بقية ما نشر فى العدد الماضي
أما صور الجماعات , فمنها ما هو فى منتهى الروعة والقوة . وصورة التشريح تمثل عددًا من فطاحل أطباء أمستردام ملتفين حول جثة منبسطة على منضدة التشريح , والدكتور تُلب يلقي عليهم شيئًا عن حالة تشريحية معينة أتم الفنان تصويرها سنة ١٦٣٢ ، وكانت فى دار جماعة الأطباء بأمستردام إلى أن أخذتها الجليري الملوكية فى الهاي وهي صورة تمثل ثمانية أشخاص , سبعة منهم يستمعون لثامنهم وهو الدكتور قلب , وتظهر على الوجوه إجمالًا ملامح الوقار العلمي والشوق إلى معرفة الجديد . أما الدكتور تلب فقد مثل الثبات والهدوء اللازمين للعالم , ماسكا " جفتًا " بيمينه رافعًا به الشرايين , ناظرًا إلى زملائه , متحفزًا الشرح , مشيرًا يبسراه إشارة العالم الواثق الذي تنبعث من عينيه نظرة محيطة بالدرس والفحص ؛ وتبدو على وجوه المستمعين ظاهرة الرغبة الأكيدة والاستغراب . انظر للواقف إلى جانب الدكتور تلب , ممسكا صفحة ورق ييسراه , ألا ترى وجهه ناطقًا الحياة ؟ ثم انظر إلى التكوين المجموعي للرؤوس وقد بدت اللحى نامية تحت الذقن , سنة العلماء فى ذلك الحين . لقد جمع رمبراندت بين بساطة مظهر العالِم وبين جلالة العلم والوقار , أما الجثة فلا يمكن إخراجها بأحسن مما أخرجه رمبراندت , فهي مسلوبة الإرادة تمامًا , ترى اليد مرتمية ارتماء متراخيًا على المنضدة , فضلًا عما ظهر على الوجه من علائم فقدان الحياة فالفم مفتوح والعينان مغمضتان , والجسم عار , والذراع الأيسر مشرح
ظهرت منه الشرايين ممسوك بعضها بالجفت , وهي فى مجموعها لا تدل فقط على القوة فى الإخراج , بل تدل أيضًا على النزعة العظيمة التي نزع إليها رمبراندت , فهو ميال إلى الجديد , مدفوع بعامل الفن إلى خدمة النواحي البعيدة التي لولا تفكيره فيها واتجاهه إليها لما شرع فى عمل شبيهاتها غيره من بعده
وتكاد تكون أهم لوحاته عمومًا صورة الحراسة الليلية وهي أكبرها مساحة , إذ بلغ طولها أربعة أمتار ونصف متر وعرضها ثلاثة أمتار ونصف أو يزيد قليلًا . وبالرغم من أن الصورة تظهر كما لو كانت تمثل فرقة من الجنود الأمسترداميين خارجين من مركزهم نهارًا , نظرًا لما وقع من أشعة النور على جانب من وجوههم ؛ إلا أن الظل والنور فى الصورة يعطي فكرة صحيحة عن قوة هذا العبقري ولمسة جمال التصوير فى ظلام حالك يخترقه شعاع من النور , فيزيد فى جلال التصوير بجوار الظلام الحالك . تمثل هذه اللوحة عشرين شخصًا لا ترى وجهًا يشابه الآخر , ولكنه مع هذا جعل الجزء منسجم فى الكل ومنا نسج فى المجموع ؛ فهو بتصويره على هذه السنة أشبه بملحن موسيقى يوزع قطعته على آلات موسيقية عديدة , جاعلًا
الانسجام الكلي متوفرًا بينهما ليتم بذلك الخلق الفني المنشود صورها رمبراندت فى فترة طويلة وأتمها سنة ١٦٤٢ ، وهي مع اتساع مساحتها مليئة بالإنشاء , لا ترى فيها فراغ إصبع دون معنى أو دون عناية , جعل الظل شديدًا والنور شديدًا hellpunkel فظهرت بألوانها الساحرة معجزة عصره
ومجموعته للصور الدينية كبيرة عظيمة من أهمها صورة ( بولص في السجن ) مؤرخة سنة ١٦٢٧ ومحفوظة باستوتجارت , وسمسون ودليلة سنة ١٦٢٨ ببرلين , والعائلة المقدسة سنة ١٦٣١ بميونيخ وتجهيز الصليب ١٦٣٣ بميونيخ أيضًا , وإنزال المسيح من الصلب ١٦٣٣ ، وضحية إسحاق ١٦٣٥ ببطرسبرج , وسيمون ينذر حماه , وصعود المسيح ١٦٣٦ ، وعائلة توبياس ١٦٣٧ باللوفر , وبعث المسيح ١٦٣٩ بميونيخ , وبحث العذراء عن المأوى ١٦٤٠ فىجروسفتور هاوس بلندن , والعائلة المقدسة باللوفر , وتضحية مانوا مؤرخة ١٦٤١ بدرسدن وهي أيضًا تكمل تعريفنا بفنان لا يمضي يوم دون ذكر اسمه فى عالم الثقافة والفن . انظر إلى وجهي القديسة والقديس وما بدا عليهما من فرط الخشوع والاستسلام . أما الملابس بثناياها وتفاصيلها , والدار والمدخل والسلم , فكلها بجانب ما ظهر على تكوين الملاك الصاعد شيء ثانوي ؛ صوَّره كما لو كان مسحوبًا من أعلى بإرادة خارقة , وتراه وقد تجرد عن الإرادة الذاتية صاعدًا دون مقاومة وصورة الزوجة الزانية أمام المسيح ١٦٤٤ ، والعائلة المقدسة ١٦٤٥ ببطرسبرج , وإبراهيم مضيفًا لملاك ١٦٤٥ ببطرسبرج
أيضًا , وسوزانا فى الحمام ١٦٤٧ ببرلين , وداود وشاول يعزفان الهارب بأامستردام , وأولاد يعقوب يحضرون لأبيهم القميص الملطخ بدم أخيهم يوسف ببطرسبرج , وعودة الابن المفقود ( وهذه أيضًا من أحسن لوحاته ) ببطرسبرج
أما الصور الطبيعية , والتي ظهر أنها لم تتجاوز الاثنتي عشرة ، فمن أهمها سورة الطاحونة وهي فى حيازة اللورد لانسدون , وصورة الرعد فى متحف براونشوايج , وصورة منظر جبلي على سفحه بعض خرائب وهي مؤرخة ١٥٦٠ يجاليرى كاسل , وصورة جبال وقع عليها ضوء القمر فجعلها تؤثر على الناظر تأثيرًا شعريًّا غريبا ومجموعته بالقلم الرصاص والريشة معظمها باللوفر وفينا , وبمتحف الصور اليدوية ميونيخ ورلين ودرسدن , وبالمتحف البريطاني , وبمتحف هارلم وأمستردام غير ما لدى الأثرياء ؛ وهي كلها تبلغ حوالى المائتين وستين صورة تصلح لأن تكون وحدها رسالة علمية فنية لحلقة فى سلسلة تاريخ الفن العام
ولا يحضرني الآن ما أقوله عن رمبراندت الخالد سوى قول شيللر : " إن الانتاج الفني الحق لا ينبغي أن يحيط بما هو خارق للعبادة من الناحية الاشتمالية البحت , ولكنه ينبغي أن يشمل ما هو خارق لها من الناحية التكوينية , التي بها يتأثر الإنسان بكليته ؛ على حين لا يتأثر إلى هذا الحد بالناحية الإنشائية التي لا تهم غالبًا
إلا الأخصاء ذوي الحاجة المحدودة "

