قال الكاتب : إن هذه القصة سجل حوادث وقعت لرجل كان نزيل مستشفى من مستشفيات الأمراض العقلية . وقد جئ به إلى هناك لجريمة اجترمها . فهو إذا نزيل من النزلاء المجرمين .
وقد سجلت هذه المذكرات وفقا لرغبة أبداها ( بيتر إبتسون ) وهو فى ساعة الاحتضار . وطلب أن تنشر تلك المذكرات كما كتبها كأنها أول مرة .
ولذلك فإن ( مادج بلنكت ) وهي المرأة الوحيدة من قريباته التى عاشت بعده ، لم ترض للقصة أن تنعم براحة الموت .
واستعرضت تلك المرأة ذكرياتها عن ( بيتر إبتسون ) الذى عرفته يوم كان طفلا فى المهد ، فقالت : إنه كان طفلا لم تر عيناها أجمل منه أبدا . وكان لطيف الروح . وكان ظريفا ذكيا .
وفي النسخة المخطوطة التى تركها لها بطل القصة تناولت ( مادج ) الأسماء بالتغيير والتبديل ، ونالت من بعض الحوادث التى لا غناء فيها بالحذف والبتر ، وهى - فيما خلا هذا - قد أبقت الرسائل كما جرى بها قلم كاتبها .
وكان اسم صاحبنا أول أمره ( بيير باسكييه ) لا ( بتر إبتسون ) كما تسمى فيما بعد . وقد عاش أيام طفولته الأولى فى مدينة ( باسى ) وهى ضاحية من ضواحى باريس ، وكانت تلك السنون مليئة بالخير والبركة . فكان هناك أقرباؤه وقريباته الذين تسربلوا بالجمال . وكان هناك جيرانه الذين
ملئوا ظرفا ورقة . وكان هناك أنداده ولدانه في اللعب ، وهم مثال البهجة والوداعة .
وقد صحبت ذكريات تلك السنين فتاءا فى مراحل حياته . فكانت له تلك الذكريات كأشعة الشمس التي تضئ فى داج من الظلم .
وكانت كلما مرت بخاطره تذكر تلك الأغنيات الفرنسية الحلوة التى تعرج بالمرء إلى أبواب السموات العلى . ثم تذكر تلك الحديقة التى كانت مراتع آرامه ، ومراد أحلامه . ثم تذكر تلك البركة ، بركة ( أوتى ) التي كأنما كان ماؤها فضة ذائبة ، والتى كان يراها أكثر برك العالم إحاطة بالأسرار .
وكان أحب أصحابه إليه ، وأبرهم به ، وآثرهم عنده ، هم (آل سيراسكيه ) فكان الدكتور ( سيراسكيه ) وزوجته الإرلندية ، البارعة الشكل ، اللطيفة التكوين ، وابنتهما ( ميمى ) الجريئة القدام ، على الرغم مما بها من عزال - كان أولئك الثلاثة كأنهم قومه وأهله .
وكان ( جوجو ) هو اللقب الذي كان يتسمى به الصبى . وكانت الفتاة (ميمى) تحب ( جوجو ) عدد النجم والحصى والتراب .
وكان ( آل باسكييه ) والمحيطون بهم يؤلفون فيما بينهم حلقة ، فيها الجمال , وفيها الخير , وفيها السعادة .
ولكن الدهم عصف بسعادة الصبى وهناءته يوم قتل أبوه و هو يقوم بتجربة اختراع له ، كان يأمل أن يعود عليه بالثراء العميم .
ثم لحقت به ( مدام باسكييه ) بعد حين ، فبقى الصبى يعانى مرارة اليتم .
ثم انتقل ليعيش في كنف أحد أقرباء أمه ، هو (الكولونيل روجر إبتسون ) الذى كان قد أحب فيما مضى ( مدام باسكبيه ) ، ولكنه خسرها ليظفر بها والد ( جوجو ) .
أما الفتاة ( ميمى ) ، فقد كاد الحزن يقتلها يوم فارقها ( بيير ) وانتقل إلى انجلترا .
وأصر القيم عليه أن يلحقه بنسبه ، فأصبح الصبى (جوجو باسكييه ) يسمى باسم ( بيتر ابتسون ) .
ولقى الصبى فى انجلترا صنوفا من الذل ، وذاق ألوانا من الشقاء ، فكان يكره الوصى عليه كرها شديدا ، ذلك لأنه كان رجلا وضيعا يتعاظم ، وكان مختالا فخورا ، وكان يجمع بين اللؤم والخسة ، وكان - كما عرف الصبى يوم كبر - خليعا فاجرا . فقد طالما رمى المحصنات الغافلات بهتانا وزورا ، وقد طالما ثلم عرض من لم يدنس بالحنا عرضهن .
واتفق له أن راقص ذات مرة أرملة شابة ، وكانت من السيدات الفضليات ، ثم قامت بينهما أواصر الصحبة ؛ فلم يكتف بأن يخلف وعده لها بالزواج ، بل زاد على ذلك بأن رماها كذبا بأشنع التهم . ولما بلغ ( بيتر ) مبلغ الشباب خلف وراءه هذا الرجل وسافر ليلتحق جنديا يخدم سنة واحدة فى جيش الملكة كواحد من الفرسان .
ولما انقضى أجل الخدمة تتلمذ على مهندس معمارى اسمه ( مستر لتتوت ) وظل معه يدرس ويعمل في مدينة ( نبتونفيل ) وهى تلك المدينة الصغيرة التى رانت عليها الكآبة .
وشب ( بيتر ) فتى ، وضئ الطلعة ، صبيح الوجه . وضاح المحيا ، سبط القوام ، سوى الخلق ؛ ولكنه كان بجمع إلى ذلك حياءً شديدا ، وفرط إحساس ، فأصبح
بمنأى عن الخلان والأصحاب . وكان يحس لذلك شقاء لا حد له ، وكان يذم الناس والزمان ، وكان عن نفسه غير راض .
ثم علق بالفنون . ولكن ماذا تفعل الفنون بمن انقطع عن الناس ، وانقطع عنه الناس ؟ .
واتفق له أن رأى لأول مرة ( دوقة تورز ) وذلك يوم كانت فى حفلة راقصة ، قامت فى بيت من بيوت الارستقراطية ، وقد جن الفتى بالدوقة لأول نظرة ، وفتن بها ، وأصبح عبد هواها ، ولكنه لم يتحدث إليها ، ولم يكن يأمل أن يراها مرة أخرى ، ولكنها - على الرغم من ذلك - قد ملكت عليه لبه ، فكان يراها فى أحلام اليقظة ، وكان يراها إذا غفا وأخذته سنة من النوم :
(تملك القلب هوى بروح فيه ويحى )
وأخيرا استطاع أن يجمع مالا يستطيع به السفر إلى فرنسا . فلما عاد إلى ( باسى ) وهي تلك الضاحية التى شهدت مباهج طفولته ، لم يعرفه أحد غير ذلك الضابط الشيخ الذى كان يقص عليه الأقاصيص أيام طفولته .
وفي باريس رأي ( دوقة تورز ) التى شغفته حبا ، رآها وهي تسوق عربتها , و ظن أنها قد عرفته .
فلما جن الليل رأى فى المنام رؤيا صادقة ، رأى أنه التقى بالدوقة وأنه تحدث إليها ، ورأى أنها علمته كيف يحلم أحلاما تتحقق ، ورأى أنه قد كر راجعا إلى أيام طفولته ، وأنه رأي ساعتئذ أنه لمس قميص أمه ، فاختفى شبحها ، واستيقظ هو من نومه .
ومنذ تلك الليلة أصبحت به قدرة على أن يخلق لنفسه - كلما أراد - دنيا غير دنياه هذه ، وأن يعود إلى الأيام السعيدة التى كان ينعم بها .
ولما عاد إلى لندن تلقى دعوة إلى مأدبة تقام في البيت الذى لقى فيه الدوقة لأول مرة ، وعلم أن ( مارى تورز )
لم تكن إلا الآنسة ( سيراسكييه ) وهي ليست إلا صغيرته ( ميمى ) بعينها وبذاتها . وفي حديث له مع الدوقة أعلن لها - غير عامد - أنه ( جوجو ) الصغير قد شب وكبر . ولكن ( مارى ) كانت أقل منه دهشة ، ذلك لأنها قد تبينت فيه مشابهة لجوجو عندما التقيا أول مرة . ودهش كلاهما إذ علما أن رؤياه فى الليلة السابقة ، وهى أنه التقى وإياها فى باريس ، قد رأتها هى فى منامها .
وباحت له ( مارى ) بمكنون سرها ؛ فقالت إنها لم تنس حبه أبدا ، وإنها ظلت تذكره على مر الأيام ، وإن رؤيا حبها له في طفولتها قد كانت لها عزاء في إيان محنتها ، يوم تزوجت وغدا سكيرا ، ويوم رزقت بولادة طفل معتوه .
ثم افترقا ، وعاد ( بيتر ) إلي عالم شقائه ، تعمر رأسه الخواطر عن ( مارى ) ، ولكنه فارق دنيا أحلامه ، يوم فارقها .
وفي تلك الآونة رأته ( مسز دين ) ، وقد أصبحت ( مسز جريجورى ) ، وكان يمشى وحده ، وأرته خطابا أحست هى أن لا بد له من قراءته .
وكان الخطاب قد بعث به إليها ( الكولونيل إبتسون ) ، وقد ضمنه كذبة خبيثة مؤداها أن والدة ( بيتر ) كانت عشيقته ، وأن ( بيتر ) كان ولده غير الشرعى ؛ فجن جنون ( بيتر ) من الغيظ على ما نال أمه من فضح وتعيير .
ثم مشى ( بيتر ) إلي ( الكولونيل إبتسون ) وفي يده الخطاب ؛ فلما واجهه ( الكولونيل ) بالتعبير والحط من قدر أمه ، أهوى عليه بضربة من عصاه فكانت الضربة القاضية .
وأبى ( بيتر ) أن يعيد على مسامع المحققين ألفاظ التعبير التى رميت بها أمه ، والتى كانت السبب في اعتدائه على (الكولونيل ) ؛ فلم ير القضاة له عذراً محققا , فحكموا عليه بالقتل . ولكنه فى الليلة التى صدر فيها الحكم عاودته أحلامه ،
فرأى في المنام ( مارى ) فأخبرته أن الحكم سوف يخفف إلى عقوبة السجن مدى الحياة ، وأنبأته كذلك أن زوجها وولدها الصغير قد ماتا ، وأنها وإن تكن تفصلها عن ( بيتر ) جدران السجن ، فإنهما يستطيعان أن يلتقيا فى عالم الرؤيا .
وقد تحقق ما أنبأته به ( مارى ) ، وعاش ( بيتر ) فى السجن خمسة وعشرين عاما , وهو سعيد غاية السعادة ؛ فكان يلتقى وإياها كل ليلة فى ذلك البيت الجميل الذى كان يضمهما وهما طفلان . ثم توافقا - فى المنام - على لغة سرية ، كانا يتراسلان بها .
ومرت تلك السنون السعيدة ، مر السحاب ، وبرع كلاهما فى فن الأحلام براعة لا حد لها ، حتى لقد استطاعا أن يجعلا الدهور تكر بهما راجعة إلى ديار أسلافهما الأقدمين فينعما معا بلقاء الأجداد والآباء والتحدث إليهم .
ولكن باب السرور قد تغيب مفتاحه يوم ماتت ( مارى ) ، فذهب الحزن بعقل ( بيتر ) فاعتدى على حراسه ، فنقل من السجن إلى مستشفى المجاذيب .
وأصابته حمى مخية وتمنى الموت ، ولكنه لم يمت ، ثم عاودته نوبة الحلم ، وكان في أحلامه الماضية يرفل دائما فى حلل الشباب ، وهو اليوم قد تاله الكبر ، فأصبح يرى فى منامه أنه شيخ متهدم ، يهيم على وجهه فوق شواطئ بركة ( أوتى ) ، وأن امرأة عجوزا تنتظره هناك ، وأن تلك العجوز هي ... مارى ... ! وانها قد عادت إليه من العالم الآخر لتوصيه بالصبر ، وبالتعلق بالأمل ؛ فمن يدرى ! فلعلهما أن يلتقيا مرة أخرى ...
وكذلك عاش هو بقية حياته ، وغذاؤه الأحلام ! فكان في كل ليلة يعود بذاكرته إلى تلك المغانى التي أحب ، وكان طيف ( مارى ) يزوره حينا بعد حين ، فكان يحس بالسعادة تغمره كما عاوده الأمل : أن قد يجمع الله الشتيتين ... ( عن الإنجليزية )

