أراد الله أن يكون خلود الشخصية وقفا على الغنى أو الجاه ، كما شاء ولا راد لمشيئته ان يمنح الانسان عقلا يميز به موضع الجمال فى خلقه , فيقدسه ويستلهم منه وحيا لحياته التي لا تعتبر حياة بمعناها الكامل إلا إذا رجعت فى جوهرهاإلى التمييز وكأن الشخصية التى نحللها اليوم من تلك الشخصيات التي لم يكن للغنى يد فى تخليدها ، ولا للجاه أي أثر فى تكوينها ، بل رجع الفضل فيها إلى الفن الذي عبر عنه رمبراندت تعبيراً استلهمه من الوافع الملموس طامحا به إلى الكمال المنشود
ولد رمبراندت فان راين فى منتصف يوليو سنة ١٦٠٦ بليدن لأبوين فقيرين , اشتغل الوالد طحانا محدود الرزق ! أما أمه فكانت الزوجة المخلصة البريئة
شب الولد بسيط النشأة والمعيشة لم يرأحد على ملامحه أى اثر للنزعة الفنية , كما انه هو نفسه لم يكن يدري ماذا يكون من أمره فى مستقبل الأيام
والشخصية فى نظر التاريخ لا يتحتم أن تكون فذة فى العلم او الأدب , ولا فى السياسة أو الحرب ؛ لأن الحضارة فى أكثر معناها تقوم على اركان لا يقل الفن فيها قيمة عن أى ركن آخر , بل إن شيلر شاعر المانيا الأعظم يقول ": إن الحضارة الحق يجب ان تمهد سبيل الحرية للانسان , وان تعينه على الوصول اليها ، كما يجب أن تشغل فراغ عقله حتى يصبح بها قادرا على الشعور بوجدانه مادام انه مخلوق ذو إرادة "
وهكذا كان إنتاج رمبراندت ممهدا السبيل للشعور بالحرية فى تراثه المجيد ، الذى إذا تأملناء شعرنا بالوجود , وانتعشت فينا
الارادة إلى العمل والانتاج , بل وإلى الاستمتاع إلى حد بعيد , أعني أنه ترك وراءه ركنا هاما من أركان الحضارة الانسانية ! ونبوغ التلميذ لا يتوقف دائما على قدرة أستاذه وهذا ما يلاحظ على رمبراندت ؛ فعندما التحق بالعمل عند سوانتبرج في ليدن سنة ١٦٢١ لم يكن معلمه هذا من الدرجة الاولى ! ومع أنه استمر يتلقى مبادئ" الفن عليه ثلاث سنوات؛فقد سافر إلى امستردام لزيادة المعرفة ؛ فتلقى الدرس على لاستمان نصف سنة عاد بعدها إلى بلدته ليدن , وبدأ حياته العملية مستقلا فى آخر سنة ,١٦٣١ أعني عند ما بلغ الخامسة والعشرين إلا انه ظل - ولو أن أول لوحة له مؤرخة سنة١٦٢٧يواصل الليل بالنهار فى المران والمشاهدة , حتى إذا ما بلغ الثلاثين كان أستاذا معترفا به
تزوج رمبراندت فى أواخر يوليو سنة ١٦٣٤ من زاسكيا فان أولنبرج , فاتمت عليه نعمة الحياة ؛ ولم يكن اختياره لها لمجرد الهدوء إلى جانب زوجة , بل لانه وجد فيها خير معين وكان القدر قاسيا , فلم تمض ثمانى سنوات حتى فرق الموت بينهما كانت وفاة زاسكيا فاتحة مصائب كثيرة , تراكم دينه , وساءت حاله ؛ وبعد ان كان من عشاق جمع الصور النادرة والتحف الثمينة , أصبح والمحكمة تحدد موعدا لبيع بيته ومافيه وكانت هندريكا ياجرز مدبرة بيته عاشقة له معجبة به , فتقدمت بمالها الخاص وأنقذت الموقف ولم يتم البيع
آثرت هذه الصدمات تأثيرا فعالا فى اتجاه الفنان , تتبينه فى لوحات كثيرة له , فترى بعضهاتشمله روح اكتئاب وحزن ظاهرين توفى رمبراندت فى اليوم الثامن من اكتوبر سنة ١٦٦٩ بعد حياة مليئة بالانتاج الفنى الهائل , الذى تخلله هدوء العيش حينا , وآلام النفس أحيانا أخرى ، معتبرا فى التاريخ العام وتاريخ الفن إماما لفنانى المدرسة الهولندية إطلاقا
و تاريخ الفن لا يعنى بإنتاج الفنان من حيث الكثرة ، وإنما يعني اول ما يعنى بقدرته على الابتكار , ولمس النواحى التي لم يسبق
لغيره معالجتها , ولذا يقول كارل يوليوس فيبر بأن الفنان الجدير بالتسمية هو ذلك الذي ينتج ما لا يستطيع غيره انتاجه ، لأننا نقول إن إنتاجا ما بعيد عن الفن إذا استطاعت الكترة عمل نظيره وترك رمبراندت حوالى الخمسمائة لوحة , صورها خلال ثلاثين سنة , مثلت المناظر التاريخية الدينية , والشخصية , والطبيعية بروح لا يمكن لغيره تصويرها
حفظت المتاحف والكنائس كثيرا منها , وتتباهى الممالك بكثرة ما بمتاحفها وكنائسها من عمله , وتوجد أربعون لوحة منها بمتحف بطرسيرج ومثلها بباريس وكاسل وامستردام . واتنتا عشرة ببرلين وأقل من ذلك بفينا ومدريد
هذا عدا ما هو فى حيازة الافراد ؛ فلدى ملك انجلترا ودوق وستمنستر والليدى والاس , واللورد البسماير بلندن , وهافمير بنيويورك , ورودلف كان بباريس , وكارستايجن ببرلين , والليدى سيكس بامستردام قطع من تصويره
أما الدارس للوحاته فانه يرى ما يفيض عليها من صدق التمثيل للحقيقة متمشيا فى ذلك مع مذهب الواقع (Realism) فضلا عن انه من ناحية مذهب الكمال ( (ldealism لا يقل بحال عن كبار الفنانين , كما يلمس فيها روح القوة العنيفة المتغلغلة فى إخراجها , وسحر الالوان المشتملة عليها , والقدرة التي اصبحت مضرب الأمثال فى تكوين الظل والنور , اللذان لا يزالان مثلا اعلى يحتذى به الى هذا العصر
بهذا الظل والنور أبرز رمبراندت الجمال التكوينى والمجموعي إبرازا يعتبر أدق ما أمكن الوصول إليه , مكونا طرازا خاصا انطبعت عليه نفسه , وعرف باسمه على مر القرون
ويعتبر إنتاج رمبراندت إجمالا المقياس الصادق لقوة الفن الجرمانى ؛ إذ بشخصيته الممثلة فى طرازه يتم التوازن بين عظمة الفن الرومانى فى كفة , والفن الجرمانى فى الكفة الأخرى وفسر رمبراندت الكتاب المقدس على لوحاته تفسيرا سهلاً من الناحية الوضعية , ولكنه قوى من الناحية الفنية , متخذاً مادته من الطبيعة المحيطة به , أما الأشخاص فقد كانوا من مجاوربه , حتى أشخاص أقاصيص كتاب العهد القديم كانوا من يهود هولاندا المعاصرين . ومن كل هذا لا نرى فيه فنانا عبقريا فحسب بل مسجلا ومؤرخا صادقا فى كل ما صور , لأنه لم يعتمد على الخيال كل الاعتماد , بل على الموجود الملموس
وأخرج اللوحات الشخصية إخراجا فذا ، فصور أبرز رجال عصره تصويرا دقيقا , كما صور حوالى الاربعين لوحة لنفسه حينما كان يخلو مستلهما بين حين وآخر ؛ولذلك ترى فى هذه الأربعين لوحة صفحة كاملة لتكوينه النفسى والفنى , وتطوره فى تفكيره وفهمه لحقيقة الوجود
ومن أهم هذه الصور لوحته المحفوظة بمتحف برلين والمؤرخة سنة ١٦٣٤ولوحته المحفوظة بالهاى سنة ١٦٣٤ ايضا , وبفينا سنة ,١٦٣٥ وباللوفر سنة ١٦٣٧ وفى لندن بالناشونال جاليرى سنة ,١٦٤٠ وبيكنجهام بالاس فى لندن سنة ١٦٤٣
ومن أحسن صوره لنفسه من الناحيتين الانشائية والفنية تلك اللوحة التي مثلته جالسا على مقعدوثير , وهى فىحيازة اللورد الشتر بلندن ومؤرخة بسنة ,١٦٥٨ وكذلك واحدة أخرى فى باريس مؤرخة بسنة ,١٦٦٠ وثالثة فى لندن بالناشونال جاليرى سنة ١٦٦٤
أما آخر صورة من هذه المجموعة فهي مؤرخة بسنة ١٦٦٩ اعنى قبيل وفاته , وهى فى حيازة السير ريلد بلندن
وصورته لنفسه لاتنم عن عظمة مصطنعة ولا تجميل مرغوب فيه , ولا تكلف لضعف فى الاخراج . تراه وقد أسدل الشعرعلي كتفيه متفننا بدقة وانسجام , مكونا للوجه من حوله مكانا ملاصقا لسواد الشعر ؛ فأبرزه خير إبراز , كون فيه شخصيته
دون جفاف ؛ فترى نظرة العينين وما ينطوي فيهما اقرب الى الآلام منه إلى مسرة الحياة ، ولكن هذا ليس غريبا على رجل كامل الحس , فنان بنفسه ولحمه ودمه , صادف آلاما مبرحة فضلا عن نظرته الخاصة إلى الحياة
وله لوحة ( بمتحف درسدن ) خالدة , تنبض بالحياة ., تمثله وزوجته زاسكيا فى مرح وسعادة , والمشاهد لها يدهش للقدرة العظيمة التى استطاع بها ان يجعلها فذة مؤدية للغاية التي صورها من أجلها , فجاءت ملامح وجهيهما ناطقة بالهناء والتوفيق . انظر إلى يده اليمنى رافعة كأسا امتلأت لنصفها ، و إلى صفاء لون الخمر فيها , تم المس جمال الانشاء العام ولاحظ قوة الظل والنور التى جعلتها مجسمة
ولوحته لمدبرة بيته هندريكا , وهى مؤرخة سنة ١٦٦٣ ومحفوظة بمتحف برلين , والمجموعة المحفوظة بقلعة وندسور ومنها لوحة لأمة , وصورة اخيه أدريان لابسا خوذة ذهبية ومؤرخة ١٦٥٠. ومحفوظة متحف برلين , وصورة ابنه تيتوس المحفوظة متحف فينا , عدا الكثير لأبيه واخته , كل هذه تكون لك ناحية جلية لقوته .
وأما اللوحات التي صورها للشخصيات البارزة فى عصره فهى
ايضا مجموعةجديرة بالتسجيل هنا . من أهم ما فيها صورة الخطاط كوبينول مؤرخة سنة ١٦٣١ ومحفوظة بطرسبرج , وصورة إليزابيث باس , وصورة حرم الادميرال سوار تنهوت فى امستردام , وصورة العمدة يانكراس وحرمه مؤرخة سنة ١٦٤٥ فى قصر بكنجهام بلندن , وصورة الطاهية مؤرخة ١٦٥١ عتحف ستوكهولم , وصورة جان سيكس مؤرخة ١٦٥٤ ومحفوظة بسيكس جاليرى فى أمستردام
وأهم لوحاته العامة صورة الصيرفى وهى مؤرخة ١٦٢٧ترى ان ابرز ماعليها شخصية الصراف الجالس إلى منضدة , ملتفتا إلى محدثه فى شىء من التردد , واضعا يديه عليها , قابضا باليسرى على كيس نقوده , واليمنى فى حالة استعداد لاخذ قطعة النقود من محدثه , وترى على يمينه كاتب الحسابات جالسا مصغيا , شاخصا بعينيه إلى المتكلم , وقد أمسك ريشة الكتابة بيمينه , ووضع اليسرى على الكتاب وضعا فى غاية الدقة لايوفق إليه غير رمبراندت
والوجوه خلف الصورة لا تقل روعة عما فى مقدمتها ، إلا أن مهارة الفنان جعلت المشاهد يدرك تماما أبرز وضع للوحة وأهم ما يقصد منها بمجرد النظر إليها , لما خيم عليها من ضآلة
النور المتعمدة . اما الظل والنور فهما واضحان بالنظر إلى الظل الواضح على صفحة الكتاب تحت يد الكاتب , كذلك ظل الكتاب فوق العادة , فضلا عما تراه من الظل على الجانب الأيسر لوجه الصيرفى على حين جعل الجانب الأيمن منيرا . وظهر الشعر المجعد ظهورا غاية فى الدقة . وتدل ملامح وجه المتكلم على الرجاء والالتماس بكل قوة
وله لوحة اسماها (دانيا) وهي صورة لامرأة عارية بالحجم الطبيعي مؤرخة سنة ١٦٣٦، محفوظة ببطرسبرج، وصورة المراكبي وامرأته وهي في حيازة ملك إنجلترا، وصورة كوينتابل في سان ريمو؛ وصورة امرأة تستحم مؤرخة سنة ١٦٥٤ بلندن؛ وصورة العروس اليهودية مؤرخة سنة ١٦٦٥ بامستردام؛ وكذلك صورة رجال الكنيس اليهودي في جنازة دوق دوفنشير. هذا عدا صوره لرجال ونساء عجائز تعد من آيات الفن، معظمها محفوظ بلندن وبطرسبرج وبروكسل ودرسدن
( لها بقية )

