الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 849الرجوع إلى "الرسالة"

ركن المعتزلة ، علم الله في مذهب المعزلة

Share

إن نبي المنزلة لصفات الله لم يمنعها من البحث في بعض الصفات كسفة العلم والقدرة والإرادة والعدل على زعم أنها اعتبارات ذهنية وملائمة لنا حسب قول أبى المذيل العلاف الذي يقول : إذا تحدثنا عن علم الله أو عن قدرته مثلا فذلك لأننا ننظر إليه تعالى من أوجه مختلفة في حين أنه تعالى ذات واحدة وأزلية (1) ونحن مخلوقات مركبة وحادثة ؛ لذلك نلجأ إلى هذه الاعتبارات وخصوصاً إننا عاجزون عن إدراك اللامتناهي .

ويزيد إبراهيم النظام قائلاً : معنى قولى إن الله عالم إثبات ذاته ونق الجهل عنه . ومعنى قولى قادر إثبات ذاته ونقى العجز عنه . و معنى قولى فى إثبات ذاته وفق الموت عنه . وكذلك الأمر في سائر صفات الذات (٢) . فهكذا لا توجد سوى ذات واحدة أزلية

تنظر نحن إليها نظرة تجزئية فى حين أن هذه الأجزاء أعنى الصفات غير موجودة البتة فيها ؛ فقط طبيعة عملنا الناقصة العاجزة تلجئنا إليها ، وأول هذه الصفات التي يبحتها المعتزلة في صفة العلم.

علم الله هو الله :

ما في واصل بن عطاء كل سنة عن عن الله تعالی رد جميع  الصفات إلى ذات واحدة . وزاد أبو الهذيل توكيداً في رد هذه  الاصفات إلى الفات قائلا : إن علم الله هو ( أى الله ) وإن الله  يعلم نفسه وإن نفسه ليست بذى غاية ولا نهاية (1) فإذا على الله لا متناهي  كما أن الذات لا متناهية. ويضيف أبو المذيل قائلا إن الله يعلم  حقيقة ، ليس يعلم أزلى (قديم) مميز من ذاته كقول الثابتة ، وليس  يعلم مكتسب محدث كقول الرافضة ، بل إنه عالم بذاته (٢) . حتى  إن أبا الهذيل والنظام كانا يقولان : معنى قولنا عالم هو إثبات ذاته  ونتى الجهل عنه . فالقات في العلم والعلم هو الذات لا يمكن فصلهما  وكذلك الحال في الصفات الأخرى .

ويذهب معمر (۲)وهو من أعظم المعتزلة مرتبة في تدقيق

القول بنفي الصفات إلى القول بأن الله تعالى محال أن يعلم نفسه لأ ن من شرط المعلوم عنده أن يكون غير العالم به، وهكذا يكون العالم  متميزاً عن المعلوم. ولكن معمر رد هذا التمييز بينهما خوفا من  أن يؤدى بنا إلى الاعتقاد بأن علم اللَّه مميز حقيقة عن ذاته فرفض  القول بأن اللَّه يعلم نفسه وقال بأن العالم والمعلوم واحد أي أن علم اللَّه  هو ذاته   (أي ذات اللَّه)  وعلى ذلك لا يكون العلم منفصلا في اللَّه  ولكنه دائماً فيه قديم وغير مميز عن ذاته.

لذلك قال جمهور المعتزلة: إطلاق العلم لله غز وجل إنما هو مجاز  لا حقيقة، وإنما معناه أنه تعالى لا يجهل فتكون المعادلة خالصة  كاملة تامة بين ماهية الله وعلمه، كما أن هذه المعادلة كاملةأيضاً بين  الماهية وأي صفة من الصفات الأخرى والتي هي في نظر المعتزلة  اعتبارات ذهنية ليس إلا -

مصدر هذه الفكرة:

يقول أرسطو في مقالته الثانية عشرة من كتاب ما بعد  الطبيعة أن الله علمُ كله؛ قدرةٌ كله؛ حياةٌ كله؛ سمعٌ كله؛ بصر كله.  وقرأ أبوالهذيل والنظام في بغداد ترجمة مؤلفات أرسطو  وأفلاطون فيكون أبوالهذيل قد أخذ هذا القول عن أريسطو على  حسب ما جاء في مقالات الإسلاميين للاشعرى وحسَّن أبوالهذيل  اللفظ من عند نفسه وقال: علمه هوهو، وقدرته هي هو - ويؤكد  الشهرستانى ذلك بقوله إن أبا الهذيل اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة  اللذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثيرة فيها بوجه، وإنما الصفات  ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته بل هي ذاته. والمعروف أن  هذا هو قول أرسطو.

وهناك سبب آخر جعل أبا الهذيل أولا ثم المعتزلة ثانياً يردون  الصفات إلى الذات. يقول أبو الهذيل: هناك فرق بين قول القائل  إن الله عالم بذاته لا يعلم، وبين القائل إن الله عالم يعلم هو ذاته،  وهو أن القول الأول نفى الصفة والثاني إثبات ذاته هو بعينه صفة  أو إثبات صفة هي بعينها ذات؛ وإذا أثبت أبوالهذيل هذه الصفات

(العلم والقدرة والحياة والعدل)  وجوهاً للذات فهي بعينها أقانيم  النصارى - لذلك نفى القول الثاني القائل بأن الله عالم يعلم هو ذاته  حتى يرد الأقانيم عند النصارى.

قدم علم الله:

لما كان علم الّه هو الله، ولما كانت ذاته تعالى تتصف بالقدم، فإذاً  علمه قديم أيضاً. وهذه نقطة في غاية الأهمية عند المعتزلة. ولا ينفك  أبوالهذيل والنظام يرددان القول يقدم العلم. ويقول هشام  الفوطي إن الله لم يزل عالماً لنفسه لا يعلم سواه قديم ولا يعلم  محدث وإن الله لم يزل عالماً بأنه سيخلق الدنيا ثم يفنيها ثم يعيد  أهلها   (فريق في الجنة وفريق في السعير) .

تضيف المعتزلة على قولها إن الله لم يزل عالماً بنفسه قولها بأنه  تعالى عالم لذاته أزلا بما سيكون   (والمستقبل لا يوجد إلا بالنسبة لنا  وليس له وجود عند الله) . وهناك فارق كبير بين علم الله وعلم  الإنسان: فعلمنا بما سيكون هو علم بشيء جائر، على عكس علمنا  بما يكون فإنه علم بشيء متحقق واقعي. ولكن علم الله هو علم بشيء  حقيقي لا بشيء جائز، لأنالجائز يمكن أن لا يتحقق وعلم الله  لا يتعلق به.

اعتراض على هذا القول: اعتراض هشام بن الحكم:

بما أن الله لم يزل عالماً بالأشياء حتى قبل وجودها ولم يزل  قادراًً عليها فهل ما يعلمه الله وما يقدر عليه قديم أيضاً؟ هذا سؤال  وجهه هشام بن الحكم   (الرافضي)  إلى المعتزلة قائلا لهم: إن كان  الله عالماً بدقائق الأمور وجلائلها لنفسه فهو لم يزل يعلم أن الجسم  متحرك لنفسه لأنهالآن عالم لذلك وما عَلمهالآنفهو لم يزل عالماً به.  فإن كان هذا هكذا فلم يزل الجسم متحركا لأنه لا يجوز أن يكون  الله يزل عالماً بأن الجسم متحرك إلا وفى الوجود جسم متحرك  على ما وقع به العلم.

رد المعتزلة:

يبدوا هذا الاعتراض وجيهاً في أول وهله. ولكن المعتزلة  وجدت فيه نقصاً وضعفاً كبيرين - يوجد أولا نقص منطقي في  الاعتراض نفسه لأنالله في مذهب هشام بن الحكم جاهل بالأمور  غير عالم بها وهو يعلمها عند وقوعها. وهذا تشبيه شنيع لله  بخلقه يناقض كماله تعالى.

ثم هناك ضعف آخر في الاعتراض وهو إن كان الله لم يزل  عالماً بالأشياء قادراً عليها فهذا لا يعني أن الأشياء المعلومة والمقدور  عليها موجودة منذ القدم - لأن الفاعل لابد من أن يكون  قبل عالماً يكيف يفعله وإلا لم يجز وقوع الفعل منه، كما أنه إذا  لم يكن قادراً على فعله قبل أن يفعله لم يجز وقوع الفعل منه أبداً.  ألا ترى أن من لم يحسن السباحة أو الكتابة لم يجز منه وقوعهما؛  فإذا تعلمهما وعلم كيف يكتب أو يسبح جاز وقوعّ الكتابة  أو السباحة منه. وهذا حكم كل فاعل: لابد من أن يكون قبل  فعله عالماً به وإلا لم يجز وقوعه منه - وبناءً على ذلك تقول

المعتزلة إن الله كان ولا شئ معه، وأنه لم يزل بعلم أنه سيخلق  الأجسام وأنها ستتحرك بعد خلقه أياما وتكن. وإنه لم يزل يعلم  أنها متحركة إذا حلتها الحركة وأنها ساكنة إذا حلها السكون؛  وهو لنفسه لم يزل يعلم أن الجسم قبل حلول الحركة فيه يتحرك، وأنه  في حال حلول الحركة فيه متحرك - فلا ماض ولا مستقبل في  علمه تعالى لأن علمه هو ذاته وعلمه سابق للمعلومات. فتكون هكذا  الأشياء أزلية في علم الله، محدثه في الزمان المعين والمحدد لها من الله.  وحدوثها في الزمان لا يضيف ولا يبدل شيئاً في علم الله لأن هذا  العلم سابق لها.

تبقى مسألة جواز وجود ما يعلمه الله أنه لم يوجد، ومسألة حرية  الإنسان في فعل المعاصي مع معرفة الله الأزلية لما يفعله الإنسان،  وهذه المسألة الأخيرة في غاية الدقة لأن المعتزلة تفخر بأنها ليست    (أهل توحيد)  فحسب بل أيضاً   (أهل عدل)  - وسنبحث  إن شاء الله في مقالنا القادم هذه المسألة الخطيرة.

(البقية في العدد القادم)

اشترك في نشرتنا البريدية