عناية رشيد الدين بكتبه :
توسل رشيد الدين بوسائل عدة لتخليد كتبه ، كان يامر أن تنسخ من كل كتاب نسخ كثيرة ويعيرها للعلماء مرخصا لهم فى نسخها .
وأمر بأن يترجم كل كتاب له عربى إلى الفارسية ، وكل كتاب له فارسى إلى العربية ، وأن ينسخ من هذه وهذه نسخ كثيرة لتحفظ فى خزانة الجامع فى المجلة المنسوبة إليه : الربع الرشيدى .
وأمر أن تجمع رسائله مع ما يتصل بها من صور وخرائط فى مجموع واحد سمى جامع التصانيف الرشيدى وتوضع فى خزانة هذا الجامع .
وأمر أن نكتب أربعة من كتبه فى الطب وتدبير المغول للحكومات باللغات الثلاث العربية والفارسية والصينية .
وأباح نسخ كتبه كلها لمن يشاء ، وخصص مالا من وقف الجامع لنساخين يكتبون فى كل سنة نسختين من كل كتبه إحداهما بالعربية والأخري بالفارسية ترسلان إلى إحدى المدن الإسلامية الكبرى .
وأمر أن تنسخ هذه الكتب على أحسن الورق البغدادى بأحسن الخطوط وأوضحها ، وأن تقابل بالأصول مقابلة دقيقة .
وأمر أن يختار النساخون من مهرة الكتاب الذين يجيدون الكتابة ويسرعون فيها ، وأن يعملوا فى المساجد . وكلما كملت نسخة وضعت على كرسى بين المنبر والمحراب ، وتلى عليها دعاه المؤلف كتبه لنفسه . ويكتب هذا الدعاء
آخر كل نسخة ويتلوه تحميد أنشأه رشيد الدين وخاتمة لقيم الوقف يبين فيها تاريخ النسخة ، والمدينة التى كتبت لها ، ويذكر اسمه ونسبه ليدعو له المسلمون .
ثم يحمل النسخة إلى قضاة تبريز ليشهدوا أن وصايا الواقف قد أنفذت فى كتابتها ، وترسل إلى المدينة التى كتبت لها ، فتوضع فى خزانة عامة وييسر للناس الاطلاع عليها واستعارتها برهن يقدره قيم الخزانة .
وأمر أن تكتب نسخة من المجموعة الرشيدية وبيان الحقائق وكتاب الأحياء والآثار وتعطى لأحد المدرسين فى الجامع يقرأ منها كل يوم ويفسرها للطلاب . وعلى كل مدرس أن ينسخ من أحد هذه الكتب نسخة عربية ,وأخرى فارسية فى مدة محدودة ، فإن لم يفعل عزل . والنسخة التى يكتبها تكون له يتصرف بها كما يشاء . وتيسر مطالعة هذه الكتب لمن يشاء ولكن لا تنقل من خزانتها .
وعلى قوام الوقف أن ينفذوا شروط الواقف فى غير تبديل ولا تحريف ولا ونى ، ومن لم يفعل فعليه لعنة الله .
جامع التواريخ :
هو بالعربية والفارسية .
أشار السلطان غازان أحد الملوك من بني هولا كو علي وزيره رشيد الدين فضل الله بأن يكتب تاريخ المغول ، وقبائلهم وأنسابهم باللغة الفارسية . وجمع إليه كل خبير بتاريخ المغول ، ويسر له الاستفادة من سجلات الدولة . فلم تمنعه شواغله الكثيرة أن يجمع هذا التاريخ الجامع . ويقول دولتشاه إن المؤلف لم يجد وقتا للكتابة إلا ما به صلاة الفجر وشروق الشمس من كل يوم . وق غازان قبل أن يتم الكتاب فأمر خليفته أولح وتصديره باسم غازان الذى أشار بتأليفه .
فى كشف الظنون " لما شرع فى التبييض مات غازان فى شوال سنة ٧٠٤ ، وجلس مكانه ولده خدابند.
محمد فأمره بأتمامه وادخال اسمه فى العنوان . وأمر أيضا بالحاق أحوال الأقاليم وأهلها وطبقات الأصناف وبأن يجعل جامعا لتفاصيل ما فى كتب التاريخ .
" وأمر من تحت حكمه من أصحاب تواريخ الأديان والفرق بالأمداد اليه من كتبهم . وأمر أيضا بأن يجعله مذيلا بكتاب صور الأقاليم ومسالك الممالك . فأجاب وكتب أحوال الدولة الحنكيز خانية وأمة الترك مفصلا فى مجلد ، وذ كر خلاصة الوفيات فى مجلد آخر ، وذكر صور الأقاليم فى مجلد آخر على ان يكون ذيلا له . ونقل أخبار كل فرقة على ماوجد فى كتبهم بغير تغيير " الخ . . .
وأمر أولجايتو كذلك بكتابة جزء آخر ، فى تاريخ البشر وبخاصة الأمم الإسلامية وجزء ثالث فى تقويم البلدان . والذي فى أيدينا اليوم الجزء الاول الذى يتضمن تاريخ المغول ، ويسمى أحيانا التاريخ الغازانى ، والثانى المتضمن للتاريخ العام .
وتم الكتاب كله سنة ٩١٠ ه .
والجزء الأول فيه بابان : الأول فى قبائل المغول والترك وفيها وانسابها وأساطيرها . والثانى تاريخ جنكيز خان وآبائه وخلفائه إلى غازان خان .
والجزء الثاني مقدمة : تاريخ آدم والآنبياء ، وبابان : الأول فى ملوك الفرس قبل الإسلام ، والثاني فى سيرة الرسول صلوات الله عليه والخلفاء إلى زوال الخلافة العباسية بأيدى المغول ، وملوك الفرس بعد الإسلام : الفزنوبين والسلاجقة وملوك خوارزم وأنابكة فارس وتاريخ الاسماعيلية .
فى الترك ، وأهل الصين ، واليهود والفريج وملو كهم الهند وبوذا ودينه .
تاب له قيمته وخطره فى التاريخ بما جمع أمم كثيرة فى عصور متطاولة ، وبما استقصى المواقف فى جمع الأخبار من مصادرها المكتوبة وغير
المكتوية ، وهو نسيج وحده فى طريقته وسلوبه :
وقد يسر المؤلف من المصادر وأتيح له من الرواة ما لم يجتمع مثله لمؤرخ .
يزاد على هذا التقاء تواريخ الأمم ، وحوادث العصور فيه . فهذا مؤلف مسلم يكتب لسلاطين تجاذبهم الأديان حينا ثم سكتوا إلى الإسلام ، وهو يكتب فى حدود عصور مختلفة ، ما قبل غارات التتار وما بعدها . وحسبنا أنه يؤرخ لبنى جنكيز وهم فى مركز الحضارة الإسلامية ، ولكنهم متصلون بأمنهم وبسننهم إلى قلب الصين .
( للكلام صلة)
عبد الوهاب عزام

