( إلى طلبة كلية الآداب الذين سافروا في رحلة الآثار إلي الصعيد )
لم يكن باستطاعتي أن أجيبكم لساعتي إلى ما طلبتم من رأى كلما نزلنا بأثر مما خلف أجدادنا ، وأنسى لى بالعبارة عما كنت أحس ، والاحساس لا يسكن إلى لفظ أو يتناوله التفكير فيحيله رواسب عقلية . ولقد كان مثلى مثل من ينزل به حادث جلل فيذهله عن نفسه ، ولكنه لا يقطن إلى مداء حتى يصبح شعوره مادة لتفكيره ، فعندئذ بعمق ذلك الشعور وإن هدأت ظواهره ، وعندئذ تمكن العبارة عنه وإن اشتد تأصله بالنفس ، وعندئد يستحيل الاحساس معانى عقلية يمكن أن أحدثكم عنها.
ولقد صرت إلى آثار أجدادى ونفسى أسيرة الجمال ما رأيت ببلاد اليونان ، وقد زرتها بعد أن قرأت من آدابها ما أيقظ الرغبة فى رؤية ما خلف ذلك الشعب الذى بلغ حبه للجمال حد العبادة ؛ فعندهم نشأت الفنون كا نشأت عند أجدادنا في كنف الآلهة ، ولكنهم لم يلبثوا أن تخطوا العبادة إلى الجمال، فاستقلت الفنون واكتفت قيمها بذاتها ؛ وأى عبادة في تماثيلهم التي تغص بها متاحف العالم ؟ ولعلكم ذاكرون كيف أقاموا لنصرهم على الفرس تمثالا في صورة فتاة هيفاء جعلوا لها أجنحة من مرمر ، ثم قصوا تلك الأجنحة ليظل النصر بديارهم ، ولهذا التمثال أقاموا معبداً رشيقاً إلى جوار مدخل (الأكرويل ) ، لايزال إلى اليوم يحمل ذلك الاسم الجميل " النصر المهيض الجناح "
ببلاد اليونان سمت الأحجار تقص عن الماضى أجل القصص ، ولقد تنكر من قبلى أناس لماضيهم ، وقد أخذهم سحر " الأولمب " ، فألقى "ربنان " مسوحه ليخف إلى
قمة الأكروبل يضرع بالصلاة إلى آلهتها ، وقد صدف عن أنشودة الأناشيد ليستمع إلى ربات الشعر ، وغادر قباب الكنائس القوطية ليأوي إلى أنهاء المساعد الدورية. وهاجر ( بيرون ) من بلاد الضباب إلى بلاد الضوء ليريق دمه في سبيلها ، وفى جمال آلهة فنونهم ما يغرى ، ولكني - أيها الشباب - موزع النفس ، وبي حنين إلى تراث أجدادي .
وتراثهم ككل تراث أشبه ما يكون بصفحة كتاب جيد يقرؤه فرد فلا ينقد إلى غير معانيه القريبة ، ويقرؤه آخر فيحمل إليه كل لفظ فيضاً من حس أو قبساً من معنى. وما بالصفحة من غنى أو فقر إلا بقدر ما ينفس هذا القارئ أو ذاك ؛ فالأمر فيها كما فيما عداها أمر تجاوب بين النفوس واستطراق لمحمولها . ولكم من زائر لا يفهم للحجارة لغة ، ولا يحس جرساً ، لأن نفسه هواء ، ولكم من زائر يرى في كل شجرة زيتونة مقدسة ، وفي كل واد مستقراً الملوك. وحضارة أجدادنا تسمو إلى آلاف السنتين وللزمن عادية تذهب بكل شيء ، حتى لقد اضطر كبير آلهة اليونان أن يقتل أباه كرونوس ( أى الزمن ) ليفلت من الفناء ؛ ولهذا لم يصل انا من آداب أجدادنا إلا القليل مما نقشوا فوق الحجارة . وأما اليونان وأقدم ما كتبوا لا يرجع إلى أبعد من القرن العاشر قبل الميلاد- فقد انتهى إلينا الكثير من تراثهم المقلى نقرؤه اليوم فيهياً بالنفس ذلك الجو الذى تنطق فيه الحجارة .
ولكني لا أكذبكم أن ما رأيت من معابد أجدادنا
قد ترك بالنفس أثراً ما أظنه سيزول يوماً ما، وكيف يزول أثر ما صدر عن الخلود وفيه تتركز مثل فهم ؟ شغفوا بخلود الروح واتخذوا إلى الخلود سبيله ، وها نحن لا نزال إلى اليوم حيارى ، لا ندرى على أي حال ستعود أرواحنا ؟ إلى أجسام من نور أم إلى ما سوف يبعث من رقات يوم تنشر القبور، وأما أجدادنا فقد استقر رأيهم على عودة الروح إلى ما عاشرت من جسم ، فحاولوا الاحتفاظ به وإلى جانبه أقاموا ما نرى من تماثيل تسكن إليها الروح إن أخطأت جسمها ؛ ومن هنا جاء حرصهم على مشاكلة التمثال للجسم حتى لا تضل الروح، فجاءتهم على ما هو عليه من واقعية.
إلا أنهم لم يقفوا في فنهم عند حد المنفعة أو الضرورة ولو أملاها الايمان ، فالتمسوا الجمال لذاته كما التمسه اليونان من قبل ؛ ولعلكم تذكرون ما حاولنا سويا أن نتبين السر فيه مما يسميه علماء الآثار "قانون الجيهية"، فيما نقشوا على جدران القبور والمعابد من صور ، حيث رأينا الجسم وقد صور صدرة كأنه يواجه الناظر ، بينما صور الوجه والقدمان والميدان كأن الناظر يراها عن جنب، وهذا وضع مستحيل يفسره حرصهم على إظهار ما في الجسم من جمال الخطوط ، وقد اتسع الصدر لينحدر إلى الخصر الناحل ، ولاحت معالم الوجه أجمل ما تكون في مقطعها الجانبي، وانبسطت الأقدام، كما لاحت أصابع اليد ممتدة الطول دقيقة الخلق مسحوبة الأطراف على نحو ما نرى عند كل أصيل عريق من الناس.
ولعلكم تذكرون كيف كنا نتساءل : أمات هؤلاء القوم جميعاً شبابا ممشوقي القد حتى تقام لهم كل تلك التماثيل ، فلا نجد بينها تمثالاً لشيخ قبل عصر صان الحجر، ولا لمريض ولا لذى عاهة إلا ما ندر، وفى هذا أيضاً رأينا جنوحاً منهم إلى الجمال وتخطيا لضرورة الدين . ومن يدرينا ؟ لعل أرواحا منهم دفعت ثمن هذا الشغف بالجمال
فضلت عن جسمها ، وظلت إلى اليوم حائرة تصيب بأذاها كل من تمتد يده إلى مأواها بسوء على نحو ما كانت تهيم أرواح اليونان إذا لم توار تراب الوطن .
ومواكب اليم التي رأيناها على جدران معبد الأقصر. أما تذكرون تلك المحاولة الساذجة المؤثرة التي لجأوا إليها ليرضوا رغبة الناظر في رؤية الأشياء ، وقد تتابعت في المدى بعضها خلف بعض ، وقد التوت بهم سبل الفن فعجزوا عن الفطنة إلى استخدام نسب الأحجام وتوزيع الضياء والظلال والألوان وأنصافها ، فعبروا عن المدى بوضع القريب تحت البعيد، على نحو ما رأينا من رجال على الشاطيء يجرون مراكب الموكب المقدس ، وقد انطلق من الكرنك إلى الأقصر، ومن فوقهم نيلنا الجميل ، والمراكب تخوض أمواهه . أليس في ذلك حرص منهم على جمال النسب والأبعاد ؟ أليس في ذلك إحساس في خالص بوجهة نظر الرائي ، على نحو ما كان يفعل الاغريق عند ما عالجوا خداع الحواس في معابدهم، بأن أقاموا آخر عمود من أبهائهم مائلاً قليلاً إلى الأعمدة الداخلية، حتى لا يلوح للرأني كالذاهب إلى القضاء ، أو عند ما زادوا قليلاً في محيط الأعمدة كلما ارتفعت ، حتى يراها الرائي متساوية من أسفل إلى أعلى
وفي وادى الملكات ، أما تذكرون تلك الأميرة الجميلة التي صوروها بتلك الألوان النضرة ، وفى مثلهم الأعلى للجمال مالا يزال يؤمن به أرقى القوم ذوقاً بأوربا اليوم ؛ وهل بعد هذا الخصر الناحل وتلك الصيغ الجميلة الاستدارة وذلك الثوب الأبيض الشفاف الذى يخون معالم الجسم من جمال وعيهم لم يفطنوا إلى استخدام توزيع الضوء، وعيهم لم يلقوا بالاً إلى تدرج الألوان واستخدام أنصافها . ترى أذهب كل ذلك بشيء من جمال ما رأينا ، وفي تخطيطهم له بساطة وتناسق في النسب يهدأ إليها كل بصر ؟
لقد كان أجدادنا أشد شعوب الأرض تدينا ، وكانوا من احرص الناس على التقاليد القديمة ، وفي ريفنا اليوم
هذا الخلق ، وفى أشرف أمر أوربا وأعرق أممها مجداً نفس النزعة ، وإلى اليوم لا يزال الانجليز يعلنون موت ملكهم وقيام خلف له بأصوات المنادين في الطرقات أو على ظهور الخيل ، رغم ما وصلت إليه المدنية الحديثة من سبل الإقامة ؛ ولهذا ظل من أجدادنا حبيس أصوله الأولى ، ولهذا عند ما تطورت ديانتهم من عبادة الحيوانات لذاتها أو لما ترضى له من صفات، إلى عبادة بشرية، لم يجدوا سبيلاً إلى التوفيق بين أصولهم وما ساروا إليه غير الجمع بين رؤوس الحيوانات وأجسام البشر .
لم يستطع فن أجدادنا الخلاص من الدين، ولم تستطع نفوسهم أن تتحرر من القديم، وطغت رغبة الخلود على كل حياتهم ، فجاء فنهم أبعث للروعة منه الجمال ، وأعوزته حرية الخيال وانطلاق النفس وراء الجمال ؛ وظل دينهم صلباً قائماً كمعابدهم تتدرج فيها من فناء إلى بهو أعمدة إلى قدس أقداس، وكلما سرت من جزء إلى جزء ارتفعت بك أرض المعبد وازداد الظلام من حولك
فيا عجبا ! أما من سبيل إلى التماس الضوء واضحاً ؟ أما من سبيل إلى تحرير نفوسنا ؟ أما من سبيل إلى التماس الجمال لذاته ؟
وقف خيال أجدادنا عندما حولهم من جماد أو حيوان، فعبدوه رغبة أو رهبة ، بينما خلق اليونان آلهتهم خلقاً وخلقوهم على شاكلة البشر ليكونوا ألصق بهم وأقرب إلى قلوبهم ، فآلهتهم تأمل وتفرح، وتفتتل وتتصافي ، وتتحاب وتتمادى كما يفعل البشر سواء بسواء .
وهب أجدادنا ما حولهم أو التمسوا فيه صفات أعوزتهم فعبدوه ، وشل ذلك من حياتهم ، بينما ملأ اليونان ما حولهم بعرائس الخيال ؛ ففي الجبال والأنهار والوديان والجداول وينابيع المياه ربات تشدو وترقص ، ولكلها ما للبشر من صفات ، ففى الوجود كله معان بشرية حملت العلماء على تسمية آدابهم بالآداب الانسانية
ولهذا أخشى أيها الشباب أن يكون في حرية خيال اليونان وعبادتهم للجمال وفطنتهم لمرونة الأوضاع ورشاقة الحركة وتوزيع الضياء ونفث الحياة في الحجارة وخلع المعاني الانسانية على الطبيعة ، ما لا يزال يكمن بين أنحاء نفسي ، وقد خلقت حراً أحب الحياة وتهتز نفسى لجمال الوضع وجمال الحركة.
ولكني كلما ذكرت وطأة الزمن وهول الفناء وعطشنا إلى الخلود، مدت إلى جوار أجدادي ، ووددت لو استطعت أن أركن إلى أمل كأملهم وفيه ما يسحر الخيال ، وقد عشقت النفس سجنها حتى لترجو أن نعود إليه لتفر من فراغ الوجود المطلق ، وقد انتشر من حولها ما ألفت في دنياها . والجمادات روح تلصق بروحنا فتحملها على المحبة .
وهذا خلود تهدأ إليه حواسى ، وقد أحاطته صور الحياة من كل جانب ؛ فهذا قلمى وهذا كتابي وذاك معولى وذاك محرائى ؛ فأى نشوة تستشعر النفس عندما تتعرف إلى ما عهدت وتجد ما فقدت ، وقد أمنت غوائل الفناء ووحشة الخلود المجرد.
لقد صاح من قبل بقلوب الشعراء صائح : « أنه يتحطم الناي ستتحطم نغماته ، واهتزت لذلك أفئدة لا ترى الجمال في غير ما هو فان ، حتى لكأنها تعشق ذلك الفناء ؛ فالوردة تطربهم لما هي سائرة إليه من ذبول ، كما يخفون لاستنشاق أول نسمات الربيع لأنها لا تدوم . ولكم من صوت ارتفع يشكو أبدية الطبيعة التي تفنى نحن البشر تباعاً بين أحضانها ؛ ولكني لا أدرى كيف يكون منطقهم لو أنهم آمنوا ما آمن به أجدادى من خلود الحياة ! وأكبر ظنى أنهم ما رهبوا إلا ذلك النوع من الوجود الذي تخلو فيه النفس لذاتها على نحو ما يقول «فرلين » : « ما أشقه ألماً ذلك الذى نجد عندما يخلو القلب من كل حب أو بغض
