-١- نشأ الأدب الفارسي الاسلامي في القرن الثالث الهجري، فشرع الفرس ينظمون ويكتبون بالفارسية، ويترجمون من العربية إليها. وكانت العربية وحدها لغة العلم والأدب في القرنين الأول والثاني من الهجرة.
وقد نشأ الأدب الفارسي في رعاية الأدب العربي وسلطانه، فحاكاه في اكثر الموضوعات والأساليب؛ فموضوعات الشعر والنثر واساليبهما من الوزن والقافية والسجع وانواع البديع متفقة في الأدبين، وامتاز الأدب الفارسي بخصائصه في القصص والتصوف وضروب اخري .
ولم تهجر اللغة العربية بترعرع الأدب الفارسي، بل سادت اللغتان معا، يكتب فيهما، ويترجم من إحداهما إلي الأخري؛ مثلا ترجم تاريخ الطبري وتفسيره، وكليلة ودمنة إلي الفارسية، وترجم كثير من الحكم والأمثال إلي العربية تجد في " ديوان المعاني " لابى هلال المسكري امثالا معربة و ( جملا من بلاغات العجم ) كما يقول، وتجد في ( يتيمة الدهر ) أمثالا معربة كذلك، بل عدت الترجمة بين اللغتين من ضروب البلاغة وذكرت في كتبها .
وكان كثير من المؤلفين والكتاب يكتبون باللغتين، وفي هذا ما فيه من تقريب الموضوعات والعبارات .
ومن أجل هذا كثر في الأدب الفارسي الشعر الملمع وهو الذي يجتمع فيه اشطار او ابيات عربية وفارسية .
وامتلأت الفارسية بالآلفاظ والجمل العربية على اختلاف الموضوعات في هذا؛ فالشعر اقل من النثر نصيبا، وكتب الادب عامة أقل من كتب العلم استعمالا للالفاظ العربية على كثرة ما فيها .
وأخذت أوزان الشعر، ثم تصرف فيها الشعراء بترك بعض الأوزان الشائعة في الأدب العربي، كالطويل والبسيط والمديد، وبالاكثار من النظم في أوزان نادرة في الأدب العربي كالمضارع والمجتث، وبالزيادة في مقادير التفعيلات العربية، وباشتقاق زحافات وعلل وأضرب واوزان لا يعرفها العروض العربي .
- ٢ - استمرت العربية لغة أدب في إيران حتى عصرنا هذا على اختلاف شأنها باختلاف العصور .
لا ريب أن المؤلفات العربية التي ألفت في بلاد الفرس، منذ نشأ الأدب الفارسي إلي غارات التتار، اكثر واعظم من المؤلفات الفارسية، بل يكاد التفاوت بينهما يأبي القياس. وينبغي التفريق بين الأدب وخاصة الشعر وبين الموضوعات الآخرى .
كان العلماء المؤلفون يعرفون اللغتين، ولكنهم أثروا العربية بالتأليف إذ كانت لسان العلم في العالم الإسلامي كله وحسبنا ان نذكر ابن مسكويه وابن سينا والبيروني والعتبي والغزالي والرازي والزوزني والتبريزي والنسفي والبيضاوي والطوسي؛ فهؤلاء العلماء الذين عاشوا في إيران وإن لم يكونوا جميعا إيرانيين أصلا، كتبوا بالعربية إلا قليلا
وأحسن مقياس في هذا أن ننظر إلي جماعة ممن الفوا باللغتين ونقيس مؤلفاتهم العربية بمؤلفاتهم الفارسية والأمر لا يحتاج إلي بحث طويل، فحسبنا ان نذكر الغزالي، فنحن نعرف مؤلفاته العربية، ولم يتجاوز ما كتبه بالفارسية رسالتين: كيمياء السعادة ونصيحة الملوك. وقد قال في مقدمة الأولى إنه ألفها بالفارسية ليفهم العامة وفخر
الدين الرازي له زعاء ثلاثين مؤلفا ليس فيها فارسي إلا كتاب " اختيارات علائي " ورسائل صغيرة قليلة. وكذلك نصير الدين الطوسي والقاضي البيضاوي صاحب التفسير .
وأما الشعر فما خلا عصر ممن نظموه بالعربية في إيران، وبعضهم يعد من كبراء الشعراء في العربية، وبعض هؤلاء، عرب مثل الابيوردي الاموي والأرجائي الانصاري ورشيد الدين الوطواط العمري، ولكنه غلب الشعر الفارسي علي مر الزمن ميز شعراء الفارسية في إيران شعراء العربية، على كثرة من نظموا بالعربية فيها. وكثير من شعراء الفارسية نظموا بالعربية قليلا أو كثيرا. وحسبنا ان نعرف ان الثعالبي وهو من رجال القرن الرابع ذكر في الجزأين الثالث والرابع من " اليتيمة " واحدا وخمسين ومائة من معاصريه الذين نظموا الشعر العربي في ارجاء بلاد الفرس. وهؤلاء أكثر عددا من شعراء الفرس الذين ذكرهم عوفي في كتابه " لباب الألباب " وهو من رجال القرن السابع .
ومن الشعراء الذين نظموا باللغتين بديع الزمان الهمذاني وأبو الفتح البسني والبديع البلخي الذي مدح أحد الأمراء بشعر ملمع، وعطاء بين يعقوب الكاتب وكان له ديوانان عربي وفارسي، والباخرزي والشيخ سعدى. ومن الشعراء الكتاب رشيد الدين الوطواط، وهو موضوع بحثنا .
اخترت هذا الكاتب الشاعر لأنه خير مثال لاختلاط العرب والفرس وامتزاج آداب الآمتين .
فهو عربي قرشي من ذرية عمر بن الخطاب، وهو فارسي وطنا؛ ولد ببلخ وعاش في خوارزم. وهو كاتب مجيد بالعربية والفارسية، وهو شاعر مجيد في اللغتين ايضا .
- ٣ - رشيد الدين سعد الملك محمد بن محمد بن عبد الجليل العمري، ينتسب إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه . بينهما أحد عشر أبا.
ولد في بلخ حوالي سنة ٤٨٠ ه، وكانت إذ ذاك من أعظم مدن خراسان، كثيرة الجوامع والمدارس ودور الكتب .
وكان من مدارسها النظامية، وبها طلب رشيد الدين العلم. وكان من أساتذته فيها أبو سعد الهروي، ويذكره رشيد الدين في رسائله ويبالغ في تعظيمه. يقول:
" سقي ( الله ) مواقفنا ببلخ في المدرسة النظامية واجتماعنا في المجالس الأجلية الأمامية
مجالس مولانا أبي سعد الذي
به سعد الأيام والدين والدنيا
همام حوي يوم الفخار بنانه
على رغم أناف العدي قصب العليا
إلي أن يقول : " وكيف لا أبالغ في ثنائه ولا أواظب علي دعائه، وهو الذي رفع قدري، وشرح للاداب صدري، وسقاني كؤوس العلم واحشائي سادية، وكساني حلل الفضل وعوراتي بادية. اغترفت ما اغترفت من بحاره، واقتطفت ما اقتطفت من ثماره " .
ثم ذهب إلي خوارزم فلحق بخدمة أبي المظفر علاء الدولة أنسز ملك خوارزم ( ٥٢٢-٥٥١ ) وامضي عمره في خدمة ملوك خوارزم المعروفين باسم خوارزمشاه، إلي أن توفي سنة ٥٧٣
تولي دار الانشاء لآنسز ٣٠ سنة، وكان الملك يحبه لادبه وظرفه ويصحبه في سفره وحضره ويمازحه. ويقال إنه بني له قصرا بجانب قصره، فكان يطل من النافذة فيحادثه أحيانا. ويروي ان خوارزمشاه اطل يوما فراي رشيد الدين فقال: اري رأس ذئب بارزا من النافذة. فقال رشيد الدين: ليس رأس ذئب ولكنها مرآة ابرزتها. فضحك الملك وتعجب من جوابه
وكان رشيد الدين صغير الجثة، ولهذا لقبه معاصروه بالوطواط، وكان حاد اللسان قوي الحجة
كان يوما في مجلس اتسز وقد اجتمع العلماء للمناظرة، فأعجب السلطان بقوة حجته وحدة لسانه، وكان بينه وبين رشيد دواة، فقال: ارفعوا هذه الدواه لنعلم من يتكلم وراءها. فنهض الوطواط قائلا: المرء باصغريه قلبه ولسانه. فسر خوارزمشاه واكرمه وبالغ في تعظيمه
وقد لزم رشيد الدين مولاه ينصره بلسانه وقلمه في حربة وسلمه ، وشدته ورخائه فلما وقعت العداوة والحرب بين أتسز والسلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي وخرج اتسز على سلطان السلاجقة هنأه الوطواط بقصيدة فارسية مطلعها:
جون ملك اتسز بنخت ملك برآمد
دولت سلجوق وآل وي يسر امد
( لما جلس الملك آتسز على تخت الملك ولت دولة سلجوق وآله )
وأتبعها بقصائد أخري. ثم كان الصلح بين آتسز وسنجر، وأرسل هذا شاعره اديب صابر إلي خوارزم، ثم كانت فتنة بين الملكين، فألقى اتسز الأديب الصابر في نهر جيحون فغرق .
وسار سنجر لحرب خوارزمشاه فحاصر مدينة عزارسف فكتب الأنوري الشاعر، وكان في صحبة الملك سنجر، بيتين علي سهم ورماه في المدينة. وكان البيتان في مدح سنجر وتبشيره بالظفر. فأجاب رشيد الدين، وكان في المدينة المحاصرة، ببيتين ينقض بهما قول الأنوري، ورماهما إلى معسكر العدو، فزاد غيظ سنجر. فلما فتح المدينة اقسم لئن ظفر بالوطواط ليقطعنه سبع قطع، وهرب الوطناط والح وراءه الطلب، فكتب إلي منتجب الدين بديع الكاتب، احد كتاب السلطان سنجر، يستشفع به لدي السلطان. فارتقب منتجب الدين الفرصة حتى أنس من سنجر انبساطا في بعض مجالسه، فقال: لي عند السلطان حاجة. فوعد السلطان بقضائها فقال: إن الوطواط طوتر ضعيف لا يحتمل ان يقسم سبعة أقسام،
فلو أمر السلطان أن يقطع قطعتين فقط.
فضحك السلطان وعفا عن الوطواط. ووقعت بين اتسز وكاتبه الوفي رشيد الدين جفوة فاقصاه عن ديوان الانشاء زمنا ثم رضي عنه وكان لهذه الجفوة وهذا الرضا آثار محمودة في شعر رشيد الدين يظهر في كثير من قصائده .
واستمر هذا الكاتب الشاعر في خدمة ملوك خوارزم بعد موت اتسز، فتولي الإنشاء لإبل ارسلان بن آتسز ( ٥٥١-٥٦٨ ) إلي أن أقعدته الشيخوخة فأعفى من العمل. ولما تولي تكش بن ابل أرسلان كان رشيد الدين قد جاوز الثمانين فجئ به في محفة فأنشد هذه الرباعية:
جدت ورق زمانه اذ ظلم بشست
عدل بدرت شكستها كرد درست
أي برتو فباي سلطنت أمده جست
هان ناجه كني كه نوبت دولت تست
وترجمتها: إن جدك محا الظلم من صحائف الزمان، وجبر عدل ابيك الكسر. فيا من تزين بقباء السلطان ماذا تفعل اليوم وقد جاءت نوبتك ؟ .
وتجد في رسائله العربية بيان إعفائه من العمل لكبر سنه؛ والظاهر أن هذا كان في عهد ابل أرسلان. يقول جوابا لمن مدحه باختياره العزلة وعكوفه على العبادة:
" تلك خصلة كنت من أول الأمر إلي هذه الغاية التي أدركتها من العمر راقبا فيها هاربا عما ينافيها، إلا أن الملوك الذين كنت مترشحا لخدمتهم، متوشحا بنعمتهم، سقى الله ثراهم وجعل الجنة مثواهم، كانوا يحرضونني عليها ويجرونني بازمة القسر واعنة القهر إليها. والآن هذا الملك اعلي الله شانه، وأظهر برهانه، رق لكبر سني وذبول غصني، وبياض هامتى، وانحناء قامتي، وضعف بنيتي، وسقوط منتى، فأعفاني عن كل فعلة كانت عند الله مسخوطة، ولم تكن برضاه منوطة " له بقية

