الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 331 الرجوع إلى "الثقافة"

رشيد الدين، وكتابه جامع التواريخ

Share

- ١ - فجىء التتار البلاد الإسلامية بغاراتهم المدمرة فى العقد الثاني من القرن السابع الهجرى فاجتاحوا بلاد ما وراء النهر ، لم يثبت لهم جيش ولا حصن ولا مدينة .  انساحوا فى إيران .

وما زال الغزو ينتشر شرقا وغربا وجنوبا حتى وجه منكوفا آن ملك التتار وحفيد جنكيزخان أخاه هولاكو للقضاء على الإسماعيلية فى حصونهم ، وعلى الخليفة العباسى فى بغداد ، فظفر بالبلاد التى قصد اليها واستولى على بغداد سنة ٦٥٦ ه .

ثم توجه صوب الغرب يريد الشام ومصر حتى صدمته جيوش مصر والشام فى موقمة عين جالوت سنة ٦٥٨ ه . فعرف المسلمون أن ىي استطاعة البشر أن يهزموا التتار إذا

اعتصموا بالإيمان والشجاعة والصبر . فارتد سبل التتار عن الشام ومصر .

وقام لهولاكو ملك فيما فتحه من إيران والعراق وما يتصل بهما . وتوارث الملك أولاده حتى سنة ٧٤٤ ه . وعرفت هذه الدولة باسم الدولة الابلخانية . وكان ملوكها يعترفون أول أمرهم بسلطان الخاقان الأعظم وارث عرش جنكيز خان .

-٢- وقد استجاب التتار سريعا للاسلام وحضارته . واستعانوا بالمسلمين فى تدبير دوائهم ، ثم أسلموا واندرجوا فى الجماعة الإسلامية .

وقد نبه فى عهدهم وزراء ، رعوا السياسة والعلم ، وتركوا فى التاريخ آثارا محمودة منهم أسرة الجوينى : شمس الدين محمد صاحب الديوان ، وأخوه علاء الدين عطا ملك ، وابنه بهاء الدين . تولى شمس الدين الوزارة لهولاكو ولابنه أبافا . وولى علاء الدين أمر بغداد أربعا وعشرين سنة منذ عام ٦٥٧ ه وكان بهاء الدين واليا على العراق العجمى وفارس .

وكان لهذه الأسرة فضل فى تدبير الملك ورعاية العلم والأدب ، وكان فيها الأدباء والعلماء . وقد ألف عطا ملك كتابا ضخما فى تاريخ التتار سماه جهانكشا أى فاتح العالم يعنى جنكيز خان . أكمله سنة ٦٥٨ بعد فتح بندار بسنتين ، وانتهى فيه إلى حوادث سنة ٦٥٥ ه .

ومن كبار الوزراء والعلماء والمصلحين فى دولة الايلخانيين رشيد الدين فضل الله بن عماد الدولة أبى الخير ابن موفق الدولة على كان جده موفق الدولة هو ونصير الدين الطوسى فى أسر الإسماعيلية فى قاعة الموت حينما استولى عليها هولاكو كو سنة ٦٤٦ ، السنة التى ولدها فيها رشيد الدين . فدخل موفق الدولة فى خدمة هولاكو .

وصار رشيد الدين طبيبا لأباة بن هولاكو ، ونبه

شأنه ، وعلت مكانته . فلما ولى محمود غازان ٦٩٤ زادت مكانة رشيد الدين وعرف فضله وتمكنه فى علوم أخرى إلى الطب الذى عرفت خبرته فيه من قبل . فلما عزل الوزير صدر الدين الزنجانى المعروف بصدر جهان وقتل ولى رشيد الدين الوزارة وأشرك معه سعد الدين . سنة ٦٩٧ ه . وذلك بعد ثلاث سنين من ولاية غازان . وصحب غازان فى عزواته فى الشام . وكان كاتبه باللغة العربية ، واستمر رشيد الدين وزيرا بعد موت غاران ، فوزر لألجابتو(خدا بنده ) واغدق عليه خدا بنده الهبات وقربه إليه ، وركن اليه فى تدبير الملك ، فبلغ رشيد الدين أوج سلطانه ، وتصرف كما يشاء خلقه وعلمه وحكمته .

بني رشيد الدين بجوار السلطانية دار الملك الجديدة ضاحية سماها الرشيدية ، وبنى فيها مسجدا كبيرا ومدرسة ومارساتا ومستشفى ، ودورا أخرى للخيرات وزهاء ألف منزل .

وبعد قليل بنى ضاحية أخرى قرب الغازانية شرقى تبريز وأنفق أموالا كثيرة  حتى ساق اليها الماء من نهر مراو ) مراورود )فى قنوات منحوتة فى الصخر ، ومكنه من هذه الأعمال ما أفاض عليه السلطان من الأعطية .

وفى عهد أبى سعيد بن أولجابتو ( ٧١٦-٧٣٦ ( اشرك معه فى الوزارة على شاه وبلغت الدسائس المادية من رشيد الدين فمزل . ورغب فى أن يعيش فى دعة بعيدا عن الدسائس . و كان من الأمراء من يود رجوعه إلى الوزارة ، فاهتم منافسه على شاه فاتهمه أنه هو وابنه الصبى ابراهيم وضما السم لأولجابتو فى دواء صنع له . وصدق أبو سعيد التهمة ، وكان صبيا فى الخامسة عشرة من عمره ، فقتل الرجل العالم الخير الحكيم الحازم بعد أن لبث يدبر ملك المغول عشرين عاما ، قتل سنة ٧١٨ وقد نيف على السبعين . وقتل معه ابنه ابراهيم وهو صبى في السادسة عشرة من عمره . وتلك كانت غاية وزراء المغول الايلخانيين لم ينج منها إلا قليل .

وأعقب قتله مصادرة أمواله وتعذيب أقاربه ونفيهم وإبطال أوقافه . وأبيحت المحلة التى بناها وسميت الربع الرشيدى دفن رشيد الدين فى القبر الذى أعده لنفسه ، ولكن هذا الرجل الكبير لم يترك له حتى قبره ، فقد أمر ميراقشاه  ابن تيمور لنك بعد مائة عام أن ينبش القبر وتنقل عظام المقبور إلى مقبرة اليهود . وكان حساد الرجل يزعمون أنه يهودى الأصل ، ومنهم من زعم أنه لم يزل على اليهودية .

كتبه

كان رشيد الدين - على كثرة شواعله - معنيا تأليف الكتب فى موضوعات شتى ، فألف :

١ - جامع التواريخ . وسنعود إلى الكلام فيه . ٢ - كتاب الأحياء والآثار . وهو ٢٤ فصلا نتناول موضوعات مختلفة فى الطبيعة والزراعة والغرس وتربية الحيوان وقتل الحشرات الضارة ، وفى العمارة والتحصين وبناء السفن واستخراج المعادن الخ ، وهذا الكتاب مفقود . ٣ - التوضيحات وهو فى العقائد والتصوف . كتب يأمر أولجابتو ومنه نسخة فى مكتبة باريس . ٤- مفتاح التفاسير . فى بلاغة القرآن وفى المفسرين وطرائفهم وموضوعات دينية أخرى . ٥-  الرسالة السلطانية فى العقائد ، ألفها علي أثر مجادلة وقعت فى مجلس أولجابتو . ٦ - لطائف الحقائق فى العقائد أيضا . وهى ثلاثون رسالة صدرها بمقدمة حدث فيها برؤيا رأى فيها الرسول صلوات الله عليه ليلة السادس والعشرين من رمضان سنة ٧٠٥ ه . وهذه الأربعة الأخيرة مكتوبة بالعربية ، وقد جمعت وسميت المجموعة الرشيدية ونسخها موجودة وكتب أخرى .

) للكلام سنة )

اشترك في نشرتنا البريدية