لم يقتصر مجهود أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر على نشاطهم الفكري في ميادين العلم والأدب ، بل كان لهم أيضا في ربيع حياتهم نشاط رياضي ملحوظ ، فقد تكونت من بينهم جماعة كانت هوايتها الرحلات ، وكانت هذه الرحلات إما قصيرة مشيا على الأقدام إلى جبل المقطم وإلي صحراء الأهرام في أيام العطلات وفي أيام الجمع من كل أسبوع أثناء شهور الشتاء من كل عام ، أو رحلات طويلة بالسيارات إلى شبه جزيرة سيناء وإلى الصحراء الشرقية وإلى صحراء ليبيا وكانت للجماعة قيادة بصيرة يطيع الأعضاء تعليماتها بما يكفل لهم أسباب الإعاشة والسلامة والراحة والاطمئنان في الحل والترحال في جميع الأحوال ، وكانت تسود رحلاتهم هذه روح رياضية طيبة من الوفاء والإيثار والصبر على احتمال التعب والشقة
وكانت العادة أن تبدأ الرحلات القصيرة في الصباح الباكر فيلتقي الأعضاء في المكان المعين - وهو في الغالب محطة السكة الحديد بباب اللوق أو قهوة المثلث بالجيزة - وفي الوقت المحدد يبدأ سير الجماعة من غير تلكؤ أو إبطاء وكان من عادة بعضنا أن يبكر في الحضور لمكان الاجتماع فيبقى زمنا طويلا " ملطوعا " في انتظار الباقين . وبعضنا كنت تراه مقبلا يجري وهو يلهث من شدة الإعياء ليدرك القطار وهو على وشك القيام من المحطة
ونكون في أول الرحلة مبطئين خاملين . ولكن سرعان ما تنشط أجسامنا بالحركة فنقبل على المشي ونثابر عليه حتى منتصف النهار ، وفي هذا الوقت نكون قد بلغنا الهدف فنجلس للراحة وتناول الغداء .
وبقدر ما نكون مقبلين مرحين في الذهاب نكون متثاقلين منقبضين في العودة خصوصا في المرحلة الأخيرة من الطريق .
وبالرغم مما كان يلقاه الأعضاء في هذه الرحلات من مشقة
وتعب فإن معظمهم كان يحرص على ألا يفوته الاشتراك في جميع رحلات الموسم مدفوعا لذلك برغبة صادقة لما كان يجده فيها من متعة وتسلية وتجديد لحيويته وتنشيط لجسده وتفريج لهم نفسه وجلاء لصدأ عقله . وكان من عادة الأعضاء متى بدءوا في الرحلة أن ينسوا مشاغلهم الخاصة بهم فلا يدور حديثهم طيلة الرحلة إلا حول ما هو عام من أمور يتخيرون موضوعاتها بحيث يتمنى الجميع أن يشتركوا في الحديث
وكنا إذا جلسنا لتناول الغداء ساد مجلسنا جو عائلي من المرح والبساطة فنتعازم على الطعام ونتخاطفه أحيانا ونتراشق بالنكات ونروي النوادر والحكايات ، فإذا انتهينا من كل ذلك تفرقنا في الوادي جماعة هنا وجماعة هناك وتصرف كل منا على حسب هواه وسجيته ففريق يخلد إلى الراحة ويستهويه السكون والدفء فيتمدد في الشمس ويستغرق في النوم ، وفريق ينزوي في ركن لبحث مسألة او مناقشة رأي ، وفريق يلهو بإشعال النار في العشب الجاف ويبتهج لمنظر اللهب ، وفريق يقطف أزهار الوادي ويصيد حشراته ويجمع عينات من رماله وصخور. وفريق لا تهدأ له حركة فيصرف الوقت في تسلق الجبال وارتقاء القمم وهكذا .
وكنا إذا توغلنا في الجبل ووصلنا إلى الهضاب العالية والوديان العميقة والسهول الواسعة واتضح أمامنا مجال النظر وتعددت المشاهد ورق النسيم وطاب الهواء واهتاجت نفوسنا وتباينت انفعالاتنا باختلاف امزجتنا ومشاعرنا وعبرت حركاتنا وسكناتنا وأسارير وجوهنا عما يختلج في نفوسنا من شتى الأحاسيس ، فبعضنا كان يبدو مكتئبا كأن لحنا حزينا يشجيه . وبعضنا كانت تأخذه نشوة من الابتهاج فيطرب ويغني، وبعضنا كان ينسى نفسه فتراه محلقا مشدوها لايعي ما حوله كأنه في غيبوية وهكذا .
ومع أن أفراد الجماعة كانت تجمعهم هواية واحدة
ومأرب واحد إلا أنه كان لكل منهم عقلية خاصة بهذه الرحلات يتجلي مظهرها في طريقة إعداد نفسه لها وسلوكه أثناءها واستجابته لمؤثراتها ، وكان كذلك لكل منهم " لازمات " لا تفارقه ونوادر يتميز بها .
وكانت تتجلي الفوارق بين هذه العقليات بوضوح في طريقة الإعداد للرحلة والتهيؤ لها ! فريق كان يأتي للرحلة متأنقا في ملبسه حالقا ذقنه مصففا شعر رأسه متبخطرا في مشيته كأنه مدعو إلى حفلة عرس ، بينما يأتي فريق آخر مهرولا "مبهدلا" في ملبسه وفي هيئته كأنه مضروب " علقة " على الصباح ومطرود من بيته .
وكان بعضنا يقبل علينا جادا وقورا وبعضنا يقبل مازحا مستهترا " سايب " المفاصل يهز جسمه ويحرك اطرافه
وكنا نتعرف على أشخاص الجماعة من بعيد حين يقبلون بما يأتونه من حركات ويعملون من أفعال .
فها هو أستاذنا الرئيس أحمد أمين ؛ إنه قادم يمشي وتيدا في وقار صادرا في سمته غارقا في تفكيره لا يلتفت يمينا أو شمالا
وها هو الأستاذ حسن جلال ؛ إنه قادم يمشي متحفزا وابتسامة ماكرة في عينه وعلى فمه ، ونكتة مفاجئة حزقاء فيحرص على أن يبادرنا بها قبل أن يقرئنا السلام .
وها هو الدكتور محمد عوض محمد! إنه قادم بقامته الطويلة وشعر رأسه " المنكوش " المنفوش وحذائه الطويل وهو يتمسح بجدران الشارع .
وها هو الأستاذ محمد بدران ؛ إنه قادم يتدحرج في مشيته مهرولا في بنطلونه " الشورت " الواسع وسترته الضيقة وقبعته البيضاء وحذائه الأسود .
وكان من عادة أستاذنا الرئيس ألا يكلف نفسه عناء أي إعداد خاص للرحلة ، فملابسه هي نفس ملابسه اليومية من طربوش وبدلة وحذاء وعصا ، وطعامه يشتريه من اقرب دكان بقال ومخبز وفاكهاني لمكان الاجتماع من غير مراعاة لملاءمة نوعه للرحلة أو عدم ملاءمته لها ، ويضع ما يشتريه في كيس من الورق يحمله بين يديه أو يدسه في جيوب سترته ، وكان لا يضيره أن يتبرع بعض الأعضاء بحمل
طعامه في جعباتهم حتى لا يتكلف مشقة حمل الكيس هكذا طول الطريق ولو أدى ذلك - كما كان يحصل أحيانا - إلى أن يسطو عليه أثناء الطريق بعض أولاد الحلال من أعضاء الرحلة . وكان الجميل فيه أنه يقابل هذا العبث ، " بتقل " ورزانة وبابتسامة رقيقة ساخرة كأن الأمر لا يعنيه فيدعونا مسلكه هذا إلى التنافس في إشراكه في طعامنا مختارين مسرورين ، ومن حسن الحظ لم يكن الأعضاء الذين على شاكلة الرئيس كثيرين ، ويقابل ذلك حزلقة بعضنا في إعداد الطعام حتى إن بعضهم كان يحضر معه الشوكة والسكين وأطباق الورق .
وكان من عادة الأستاذ بدران أن يوزع علينا في الرحلات عجوة من بلح القرين محشوة بالسمم وكان الأعضاء يستطيبون طعمها ويلحون في طلبها ولا يكتفون منها بالقليل بل يطمعون في اكبر نصيب ، فإذا "شخط" فيهم الأستاذ بدران وانكر عليهم هذا النهم الذي لا يليق بالمهذبين هجموا على جعبته وأخذوا العجوة منها قسرا وتركوه من غير نصيب والجميل فيه أنه لا يغضب ولا يثور بل يهزأ بهم وهو يقول : " وإيه يعني والنبي عندنا من هذه العجوة في البيت ملء عدة بلاليص ، فيضحك الأعضاء لهذا الكلام ويقهقهون .
وفي إحدى الرحلات أخطأت ساعتي فغادرت منزلي قبل قيام القطار بساعة وثلث وفي بهو المحطة رأيت الأستاذ بدران جالسا على مقعد خشبي وهو يغط في النوم ولما أيقظته تلفت مندهشا وقال : أين باقي الإخوان ؟ . فقلت له : إنه لا يزال على موعد قيام القطار خمسون دقيقة ، فقال : إيه ، يظهر أني جئت اليوم مبكرا قليلا ، ثم عاد يغط في النوم .
وكان الأعضاء في رحلاتهم يعالجون المشكلات التى تعرض لهم بأنواع من الحلول تثير أحيانا كثيرا من الضحك والسخرية
ففي إحدي الرحلات اشتاق الأعضاء إلى شرب القهوة فأحضر بعضنا الكنكة والبن ونسي السكر فاستعان الأعضاء على تحلية القهوة بقطع " الكرملا " وعصير البرتقال . وفي إحدي الرحلات انزلق أحدنا على منحدر من الصخر وتدحرج فتمزق بنطلونه من الخلف وبرزت سراويله من الخروق فتحايلنا على رتق الخروق بشوك حصلنا عليه من شجرة
سنط في الوادي فكان إذا مشي أو أنحنى نخسه الشوك في جسمه وسبب له الما فيأتي بحركات تثير فينا الضحك والسخرية فيرمقنا متوعدا وهو يقول " طيب ! بس لما أقلع البنطون فيزيدنا ضحكا .
وفي مرة نزلنا الطور في رحلة وذهبنا إلى مبنى الكورنتينا لمشاهدة الاستراحات التى ينزل فيها الحجاج في موسم الحج ، فوجدنا الحكومة قد جعلت عنابر الدرجة الثالثة معتقلا للخارجين على القانون من أبناء وادي النيل وأحاطتها بالأسلاك الشائكة . فوقفنا على مرتفع من الأرض نتفرج على المعتقلين . فوقف شاب من بينهم وسيم الوجه يخطب فيهم شاكيا إلى الله ظلم الحكام وقسوة الحراس بعبارة مؤثرة موجها الكلام إلينا ، ثم تعرى من ملابسه وأبان في جسمه عن القروح والجروح وأثار الضرب بالكرباج والتفت إلى الأستاذ أحمد أمين فوجدته مهتاجأ يبكي ثم لم يلبث أن ثارت ثائرته وأخذ صوته يدوي عاليا في فضاء المكان حاثا المعتقلين على تحطيم الأغلال وقطع الأسلاك وقتل الحراس والفرار من الاعتقال ؛ واسترسل في هذا القول والمعتقلون من خلف الأسلاك يهللون له ويصفقون ويضجون .
وتحرج الموقف . وجاء معاون المعتقل يجري مرتاعا وتوسل إليه في أن يكف عن الخطابة وتعهد له بمعاملة المعتقلين مستقبلا بالرفق والحسنى ، ثم شيعنا إلي خارج الحجر ترمقنا عينه بالتعجب والاستغراب .
وكان الأعضاء يتعرضون أحيانا في الرحلة لبعض المتاعب فلا يسوءهم ذلك بل يقابلونها بالصبر والجلد وسعة الصدر .
فمن ذلك ما حدث للأستاذ محمد فريد أبو حديد في وادي دجلة في إحدى الرحلات فقد عقره الحذاء في قدمه وسبب له ألما مبرحا ، ولكنه أخفى عنا ما به وتجلد ومشي معنا وهو على هذا الحال اثني عشر كيلو مترا حتى وصلنا محطة المعادي بخط حلوان ، فلما كشف عن قدمه في استراحة المحطة وجدنا قدمه قد انتفخت وتشققت من شدة الورم ، حتى إنه فقد الشعور بها .
وفي إحدى الرحلات نزلت والأستاذ عبد الحميد العبادي
في قلعة معان بشرق الأردن لنقضي بها ليلتنا ، وكانت الليلة شديدة البرد غزيرة المطر ، وكانت مباني القلعة قديمة وليس بها سوى حجرتين تصلحان للمبيت ، وتصادف أن جاء بعدنا للقلعة فرج من طلاب الرحلات فتزاحموا على المبيت بالحجرتين واحتلوهما ، ووقفت والأستاذ العبادي أمام هذا حائرين لا ندري ماذا نفعل ، ثم رأيته بعد قليل يأوي إلى بهو مهجور ويضع فراشه في جانب منه على حصير قديم وينام ، وقابلته في صباح اليوم التالي فكان كعادته هادئا لا يشتكى ولا يتبرم ، ويقيني أنه بات ليلته ساهرا من شدة القر
وبمرور الزمن أخذت تختفي رويدا من مسرح هذه الرحلات وجوه الكثيرين من الأعضاء القدامى الذين كان لهم فضل السبق في تكوين الجماعة ورعاية الهواية ، وذلك بعد أن قعد بهم ضعف الشيخوخة عن متابعتها فانصرفوا عنها لا باختيارهم ، ولكن قسرا عنهم نزولا على ما تقضي به سنة الحياة ، حتى إذا ما جاء موسم سنة ١٩٤١ كان عدد الأعضاء الذين حضروا رحلة الافتتاح ثلاثة فقط : الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني ، والأستاذ بدران وأنا ، وكانت هذه الرحلة آخر رحلات الموسم كذلك ، بل كانت آخر ما قامت به الجماعة من رحلات ، فقد شغلت مداخل الوديان ودروب الصحراء بمعسكرات الجيوش وأصبح المرور فيها ممنوعا ، وطالت فترة الحرب ففترت همتنا ، ولم نستأنف الرحلات بعدها ؛ وهكذا أصبحت رحلات الجماعة في خبر كان بعد حقبة طويلة امتدت على صفحة الزمان اثنتين وعشرين سنة لم ينقطع لهم فيها دبيب على صخور المقطم وفوق رمال الصحراء في الشرق والغرب
لقد كانت الرحلات هواية الرفقاء المفضلة ، وكانوا يقدمون عليها بشوق وحرارة ، لا يثنيهم عنها مشقات الارتحال ولا عوائق الطبيعة ولا صعوبات الانتقال ، بل كانوا يستعذبون كل ذلك بغبطة وإيمان ، ولكن لقدرة الإنسان حد ولنشاطه نهاية ، فسبحان من له دوام الحال
