رمضان كريم ، وربما لم يُغدق على أية دولة من كرمه ما أغدق على الدولة الفاطمية . ولم تبالغ أية دولة في مقارضته كرمًا بكرم ما بالغت هذه الدولة .
لم يستهل رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، حتى كان الله قد فتح على الفاطميين مصر ذات الخير المستفيض ، بعد أن كانت جيوشهم قد تحطمت على حافة صحرائها مرارًا في مدى خمسين سنة قبل ذلك التاريخ ؛ ثم كان في رمضان أن أصبحت مركزًا لدولتهم المترامية الأطراف ، عندما انتقل إليها رابع خلفائهم المعز لدين الله ، واستقر في قصره بالقاهرة هو وأولاده وحشمه وخواص عبيده ، بعد أن خر ساجدًا لله وهم من ورائه ، لسبع خلون من
هذا الشهر المبارك سنة اثنتين وستين وثلاثمائة . وللنصف منه بدأ المعز يباشر أمور خلافته الواسعة من مركزها الجديد ، فجلس في الإيوان الجديد من القصر على سريره المذهَّب ، يستعرض الأشراف والأمراء والأعيان وكبار الموظفين ممن قدمهم إليه قائده جوهر قومًا بعد قوم ، وتقبَّل أمام الجميع هدية جوهر له من " ذخائر مصر " ، وكانت على ما ذكر المؤرخون المعاصرون أربعًا وثلاثين وأربعمائة دابة بين فرس مطهم ، وناقة بُختِيَّة ، وبغل مسرج ملجم ، ونجيب ؛ ثم نيف وتسعمائة ما بين صندوق ودرج وسفط ، حوت كل ثمين من الجواهر والأواني الذهبية والفضية ، ومائة سيف محلى بالذهب والفضة .
وكان لرمضان مركز خاص بين مواسمهم وأيامهم ، فكانوا يحيون كل ليلة من لياليه لا تفوتهم إحداها بدون إحياء . وكانوا يأتون فيه من ضروب البر والخير الشئ . الكثير ، مما كان يعم الرعية جميعها ، لا فرق بين الأغنياء والفقراء ، ولا بين الخاصة والسوقة .
فإذا بقى من شعبان ثلاثة أيام ، خرج القاضي يطوف على المشاهد والمساجد بالقاهرة ومصر ، مبتدئاً بجامع المقس ، ثم بجوامع القاهرة ، ثم بالمشاهد ، ثم بالقرافة ، ثم بجامع عمرو ، ليتأكد من عمارتها وإنارتها بالقناديل ، وفرشها بالنظيف من الحصر كرامة لرمضان . وكان يسير في ركاب القاضي خلق كثيرون ، منهم الموظفون الذين يريدون المباهاة والظهور ، ومنهم الطفيليون الذين يطلبون جمع العوائد من الناس ، ومنهم طلاب المرح يتصايحون بالأذكار والأناشيد .
واستنَّ الوزير الأفضل بن بدر الجمالي (٤٨٧-٥١٥ ه) أن تغلق في آخر جمادى الآخرة من كل سنة قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر ، وتختم ، ويحذر من بيع الخمر ؛ ثم عمم الوزير المأمون بن البطائحي هذا النظام في سائر أقاليم الدولة ، فكتب به إلى جميع ولاة الأعمال ، وأمرهم بالمناداة بأن "من تعرض لبيع شئ من المسكرات ، أو بشرائها ، سرًّا او جهرًا في رمضان ، فقد عرَّض نفسه لتلفها ، وبرئت الذمة من هلاكها " .
وكان الخلفاء الفاطميون يعظمون رمضان تعظيمًا بالغًا في الروعة ؛ ففي أول يوم من رمضان يرسل الخليفة إلى كل واحد من الأمراء وغيرهم من أرباب الرتب والخدم ، وإلى كل واحد من أولادهم ، وإلى كل واحدة من زوجاتهم طبقًا فيه حلواء ، وفي وسطه صرة من ذهب ، فيعم بذلك سائر أهل الدولة خير عميم .
ويركب الخليفة في يوم أول رمضان (١) بموكب رائع ، وقد امتطى أكرم الجياد وتزيا بأفخم الزي ، ونشرت مظلته بجانبه من لون ثيابه ، يحف به وجوه دولته كل على حسب مرتبته ؛ وحملة المباخر على الجانبين ، وصفوف العساكر فارسها وراجلها بزيها وزينتها عن يمينه وعن شماله ، والموسيقى تصدح على طول الطريق . ويخرج بهذا الموكب
من باب الذهب (أحد أبواب القصر) إلى باب الفتوح ، ويسير الموكب خارج أسوار القاهرة إلى باب النصر ، فيدخل المدينة منه ثانية ثم يتوجه إلى القصر . وقد قام تجار القاهرة بتزيين طريق للوكب كل على حسب تجارته ، فيشترك في ذلك الجوهريون والصيارف والبزَّازون (تجار الاقمشة) وغيرهم طلبًا للبركة بنظر الخليفة ، واحتشد على جانبي الطريق خلق كثيرون من القاهرة ومصر يحيون الخليفة ويتبركون بالنظر إليه . وبدرات الدنانير والدراهم تنثر أمام الخليفة فيعم فيضها الرعية . فإذا بلغ القصر دخله من باب الذهب أيضا فيلقاه المقرئون بالقرآن الكريم على طول الدهاليز إلى أن يدخل خزانة الكسوة ليغير ثياب الموكب .
وكان للخليفة الفاطمي عادات ورسوم تبدأ بابتداء رمضان ولا تنتهي إلا بانتهائه . ففي أوله توزع الكسوات من دار الكسوة على الأمراء والوجوه وكبار الموظفين والفقراء كل على حسب مرتبته . ويصرف من دار التوابل برسم الجامع الأزهر والجامع الحاكمي مقادير هائلة من الند والبخور . وفي منتصفه ينتقل الخليفة ومعه الوزير وبعض الخواص إلى دار الفطرة ، حيث السكر والعسل والزعفران والطيب والدقيق والفستق ، إلى غير هذا كله من مواد صناعة الحلوى ، فيجدها في الحواصل " معبأة مثل الجبال " . فيقسم كل صنف إلى أكوام تختلف في الوزن ، فمن ربع قنطار وهو أكبرها ، إلى عشرة أرطال ، إلى رطل واحد وهو أقلها . ثم ينصرف الخليفة ومعه الوزير بعد أن ينعم على مستخدمي الدار بستين دينارًا . ويوجه صاحب الديوان من معه من الكتاب المسلمين إلى دار الفطرة ، ومع كل واحد منهم قائمة بأسماء طائفة من أرباب الرسوم وأمام كل اسم مرتبته . ويبدؤون التفريق ، فيحمل الفراشون نصيب كل شخص إلى بيته
في صينيات كبيرة أو صغيرة على حسب مقام الشخص ومع كل صينية رقعة من كاتب الديوان فيها كلمة بليغة تناسب المقام . ويثبت أمام كل اسم في القائمة اسم الفراش الذي حمل إليه رسمه حتى لا يضيع شيء . ولا يزال الفراشون يخرجون بالصينيات ملأى ويدخلون بها فارغة إلى أن ينقضي شهر رمضان " ولا يفوت أحدًا شيء من ذلك ، ويتهاداه الناس في جميع الأقاليم . وتبلغ قيمة ما يفرق من دار الفطرة سبعة آلاف دينار.
ويمد السماط بقاعة الذهب من قصر الخليفة ، ابتداءً من اليوم الرابع من رمضان إلى نهايته ليلة ليلة . ويدعى إلى هذا السماط طبقات الموظفين والأعيان وطائفة من الأمراء كل ليلة بالنوبة حتى لا يحرموا الإفطار مع أولادهم ، ويُدعي قاضي القضاة ليالي الجُمَع فقط توقيرًا له.
وإذا حضر الوزير جلس في الصدر ، وجلس الجميع منه كل بحسب مرتبته ، وإن لم يحضر أناب عنه أخاه أو ابنه . ويمتد السماط بطول القاعة العظيمة فيكون طوله ١٧٤ مترًا وعرضه أربعة أمتار . " ويهتم فيه اهتمامًا عظيما تامًا بحيث لا يفوته شئ من أصناف المأكولات الفائقة والأغذية الرائقة" . ويقوم الفراشون بخدمة الآكلين ويحضرون لهم كيزان الماء المبخر . وعندما يحضر الوزير على السماط " يخرج إليه مما هو بحضرة الخليفة وكانت يده فيه فيه ، تشريفًا له وتطيبًا لنفسه ، وربما حمل لسحوره من خاص ما يعين لسحور الخليفة نصيب وافر " . ويأكل كل من الحاضرين ما يقدر على أكله ويطيلون في ذلك نظرًا لتعدد الألوان ، فلا ينفصلون عن السماط إلا بعد العشاء . ويأخذ كل واحد منهم لعياله ما يقدر على حمله " فيأخذ الرجل الواحد ما يكفي جماعة " . ويقول المؤرخون إن هذا لم يكن معيبًا ولا منتقدًا ، لأنه كان يؤخذ على سبيل البركة ، لا على سبيل الجشع والنهم . ويصل من السماط الشئ الكثير إلى
أهل القاهرة من بعض الناس إلى بعض . ويتكرر هذا السماط كل ليلة إلى آخر رمضان . ويبلغ ما يتكلفه هذا السماط مدة سبعة وعشرين يومًا ثلاثة آلاف دينار.
ومتى أفطر الخليفة جلس في الروشن (الكوة) إلى وقت السحور ومعه الوزير والأمراء وعِلية القوم . ويأخذ المقرئون يرتلون القرآن ويطربون به على مرأى منه . ويحضر المؤذنون فيكبرون ويذكرون فضائل السحور ويدعون للخليفة . ثم توضع المخاد للوعاظ ، فيذ كرون فضائل رمضان ويمدحون الخليفة ، وينشدون الصوفيات .
ثم ينقضي دور العبادة ويأتي دور اللهو فيبدأ الرقص ويستمر إلى ما بعد منتصف الليل . فتقدم إلى الجميع جفان القطائف وجرار الجلاب ، فيأكلون ويشربون ويملأون أكمامهم ، ويوزع عليهم أحد الأستاذين ما أنعم به الخليفة عليهم . ثم يجلس الخليفة إلى المائدة يحيط به خاصته ومن حضر السهرة معه . وتكون المائدة معبأة من أصناف الحيوان والحلوي من بقلويات وقطائف وغيرها ما لا يحصي . ويومئ الخليفة فيأكل كل من الحاضرين ما يقدر على أكله ، ويحمل معه ما يريد " على سبيل البركة لأولاده وأهله ، لأن ذلك كان مستفاضًا عندهم غير معيب على فاعله " . وكل من تناول شيئًا قام وقبل الأرض أمام الخليفة وانصرف .
وفي التاسع والعشرين من رمضان يحتفل احتفالًا رائعًا بنهاية الشهر وختم القرآن الكريم . فيحضر الوزير ويتناول طعام الإفطار مع الخليفة ، ويجلس معه في الروشن يسمع المقرئين والمؤذنين وقد جلسوا تحت الوشن عادتهم كل ليلة يتلون ويطربون ويكبرون ويدعون للخليفة . وترسل السيدات من كرائم البيوتات وأهل القصور موكبيات وأواني مملوءة ماء وملفوفة في الديباج ، وتوضع في وسط المقرئين لتشملها بركة ختم القران الكريم . وفي
هذه الليلة الختامية يرتل المقرئون جميع القرآن من فاتحته إلى خاتمته . ومتى ختم القرآن حملت أواني الماء إلى دور أصحابها فيتهاداه الناس على سبيل البركة . ثم ينشد المؤذنون الصوفيات ويهللون ويكبرون إلى أن تنثر عليهم الدنانير والدراهم من الروشن . ويقدم من القطائف والحلوى أضعاف ما يقدم كل ليلة فيأكلون ويملأون أكمامهم . ثم يخرج أستاذ بما يخلع الخليفة على الخطيب والمقرئين والمؤذنين فيأخذون ذلك وينصرفون داعين مكبرين .
هكذا كان يحتفل برمضان في القصر الفاطمي . وعلى هذا النحو المتقدم - بل و أكثر منه - ما كان يصيب الشعب من الخير العميم في هذا الشهر المبارك . فإذا أضفنا إلى ذلك أن الوزراء والأمراء والأعيان وكبار الموظفين
كانوا يحاكون الخليفة كل على قدرة موارده ، وأن الطبقة المتوسطة من الناس تميل إلى محاكاة الخاصة ، عرفنا إلى أي حد بلغت عظمة الاحتفال برمضان ، وإلى أي مدى عم البر والإحسان طبقات الشعب في أيامه المباركة ؛ وأمكننا بهذه المعرفة أيضا أن نتتبع أصول يا أدركنا بقاياه من مظاهر تعظيم هذا الشهر ، التي كادت تختفى وسط عجيج المدنية الحديثة ، التي طغت فيها " القهوة " على " المضيفة " والمغنون على المقرئين ، والمنكرات على " القطائف وجرار الجلاب " ، واستغرقت كمالات الترف ما كان مخصصًا لضرورات الزكاة ، وأكل التزاحم على الجاه والمناصب وحطام الدنيا ما أودعته الفطرة الحكيمة في القلوب من نبيل العواطف وكريم التآلف والتعاطف .
