في مرة ، في أعلى الزمان ، كان ثمة رجل بخيل يخزن أمواله ويسرق ما في أيدي الناس ، ولكن الرجل في داخله وفي أمعائه لم يكن رجلا شريرا ، كان يري الأشياء بعين ، ونحن جميعا نراها بعين أخرى .
ولكن الرجل كان مطمثا لنفسه ولخطواته وإن لم يكن راضيا كل الرضا عن عينيه ؛ فلقد كانت عيناه تدفعان يديه دفعات غير إرادية فيتصرف تصرفات مستقلة عن نفسه ، لا يندم عليها ، ولكن يتعجب منها .
وكان للرجل فتاة جميلة ورثها عن زوجته ، ولقد ماتت زوجته منذ وقت طويل ، ولكنه كان يحس أنه اختزنها في تلك الفتاة الجميلة ، ولذلك كان يضعها الرجل دائما تحت شباكه ، وكان يحتم عليها ألا تغادر هذا الشباك أبدا .
ولقد كان يلد للرجل أن يري عيون التهم تتطلع إلي ابنته من خلف شباكه ، ويحس أنه استطاع أن ينتزع من الناس عيونهم على الرغم منهم ، إنهم لا يحبون أن يروه ، ولكنهم هؤلاء يتطلعون إليه على الرغم منهم . نعم ، على الرغم منهم .
هذه الفرحة قاسية ناضجة ككل ما في الطبيعة من نبات ، لقد كان يحس ذلك ، ذلك تماما ، فرحه من تطلع الناس ، كلما أمسك تفاحة أو بلحة أو موزة ، بأنه يقبض على الطبيعة بين يديه ؛ فماذا عليه لو أعطاها أي معنى ، أي معنى هو ملكه ، وهذا الشئ الذي في يده ليس عليه إلا أن ينظر إليه ، إلا يأكله ، أن يري الناس تتطلع إليه .
ولقد كان يفكر كثيرا ، هل هذا هو البخل ، لقد سمع عن شيلوك الذي أراد أن يقتطع عن غريمه رطلا من اللحم ، كم كان يضحكه هذا ، إن البخيل ليس له غريم ، ولا يمكن أن يكون له غريم ، لو كان له غريم لأحس أن عيون الناس إلي ابنته قد ملكت منه شيئا ، ولكنها ،
انظر ، إنها ما زالت تحت الشباك لم يمتلك منها شئ .
إنه يبعد الغريم بالضحك ، فليس بخله إلا أن يشاهد طمع الناس ونهمهم وعدم قدرتهم على أن يحكموا مالهم من رغبات . أما أنا فرغبتي أن أري ، أن أملك ما أري ، لا أتحرك فأستعمله ، ولا أفكر فأحلم به ، ولا أنوي فأراه يغادرني ، إن بخلى أن أظل كما أنا في مكاني ولحظتى ، أري كل هذه الأموال وهذه الزوجة والحسن والأنوثة في ابنتى تحت الشباك ...
رطل من اللحم .
ها ها ها ، لم اقتطع من الناس شيئا ، إنهم يسلمون كل شئ . إنهم يأتون حتى شباكي ويتركون تحته ما لهم من أحلام ورغبات ، وأعمق ما في نفوسهم ، أعمق من الدم واللحم ، أعمق مما يملكون جميعا ، وأعمق مما يعرفون . ولكنني أعرف .
ولكنني أرى .
غير أن الفتاة ، مر عليها شاب جميل فأحبته ، واضطر البخيل أن يلقي الحب وجها لوجه ، ثم يكن البخيل يعرف له وجها ؟ فلم يكن قد أحب من قبل ، ولم يكن يعرف إلا أن يرى ، أما أن تقوم بينه وبين شئ ما علاقة ، أن يعطي ، أن يهب ، أن يحرك شيئا آخر ، هذا ما يضحك منه .
قال لابنته :
- يا ابنتى عندك السلم في المنزل ، اصعدي عليه واهبطي ، وإبذلى دقات قلبك علي الدرج ، إصرخي ، فأنت ستتعبين ، شدي شعرك فلن تجرئي على تقطيعه ، نعم ، افعلي ما أردت ، ولكن لا تغادري محلك ، نفسك ، انظري ، هذا الذي أشير إليه ، أنت ، لا تغادريه . أنا لا أنصحك من أجل نفسى ،
فأنا مطمئن ، أنا عارف لن تستطيعي أن تتحركي ، ولكني أريد أن أهون عليك الأمر ، أنا شفيق بك .
وعندها أحست ابنته أنها تريد أن تتكلم ، فحاولت الكلام وراحت تتلعثم :
- يا أبي أسوار الشباك . ولكنى رأيته . وأحسست أن روحي لا تغادر الأسوار ولكنها تنجرح بها . يا أبي نحن لا نستطيع أن ننظر للطبيعة بعين غير تلك التي ينظر بها الناس . إن الطبيعة هي ، هي ، دائما ، أكبر منا ، وأقوي منا ، وأقدر على الأسوار والعيون والأيدي .
هذا الذي أحب كان . كان كالنهر والشجر والطريق الذي لم تختره أنت . يا أبي ، أنا علي الرغم مني أترك نفسى أنا اترك نفسى لا لأنى أعرفها ، بل لأني لا أعرف لها حدودا . أبنى ، هل أقول ، لأنها ليست موجودة . لقد حاولت دائما أن تعلمنى أن نفسى موجودة . ولكنني يا أبي عندما أحببت بدأت احس أنك موجود ، وان من أحب موجود ، وأنني أنا وحدي لست موجودة ، أنا خلف أسوار الشباك رؤية ، إمكان ، محبة ، ولكني لست يا أبي شيئا . .
وعند ذاك أحس البخيل أن ثمة مرجلا يغلي في نفسه ، ففتحه ووضع وجهه في بخاره حتى أحس جسده كله يقتدي بالعرق ، ولما استراح نظر إلي أبنته ضاحكا وكأنه يرفض رطلا من اللحم .
- يا ابنتي ، اسمعي ، لقد اعتقد الناس دائما أن من الممكن لهم أن يملكوا بنفوسهم شيئا ، وهذا هو أصل الخطأ . نحن لا نملك بنفوسنا ، بل بعيوننا ؛ لا نملك إلا إذا وضعنا الشئ أمامنا على مسافة . ولقد خلق الناس قصة طريفة . هي الحب ، يريدون به أن يملكوا . . هاهاها . أتعرفين لماذا أضحك ! من رطل اللحم .
فقالت له الفتاة وهي تتلوى :
- أبي هل تقبل منى رطلا من اللحم ؟ وعند ذاك بدأ الرجل يفكر وقال لها : - دعينى أفكر . إن كل ما أخشاه هو الدم . أنا
لا استطيع أن أذبح شيئا أو أن أراه يستهلك نفسه ، أنا لا اعترض مطلقا على قبول رطل من اللحم بلا دم ، لو كان بدمه لانفجرت العروق من عيوني ، ولما عدت قادرا علي أن اراه . أريد رطلا من اللحم بلا دم . وهل ثمة غيرك تحت الشباك .
ظلت الابنة تحت الشباك في غيبوبة مستديمة لا تفرق بين نفسها وبين الأسوار ، ولكنها تتلقي العيون والنهم كما كلفها أبوها .
وفي ذات يوم أحس الشاب الحبيب أن الحب يدفع به أن يدخل هذا البيت وأن ينتظر الرجل حتى يعود .
فلما عاد الرجل وجد الشاب جالسا في بيته ، فسأله :
- من أنت فذكر له الشاب اسمه ، اسما مكونا من مقاطع غريبة متعددة تدخل في بعضها وكأنها من أكثر من لغة .
فتأمله الرجل وقال له :
- ماذا عساي أفعل بهذا الأسم ، هل تستطيع أن تأكله ؟ فقال له الشاب : - انت سألتني عن اسمي فأعطيتك إياه ؟ فنظر إليه لرجل وكأنما يمتلكه .
- أنا لم أسألك عن اسمك ، إنما سألتك عما تريد . وعند ذاك تردد الشاب طويلا وقال له : - أنا أحب ابنتك وأريد لو تعطيني إياها . فقال له الرجل :
هل تستطيع أن تأخذها ؟ فأجابه الشاب :
- أنا أحبها . إن نفسى تقول ذلك . وأنا أريد أن أجعلك تفهم ذلك . وأريد أن أضمها إلي . فلما جلس الرجل محاذرا على مقعده وضع إصبعه على فمه وقال له :
- لي على ذلك شرطان : أن تعطيني رطلا من اللحم بلا دم ، وان تجعلها تقول أمامى إنها تحبك . فنظرت إليه الفتاة متوسلة وقالت :
- أبتي ورنا لها الشاب مشجعا وقال :
- تشجعى ، إن أمامنا جسرا علينا أن نعبره . وعلى الجسر لا يعرف كل منا الآخر ولا يحبه . وعلينا - على الرغم من ذلك - أن نقول عكس ذلك . عليك - أمامه - أن تقولى .... أحبه ، حتى نعبر الجسر . وعندما نلتقي . . في النور ... سأعوضك عن كل شئ ... عن الكذب والنكران والتحمل ونسيان الذات .
فتلعثمت الفتاة وقالت :
- لا استطيع . فثار الشاب في وجه البخيل وصاح فيه :
لماذا تشترط ؟ ... وما معني هذه الشروط ؟ . فانفجر الرجل ضاحكا :
- ها ها ها . . لأني أريدك . . أريد رطلا من اللحم بلا دم ، وها قد حصلت عليه ...
وترك الرجل بيته وخرج يسعى لرزقه . إن ابنته والشاب وراء الشباك ، وبينهما من الكراهية ما بينيهما له .

