٠ كيلو متر فى الثانية لكل سديم يبعد عنا بثلاثة ملايين سنة ضوئية تقريباً، وعلى هذا فالسديم الذى يبعد ٣٠ مليون سنة ضوئية يبعد عنا بسرعة تقرب من ٥٠٠٠ كيلو متر فى الثانية(1) أى يبعد عنا مسافة كالتى تفصل أمريكا عن أوربا، ويكفى أن نصل إلى مسافة تقدر بمائة وخمسين مليون سنة ضوئية لتكون سرعة ابتعاد السديم عنا ٢٥٠٠٠ كيلو متر فى الثانية
هذا هو الكون، كل عالم يبتعد فيه عن الآخر، وقد يأتى وقت تبتعد فيه كل العوالم، فلا يبقى للأحياء عالم ليروه، اللهم إلا إن تقدم المنظار الفلكى بقدر ابتعاد هذه العوالم. وقد أثبت الحساب كما يقول أدنجتون، أن على راصد السدم أن يزيد فتحة منظاره بقدر الضعف كل ١٣٠٠ مليون سنة، وعلى الذين يعتقدون دوام الجنس البشرى ملايين السنين، لنعرف كل مالا نعرفه اليوم أن يُعَجلوا بدراسة موضوع غير قابل للتأجيل
هذا رأي جديد فى العوالم المحيطة بنا، والكون الذى نحن بعض أفراده. ولنا أن نتساءل: لماذا تبتعد عنا كل العوالم كأنها جميعاً أعداؤنا، لا صديق بينها يقترب منا؟ هل هناك سر وسبب لهذا الابتعاد؟ وترى ماذا شكل الكون وفق الظواهر المتقدمة؟ هذا ما أتركه للقارئ يتأمل فيه ليجد الجواب عليه، إذ أن هناك صورة واحدة محتملة لكون له خاصيتان: الأولى أن كل عالم فيه يبتعد عن الآخر. والثانية أنه كلما كان العالم بعيداً بالنسبة لعالم آخر زادت السرعة التي يبتعد بها هذا العالم عنه.
هذه الصورة للكون وفق أحدث الآراء نطلب من القارئ أن يحاول تصورها، فإن لم يهتد فسنحاول أن ندله عليها فى المقال القادم؛ وسنرى أنه إذا كان أغرب القضايا العلمية هى أننا أبناء كون يمتد ويتسع، فأغرب من ذلك أننا سنرى أننا أبناء كون محدود.

