قرأت الفصل القيم الذى كتبه الاستاذ أحمد المختار الوزير عن " رسالة القيان " (١ ) ، فأثار فى نفسى طائفة من الذكريات والوانا من الحنين والشوق الى شيخنا أبى عثمان ، بما عرض لى من هذا العالم الزاخر الذى عشت فيه أطيب العيش - عمرا مديدا يبلغ ربع القرن ، وبما مثل لى من هذه الصورة الرصينة الجميلة السمحة التى صحبتها ذلك الزمن الطويل ، فلم انكر صحبتها ، ولا داخلنى معها شىء من الملالة ، ولا وجدت فى نفسى حاجة الى الاستطراف ، حتى وجدتني . منذ عامين تقريبا . اقف على باب جديد اطرقه ، فينفتح لي عن عالم زاخر بالوان المتع الفنية ، فاذا أنا مأخود به ، مفتون بسحر " واذا أنا منذ ذلك الوقت آجول فى طرقاته ، واتسكع فى اوديته ، واتسلل الى ابهائه واروقته ، أتأمل هنا وهنا ، متريثا مرة ومعجلا اخرى ، وارانى مرة على الجادة ، ومرات فى متاهة لا اعرف مداها ، ولا أكاد اتبين شيئا من المعالم فيها . ولكنى مع ذلك طيب النفس متهلل القلب ، احس المتعة فى اعماقى فى ان ارسل نفسى تمضى كيفما اتفق ، فان انا اصبت الطريق اخذتني فرحة الهداية ولذة الظفر ، وان ضللت فتلك متعة المغامرة
وهكذا مضت بى الايام فى هذا العالم ، عالم " الحياة الادبية فى شمال افريقية " ، وقد امتلا قلبي بالوان من الفتنة اخذتني من كل جانب ، وصرفتنى عن شيخي وصديقى الذي صحبته اجمل ايام العمر ، والذي فتح عينى وبصيرتى على اجمل ما فى الحياة من حقائق وصور ، الى ان وقع لى هذا الفصل فى مجلة الفكر ، فاذا موجة عارمة من الحنين تطغى على ، وتنتزعني مما حولى ، واذا وجه أبي عثمان يلوح لي متلألئا متألقا ، يهيج كوامن نفسى ، وادا ببى احس
صوته وكانه يهمس فى قلبى بارق معانى العتب ، لهذه الجفوة الطويلة ، مترففا مرة عابثا اخرى . وكانه يقول لى فى نغمة حلوة مرة معا : " وانت ايضا ايها الصديق تعبث بك الملالة ، ويستهويك حب الاستطراف ، كما كان شأن اصحابى فى تلك الحياة ؟ لطالما شقيت بهم ، وضاقت نفسى بتلونهم ، ودعوت الله ان يبدلني بهم خيرا ، فاذا انت واحد منهم ! "
وانا استغفر الله اليك يا أبا عثمان ، واستغفره لك ، فوالله ما كان شأنى في هذا العالم الجديد اعراضا عنك ، او ايثارا عليك ، او انكارا لحق استاذيتك . فانت الذي علمتنى كيف اطوف فى كل واد ، واحلق فى كل افق ، واتسم كل ريح ، والتمس لذة المعرفة فى كل سبيل فما كان انصرافى الى هذا العالم الزاخر بالوان الفن ، المضطرب بصور العبقرية ، الا استجابة لما علمت ، وسيرا في الطريق الذي انتهجت ورسمت ، وتطبيقا للنهج الذي سرت عليه وبلغت الغاية فيه
ومع ذلك فهأنذا ايها الاستاذ الصديق اعود اليك ، أشد ما اكون شوقا وحنينا وحبا وحرصا على رفقتك والاستماع اليك ، لاحيا معك فترة من الزمن واراجع تلك المرحلة من حياتى التى تبعث ذكراها اجمل النشوة فى اوصالي . ولك العتبى ، ان صح ما وقع فى روعى انك عاتب على
هكذا كان شأني ، وكانت خوالج نفسي ، حين قرآن ذلك الفصل القيم الذى اتاحته لي مجلة الفكر ، والذى يكشف في اسلوب دراسته ومعالجته للموضوع عن حس مرهف وروح علمية دقيقة
وقد بعثنى ذلك الحنين الذى اثاره فى نفسى ذلك الفصل الى مراجعة ذلك الاثر الرائع من آثار الجاحظ ، ثم الى تقديم هذه الدراسة الموجزة لرسالة القيان . تعريفا بها ، وتحليلا لعناصرها . وكأني امضى بذلك فى استكمال ما بداه الاستاذ الوزير . موفقا احسن التوفيق - من تحقيق نسبتها ، وتبيين خصائص الجاحظ واسلوبه فى موضوعها وبنائها
واذا كانت " الرحلة الفنية " التى جعلها استاذنا الدكتور طه حسين موضوع حديثه فى تونس فى الصيف الماضى هى التى نبهت الاستاذ الوزير الى مراجعة رسالة القيان وكتابة ذلك الفصل القيم عنها ، فان هذا الفصل هو الذى اتاح لى هذه الرحلة من المغرب الى المشرق ، واقامني فترة من الزمن فى بغداد والبصرة
ونقلني من مجلس ابن رشيق وابن شرف إلى محلول ابي عثمان الجاحظ واصحابه
ورسالة القيان هذه هى احد آثار الجاحظ الفنية التى كان يذهب فيها الى تصوير المجتمع ، في نواحيه المختلفة ، واستطاع بها ان يعرض لنا مجموعة من الصور الرائعة التى تمثل ذلك المجتمع تمثيلا بارعا ، اذ تبرز دقائق الحياة البغدادية - وهى وجه من الحياة الانسانية عامة - وتتناول تفصيلاتها ، بحيث تؤديها الينا اداء دقيقا واضحا ، وتعرضها عرضا فنيا جميلا . كما تبين لنا فى خلال ذلك ما كانت تضطرب من عوامل ودوافع ، وما كان يسودها ويوجهها من نزوات ونوازع ، وهى تعد بذلك وثائق تاريخية لا يستغنى المؤرخ عنها ، الى جانب قيمتها الفنية الادبية
واذا لم يكن لدينا ما يدلنا على تاريخ هذه الرسالة ، فانا لا نكاد نشك فى ان الجاحظ كتبها بعد ان ترك البصرة الى بغداد ، واتخذها مقاما له ، وتوثقت صلته بيئاتها المختلفة ، وجعلت هذه البيئات تعرض له الوانا من الحياة غير التى كان يعرفها من قبل ، فجعلت نزعته الفنية تتخذ من هذه الالوان مادة لها . ولعله كتب هذه الرسالة في تاريخ قريب من تاريخ كتابته كتابه فى " طبقات المغنين " وقد بقيت لنا قطعة منه ، وفى هذه القطعة ما يدل على ان تاريخ هذا الكتاب هو سنة خمس عشرة ومائتين . وكلا الكتابين تصوير لحياة الغناء والموسيقى فى بغداد ، وكلاهما اثر من آثار صلة الجاحظ بهذه الحياة فى بيئاتها المختلفة : فى مجالس الامراء والسراة . وفى دور المغنيين ، وفى بيوت المقينين
ويمثل المقينون عنصرا من عناصر النشاط الفنى الذى يجمع بين الموسيقى والغناء والجو المرح وقد نشأت هذه الجماعة فى المدينة اولا ، وفيها عرف ذلك النظام الخاص بها ، والذى جعلها جماعة ممتازة بين تجار الرقيق . ثم انتقل ذلك النظام الى الكوفة ، بعد ان تعرضت الحياة فى الحجاز لما تعرضت له من محن افسدتها ، ثم صار من الكوفة الى بغداد ، وشاع فيها ، واتخذ بها الالوان المختلفة التى تتفق مع ما صارت اليه الحياة فى هذه المدينة ، وما اجتمع بها من اسباب الترف واصبح اسلوبا مرموقا من اساليب الحياة اللاهية فيها
ويقوم هذا النظام على أساس ما يعرف في التجارة بحسن العرض ، او جودة الاعلان . والاصل فى ذلك اشراب التجارة روح الفن فى عرض السلعة ، واحاطتها
بما يحتذب اليها جمهور المبتاعين . والسلع التي يعرضها المقينون هي الرقيق ، او بعبارة أدق ، نوع خاص منه هو " القيان " . وبذلك اصبح المقينون اقرب الى الفن منهم الى تجارة الرقيق ، بل كاد هذا الاسلوب الذى اسبعوه على دورهم ينسى صنعتهم الاولى ، اذ تحولت هذه الدور الى نوع من الاندية الفنية او الابهاء الموسيقية ، يجتمع فيها الفتيان ومن اليهم ، يلتمسون فيها غذاء عواطفهم ونوازعهم الفنية ، كما يلبون فيها نداء شهواتهم وغرائزهم ، إد يستمعون الى غناء القيان ، ويستمتعون الى ذلك - بالسمر والشراب والمداعبة والمعابثة ، فى صور تختلف باختلاف ما تخضع له هذه الدور من اسباب الفساد ، ودواعى التحفظ او التحلل ، فى عهودها المختلفة ، منذ كان هذا النظام ساذجا بسيطا كما كان - بطبيعة الحال - فى المدينة والكوفة ، الى ان صار فى بغداد ، فتعقدت اساليبه وتعددت صوره " ، واسبغت عليه الوان الحضارة ، كما ترددت فيه اصداء ذلك الفساد الخلقي والاجتماعي . او ما شئت فسمه - الذى كان يتمثل فى تلك المدينة ، على النحو الذى صوره الجاحظ فيما عرض له من ذلك في رسالة القيان هذه التى نعقد هذا الفصل لها ، كما سنرى فى هذا الحديث بعد قليل
واذا كان قد بقى لنا شئ من صور هذه الدور فى المدينة ، فيما تأتى لنا من اخبار يحى بن نفيس وجاريته بصبص ، وفى الكوفة فيما بلغنا من اخبار ابن رامين وقيانه : سلامة الزرقاء وربيحة وسعدة ، وفيما بقى لنا فى هذا الباب من شعر اسماعيل بن عمار الاسدى ، ومحمد بن الاشعث الكوفى . ومن اليهما ، فان الصور التى تصور لنا هذه الدور فى بغداد اكثر واوضح بفضل ما اداه الينا الجاحظ من ذلك فى هذه الرسالة
وتكاد هذه الرسالة تكون الوثيقة الوحيدة التى بقيت لنا مما يصور هذا النمط من الحياة فى بغداد ، فما نكاد نعثر فى كتب الادب من ذلك الا على اشياء ضئيلة لا تغنى من هذا شيئا ، كالذى نراه فى ترجمة ابن البواب ، فى كتاب الاغاني ، من ذكر احد هؤلاء المقينين ، ويكنى ابا عمير ، " وكان له جوار قيان لهن ظرف وادب ، وكان عبدالله بن محمد البواب يألف جارية منهن يقال لها عبادة ، ويكثر غشيان منزل ابى عمير من اجلها " وكالذى يذكره صاحب الاغاني ايضا فى سياق ترجمته لعبد الله بن العباس الربيعي ، وذكر احدى عشيقاته ، مصابيح ! ووصفها بانها كانت جارية الأحدب المقين ، ثم صارت الى آل يحى بن معاذ ، ثم الى رقية
بنت الفضل بن الربيع ، او ما يورده ايضا في ترجمة سعيد بن حميد من ذكر ابى عقل المقين وجاريته كعب . ولعل اوفى ما نجده من هذا القبيل قصيدة على بن الجهم فى وصف الفضل المقين وداره بالكرخ
وظاهر ان ذلك كلة لا يكاد يفيدنا شيئا فيما عدا قصيدة ابن الجهم اكثر من تعريفنا باسماء بعض مقينى بغداد ، واسماء بعض جواريهم . اما وصف دور المقينين وتصوير ما يجرى فيها ، وعرض وجهات النظر المختلفة ازاءها فذلك ما قد تكفل ببيانه الجاحظ فى رسالة القيان هذه
وقد جعل الجاحظ الكلام فيها على لسان طائفة من المقينين سماهم فى صدرها ، وقد وصفهم مع التسمية ب " المتمتعين بالنعمة . والمؤثرين للذة . المستمتعين بالقيان وبالاخوان ، المعدين لوظائف الاطعمة ، وصنوف الاشربة ، والراغبين بانفسهم عن قبول شىء من الناس ، اصحاب الستر والستارات ، والسرور والمروءات "
وقد يبدو ان هذه الصفات التي ساقها على لسانهم صفات جماعة من السراة ، لولا ما يجئ في خلال الرسالة من النص على انهم من المقينين ، وقد جعلها لبيان حجتهم على خصومهم " اهل الجهالة والجفاء وغلظ الطبع وفساد الحس " وقد عابوهم بملك القيان ، وسبوهم بمنادمة الاخوان . ونقموا عليهم اظهار النعم والتحدث بها ، على حد قولهم او قوله عنهم ، حسدا منهم لنعمة الله عليهم
وتقع الرسالة في قسمين ؛ الاول في رفع اتهام الخصوم ؛ والثاني في بيان مزايا القيان وصناعة التقيين ، وانواع العلاقات بين القيان ورواد هذه الدور
ولا ريب ان المقينين كانوا يجدون من الناس الشانئ لهم ، المنكر لصناعتهم الباسط لسانه فيهم بما يشيعونه من الفساد ، وبما ينقصهم من شمائل الرجولة ، باطراح الغيرة . وآمر الغيرة التى اورد الاستاذ الوزير صورة من حديث الجاحظ عنها فى هذه الرسالة كان فيما يبدو من الامور التى يكثر فيها القول ويتعارض الراى ويثور الجدل . وقد عرض له الجاحظ فى كتاب البخلاء واحال فيه على كتابه المسائل " . كما عرض له هنا بنحو آخر غير ذلك النحو ، فقد عرض له هنالك من وجهة النظر المزدكية الصريحة وعرض له هنا من وجهة نظر اسلامية عربية ، فليس للغيرة في غير الحرام وجه كما يقول ، ولعله ينظر في ذلك الى بعض الآثار المروية عن الرسول ،
صلي الله عليه وسلم ثم يأخذ في عرض الاصل في الحل والحرمة ، ومناقشة مسألة الحجاب بين الرجل والمراة ، ذاهبا الى ان الحجاب امر خاص بنساء النبى ، صلى الله عليه وسلم اما من عداهن فلا حجاب عليهن ، بدليل الاخبار المترادفة التى اوردها . واذن فالجلوس مع المرأة والحديث اليها ليس فيه شىء من الحرمة التى يزعمها الحشوية
اما ان زعموا ان الحرمة ترجع الى الغناء والاستماع اليه ، فذلك باطل لا اصل له ، اذ ليس هنالك دليل يحرمه ، الى آخر ما يقبض الجاحظ فى ايراده من الآثار ، وما يأخذ فيه من تشقيق الحجج فى اباحة الغناء والسماع من القيان
واذن فليس فيما يذكره خصوم المقينين شئ من الحجة لمنع التقيين ثم هو لا يقف عند هذا الحد في رفع التهمة عن المقينين ، بل يقرر فوق هذا ان هنالك ما يقتضى قيام هذه الصناعة ووجود هذه الدور ، " فان الرقيق تجارة من تجارات ، تقع عليه المساومة والمشاراة بالثمن ، ويحتاج البائع والمبتاع الى ان ينتقيا العلق ويتأملاه تأملا بينا يجب فيه خيار الرؤية المشترط فى جميع البياعات " فلابد اذن من هذه الدور ليتاح للمبتاع ان يكون على بينة من امره فى صفات السلعة التى يبتاعها ، وهى صفات لا سبيل الى ضبطها بكيل او وزن او قياس ، حتى يمكن الاكتفاء بمثل هذه المعايير ، كما فى غيرها من السلع التى تخضع لها . فهذا هو الاصل في قيام هذه الدور . واذا كان اكثر من يغشى منازل القيان لا يقصد بيعا ولا مشاراة ، فان " الاحكام انما تقع على ظاهر الامور ، ولم يكلف الله العباد الحكم على الباطن ، والعمل على النبات "
هذا عرض موجز للنقط الرئيسية التى بنى عليها الجاحظ الكلام فى القسم الاول من هذه الرسالة ، وهو القسم الذى يغلب عليه طابع الجدل والاحتجاج والمناظرة
فاما القسم الثاني فيغلب عليه طابع الوصف والتصوير ، يجئ فى سياق الكلام عن مزايا القيان ، والاعتذار عنهن مما ينسب اليهن
ويمكن ان نحلل هذا القسم الى عناصر ثلاثة : المقين والقينة وما يسمى بالمربوط او الربيط فاما المقين فقد اوجبت عليه صناعته ان يكون - كما يصوره الجاحظ رجلا سهل الجانب ، لين العريكة ، واسع الصدر ، متسامحا ، " يتناوم قبل العشاء ، ويعرض عن الغمزة ، ويغفر القبلة ، ويتغافل عن الاشارة ، ويتعامى
عن المكاتبة . ويتناسى الجارية يوم الزيارة ، ولا يعاتبها على المبيت ، ولا يفض ختام سر ها ، ولا يسألها عن خبرها فى ليلتها ، ولا يعبا بان تقفل الباب ، وتشدد الحجاب "
وهو رجل ميسور الحال ، مقصور الجناب ، قد تعلقت به الرغبات ، واتجهت اليه الآمال ، وخففت حوله القلوب . " يزار ولا يكلف الزيارة ، ويوصل ولا يحمل على الصلة ؛ ويهدى له ولا تقتضى منه الهدية ؛ وتبيت العيون ساهرة ، والدموع ساجمة ، والقلوب راجفة ، والأكباد متضرعة ، والامانى واقفة على ما يحويه ملكه ، وتضمه يده " ؛ " لا يهتم بغلاء الدقيق ، ولا عوز السويق ، ولا عزة الزيت ، ولا فساد النبيذ ؛ قد كفى حسرته اذا نزر ، والمصيبة فيه اذا حمض ، والفجيعة به اذا انكسر ؛ ثم يستقرض اذا اعسر ولا يرد ، ويسأل الحوائج فلا يمنع "
ثم هو مع هذا الذي يبديه من سعة الصدر والتغافل وما يظهر به بطاؤه ازاءه من الكرم والاريحية وبسطة اليد ، حريص يقظ ؛ يعرف كيف يشد الطول المرخي عند الوقت المناسب ، ويفتح العين المغضية ، حين يسرى ان الربيط اوشك على غابته والظفر بمنيته : " لان صاحب القيان لو لم يترك اعطاء المربوط سؤله عفة ونزاهة ، لتركه حذقا واختيارا ، وشحا على صناعته ، ودفعا على حريم ضيعته لان العاشق متى ظفر بالمعشوق مرة واحدة ، نقص تسعة اعشار عشقه ، ونقص من بره ورفده بقدر ما نقص من عشقه "
وهكذا نرى ان المقين - فى الصورة التى يرسمها الجاحظ في براعة ودقة - رجل يختلف ظاهره وباطنه ، كما تقتضيه صناعته . فهو يتظاهر بالسراوة وينطوي على الضعة ، ويتصنع الغفلة ، وهو فى غاية اليقظة ، ويبدو واسع الصدر سهل الجانب ، وهو شديد الحرص دائم التربص ، ويظهر لرواده الحفاوة والتجلة ، ويضمر دون ذلك الخديعة لهم والسخرية بهم ؛ فهو كما يقول - " ياخذ الجوهر ويعطى العرض ، ويفوز بالعين ويعطى الاثر ، ويبيع الريح الهابة بالذهب الجامد وفلذ اللجين والعسجد "
وأما القينة فهي اداة المقين ووسيلته الى احتيال الناس واختداعهم عن اموالهم وعقولهم ، واسبابها فى ذلك الغناء والمجانة والقدرة على التمويه ، وقد تم لها ذلك كله على احسن وجه . فهى من طبقة قد اعدت لهذا الغرض اعدادا خاصا ، اجتمعت
فيه هذه الثقافات ، وتهيات لها به اسباب النجاح في هذه الغاية . اذ " هى تنشأ من لدن مولدها الى اوان وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث ، وصنوف اللعب والأخانيث ، وبين الخلصاء والمجان ، ومن لا يسمع منه كلمة جد ، ولايرجع منه الى ثقة ولا دين ولاصيانة ولا مروءة . وترى الحادقة منهن اربعة آلاف صوت فصاعدا ، يكون الصوت فيما بين البيتين الى اربعة اببات ، لقدر ما تدخل فى ذلك من الشعر اذا ضرب بعضه ببعض عشرة الاف بيت ، ليس فيها ذكر الله عن غفلة ولا ترهيب عقاب ، ولا ترغيب فى ثواب : وانما بنيت كلها على ذكر الزنا والقيادة والعشق والصبوة ، والشوق والغلمة ، ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها ، منكبة عليها ؛ تأخذها من المطارحين الذين طرحهم كله تجمين ، وانشادهم مراودة . وهي مضطرة الى ذلك في صناعتها ، لانها ان جفتها تقللت ، وان اهملتها نقصت ، وان لم تستفد منها وقفت "
وبذلك استطاعت القينة ان تكون اداة ناجحة غاية النجاح فى تحقيق غرض المقين ، فهي بغنائها وجمالها ومجانتها تجمع من اللذات ما لا يجتمع فى شئ على وجه الارض ، كما يقول الجاحظ . ووجه هذا عنده انها تحدث اللذة عن طريق ثلاث حواس : النظر والسمع واللمس ، ثم يصير القلب لها رابعا ، كما ان هذه التربية الدائبة المتصلة قد اكسبتها القدرة على التمويه :
" فادا شاهدها المشاهد رمته باللحظ ، وداعبته بالتبسم ، وغازته فى اشعار الغناء ، ولهجت باقتراحاته ، ونشطت للشرب . واظهرت الشوق الى طول مكثه والصبابة لسرعة عودته ، والحزن لفراقه فادا احست بان سحرها قد تغلب فيه ، وانه قد تغلغل في الشرك ، تزيدت فيما كانت قد شرعت فيه ، واوهمته ان الذى بها اكثر مما به منها ، ثم كاتبته تشكو له هواها ، وتقسم له انها مدت الدواة بدمعها ، وبلت السحاء بريقها ، وانه شجنها وشجوها فى فكرتها وضميرها ، فى ليلها ونهارها ، وانها لا تريد سواه ، ولا تؤثر احدا على هواه ، ولا تنوى انحرافا عنه ، ولا تريده لما له بل لنفسه . ثم جعلت الكتاب فى سدس طومار ، وختمته بزعفران ، وشدته بقطعة زير " الى اخر هذه الحبائل التى تنصبها له واحدة بعد اخرى في حذق ومهارة ، ويصورها لنا الجاحظ فى براعة بارعة
" وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة او اربعة على انهم يتحامون
الاجتماع ويتغايرون عند الالتفاء ، فتبكى لواحد بعين ، وتضحك للاخر بالاخري وتغمز هذا بذاك ، وتعطى واحدا سرها ، والاخر علانيتها ، وتوهمه انها له دون الاخر ، وان الذى تظهر خلاف ضميرها ؛ وتكتب لهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة ، تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين . وحرصها على الخلوة به دونهم "
وتماما على هذين العنصرين يجيء العنصر الثالث وهو " المربوط " او " الربيط " لتتم الصورة التى تبدى من احد جانبيها الخديعة والمهارة . ومن الجانب الآخر الغفلة والغرارة ، والرببط هو الذي يمثل هذا الجانب من الصورة
وقد راينا فيما سبق كيف كانت العلاقة بينه وبين القينة كما راينا كيف كان في اعتبار المقين خدعة غفلا ، وعقدة له يبالغ فى استغلالها . وقد عرضه الجاحظ لبعض وجوه هذا الاستغلال من المقين ، اذ يعد لكل مربوط عدة على حدة ، ويعرف ما يصلح له كل واحد منهم . كما يميز التاجر اصناف تجارته ، فيسعرها على مقاديرها ؛ وكما يعرف صاحب الضياع اراضيه بمزارع الخضرة والحنطة والشعير ، فمن كان ذا جاه من الربطاء اعتمد على جاهه وسأله الحوائج ، ومن كان ذا مال ولا جاه له استقرض منه بلا عينة ، ومن كان من السلطان بسبب كفيت به عادية الشرط والاعوان "
وبعد ، فهذه هى رسالة القيان ، ولعلنا استطعنا في هذا الفصل ان نؤدى صورة واضحة لها ، كما نرجو ان نكون فيما اوردنا من هذه الصورة استطعنا ان نلفت النظر الى بعض خصائص الجاحظ وصفاته الفنية
على انا نرجو ان تباح لنا فى وقت قريب ان نتناول هذا الموضوع في فصل خاص به ، نتوفر فيه على تعرف هذه الخصائص وتبين مداها
