كان " دو مورييه ، مؤلفا ، وكان رجل فن ، ولد في فرنسا عام ١٨٣٤ ، وهناك درس الفنون ، ومات أبوه عام ١٨٥٦ فانقطعت بوفاته دراساته ، ثم عاد فاستأنف دراسة الفنون في باريس ، ثم في انتورب .
وسافر بعد ذلك إلى ) إنجلترا حيث عمل في تزبين الكتب والمجلات الإنجليزية كمجلة ) بنش ( وغيرها بالرسوم والصور . ومات في لتدن عام ١٨٩٦ إثر نوبة قبية ، وكان قبل ذلك قد تجنس بالجنسية الإنجليزية .
وهذه القصة نشرها الكاتب عام ١٨٩٤ ، وهي قصة تتحدث عن حياة الفنون والآداب في انجلترا وفي البلاد الأوربية في الجيل الذي سبق جيله ، يقصها صاحبها وقد شارك في حوادثها ثم اختزنها في ذاكرته .
والصفحات الأخيرة منها تقوم مقام الحاشية ، وقد كتبت بعد عشرين عاما من تاريخ إتمام القصة ، وهو يقص فيها مصير أشخاس كانت لهم في القصة أدوار هي في المقام الثاني ، أما الفائدة المستفادة من الرواية فتنتهي بانتهاء حياة ) ترلبي ( .
قال الكاتب : في منتصف القرن الماضي كان " الحي اللاتيني " في باريس كعبة يحج إليها كلإ شاد من شداة الفنون ، ولا يزال هذا الشأن شأنه إلى يومنا هذا ؛ ففي يوم ماطر قد اعتدل هواؤه من أيام شهر إبريل كان ثلاثة رجال من الإنجليز يعملون في مرسمهم الذي أقاموه وأثثوه منذ زمن قريب في ميدان ) سانتانائول " راعي الفنون " ( ، وكان أحدهم واسمه ) تافي ( رجلا طوالا ، متين البنية ، صلب العضل ، وكان من أهل " بور كثير " ، وكان قد شارك من قبل في حرب الفرم ، ولكنه لما كان محس في نفسه ميلا إلى الفنون لا قبل له يصده ؛ فقد ترك الجيش وولى وجهه شطر باريس ، وهو الآن يتخذ التصوير مهنة له .
وكان ثانيهم اسمه ) لورد كوكبن ( ، وهو وجيه استكتلندي من أصل عريق ، دفعه ولعه برسم صور مصارعي الثيران إلى الرحيل إلى باريس .
وكان ثالثهم رجلا بناه الله بناء قويا ، وجمله بالظرف والذكاء ، ففاق بهما صاحبيه الآخرين الذين كانا يكبرانه سنا ، وكان اسمه ) بللي ( ، وقد تلقى تعليمه في البيت ، أما أمه وأخته الأرمتان فقد كانتا تعيشان في " ديفو نشير " .
وكان ) تافي ( يحب ) بللي ( الصغير ، ويحنو عليه لملاحته وسذاجته ، وفي أصيل يوم من الأيام زار الثلاثة الانجليز رجلان هما : الموسيقى ) سفنجالي ( ونجيه وصفيه ) جكو ( وكان هذا رجلا غريب الأطوار .
أما ) سفنجالي ( فقد كان طويل القامة ، وثيق التركيب يبدو من مظهره أنه من اليهود ، وكان زري الهيئة ، زري الملبس ، يتكلم الفرنسية في طلاقه تشوبها لكنة ألمانية ، وكان يسحر سامعيه إذا عزف مقطوعات ) شوبان ( .
وعلى حين غفلة من القوم سمع دق شديد على الباب ، وتبعه صوت جهوري يقول : خذوا اللبن ! ومشت إلى داخل البيت فتاة صغيرة ملتفة في رداء من أردية الجنود الفرنسيين ويبدو من ثنايا الرداء قميص قصير مخطط ، ونظر الرجال فرأوا محيا جميلا ، ورأوا في مظهر الفتاة البساطة المحببة ، كما رأوا في حديثها الفكاهة الحلوة التي جعلتها تلقى التأهيل والترحيب أينما ذهبت .
وقدمت الفتاة نفسها باسم ) ترلبي أوفيرول ( وسرعان ما علموا أنها تعمل ) نموذجا ( عند مصوري الحي . وأنها
اشتهرت بجمال قدميها ، ولكي تدخل على الرجال السرور غنتهم أغنية قديمة ، وهي وإن كانت تلتزم في غنائها أصول الفن ، فإنها قد أدهشت القوم بجمال صوتها ، وبدا على ) سفنجالي ( بصفة خاصة أنه قد تأثر بهذا الصوت الجميل . ومضى ينبئ القوم أنه معني بالغناء ، وأنه مولع بأن يصبح مغنيا .
وزارت ) ترلبي ( المرسم بعد ذلك مرارا ، فعلم القوم ملها أن أباها وأمها قد ماتا وأنها تعني بتربية أخيها الصغير وأن أباها كان رجلا مثقفا ، طيب الأرومة ، كريم المجد ، وأنه أولع بالخمر فقضت عليه وأسكنته القبر ، وأن أمها كانت فتاة اسكتلندية كانت يوما ما ) خمارة ( في باريس . وهذه الفتاة ) ترلبي ( لم تكن مبرأة من الشوائب .
وكان ) سفنجالي ( كلما رأى ) ترلبي ( في المرسم يحاول إقناعها ، لتأذن له في تدريب صوتها ، ولكنها كانت تسخر منه ، وتهزأ بمهارته ، وكانت تراه بغيضا ثقيل الظل .
وكلا زادت معرفة ) ترلبي ( بالرجال الانجليز زادت أواصر الود بينها وبينهم ، فكانت تطهو لهم طعامهم حينا ، وكانت ترفو جواربهم أحيانا ، وكانت تعنى بترتيب المرسم ، وكانوا يصحبونها في رحلاتهم إلى الريف كلما رحلوا .
أما ) سفنجالي ( فما فاتته الفرصة يوما في التحدث إليها . وكان يدعي الحب لها ، وكان يخيفها بقصصصه التي تبعث الرعب ولولا فضل ) بللي الصغير ( و ) تافي ( على الفتاة لأذاقها ) سفنجالي ( المر ألوانا .
وفي ذات صباح كان ) بللي الصغير ( يسير إلى الفصل الذي تتخذ فيه الأجسام الحية نماذج للتصوير ، فإذا به يرى ) ترلبى ( تقف ليصورها المصورون وهي عارية ، فأسرع بالخروج من الفصل ، وبعد قليل أمسك به إخوانه وهو في طريقه إلى المحطة . وكل ما استطاع أن يقوله تبريرا لسفره أنه ذاهب إلى ) باربيزون ( - وهي إحدى ضواحي باريس - ليصور مناظر الطبيعة هناك .
وبعد أيام حدثته ) ترلبي ( حديث وقوفها ذاك ثم لم تلبث أن أقلعت عن هذا العمل ، وعادت إلى عملها القديم عمل الغسالات .
وكان ) تافي ( وكان ) اللورد ( يعرفان أن ) بللي الصغير ( قد شغف حبا بترلبي كما كانا يعرفان أن ) ترلبى ( مغرمة مستهامة ببللي. وقد سمعاه - وهما يمشيان الهوبنا في الخلاء يطلب إليها ان تتزوجه فأبت أن تجيبه إلى ما طلب .
وفي يوم عيد من أعياد الميلاد طافوا معا ببيوت أصحابهم حيث ) تغدوا وتعشوا . وقد بدأ العشاء في الساعة العاشرة مساء وظل القوم يسمرون إلى صباح اليوم التالي . وكانت فرصة مواتية لها خطرها وشأنها عند ) بللي الصغير ( ذلك لأنه اقترح يومئذ للمرة التاسعة عشرة أن تتزوجه ) ترلبي ( وفي هذه المرة اجابت بالقبول . ولأول مرة في حياته كان قد سكر .
وفي يوم رأس السنة كان ) تافي ( واللورد يعملان في الرسم ، إذ جاءتهم ربة البيت تعلن قدوم زائرين . وكان أولئك الزائرون هم والدة بللي الصغير وصهرها ، ومعهما رجل من رجال الدين ، هو القس ) توماس باجوت ( .
وقد سألوا ) اللورد ( كما سألوا ) تافي ( أسئلة يتقصون فيها أنباء ) ترلبي ( . وبينما القوم يسألون أسئلتهم دخلت ترلبى ( فعرفتها امرأة القسيس
وأعلنت الفتاة أن قبولها الزواج ببللي الصغير كان خطأ كبيرا . ووعدت أن تتخلى عن صاحبها . فلما غادرت ) ترلبى ( المكان أعلنت زوجة القس أنها جد سعيدة لأنها وفقت فيما ندبت نفسها له وهو فض العلاقة بين ) ترلبي ( ) بللي (
وفي صباح اليوم التالي وصل خطاب من ) ترلبي ( إلى تافي ( وكان خطاب توديع تمس كلماته جوانب القلب . وقد ذكرت في خطابها أنها قد أخطأت ، وانبأنه أنها مرتحلة إلى باريس وفي صحبتها أخوها الصغير . ولم تقل في الخطاب أين تتوجه وتسعى .
ولما عاد ) بللي الصغير ( إلى باريس وحدثه المحدثون بما جرى تساقطت نفسه غما وأسفا . وزفر زفرة كاد ينشق لها . ومرض مرضة شديدة . فلما أبل بعد شهور رجع إلى ) ديفو نشير ( وفي صحبته أمه وأخته .
وانقطعت أخبار ) ترلبي ( وعلم ) تافي ( بطريق غير مباشر أن أخاها قد مات على أثر مرضه بالحمى القرمزية .
ثم انقضت سنوات خمس وإذا بالصور التى صورها ) وليم باجوت ( وهو الاسم المستعار لبللى الصغير قد جعلته ملء سمع الدنيا في أندية الفن في أوربا . ولكنه منذ مرض لم يعرف الحب الطريق إلى قلبه . فقد ماتت تلك العاطفة التي اسمها الحب ، فلم يتزوج صاحبنا ولم يحب .
وفي تلك الأثناء كانت حواضر البلاد الأوربية قد جن جنونها إعجابا بمغنية جديدة اسمها ) لاسفنجالي ( .
وفي باريس رئى ) بللي الصغير ( مرة أخرى في صحبة ) اللورد ( و ) تافي ( وقد جاءوا ليسمعوها وهي تغني وفي ليلة الغناء احتلوا مكانهم مبكرين . فلما دخلت جوقة الموسيقى رأوا أن عازف الكمان الأول هو صديقهما القديم ) جكو ( . وبعد قليل خرج ) سفنجالي ( ليقود الجوقة وهي تعزف ، وكان يبدو عليه أن الزمن ، وأن العيش الرغيد ، قد كان لهما أثر بالغ الحسن . وكأن عصا سحرية قد أحالته رجلا بادي السعادة .
ولما رفع الستار برزت امرأة في ملابس موشاة بالذهب على الطراز القديم . وكان وجهها معروفا بادي الشحوب . ولكن تبدو عليه آيات الحنان والرفة وأمارات الحلاوة والبساطة
وكانت تلك المرأة هي ) ترلبي ( حينها . وليس في مقدور الكلمات أن تؤدي وصف الأداء المتقن التى كانت تلك المرأة تؤدي به مقطوعاتها ، ويبدو أن قوى من قوى الجن قد رفعت من شأن تلك الأغنيات القديمة الساذجة التي كانت تغنيها ، وكأنها في نغماتها وألحانها كانت تناجي حبيبا غائبا وتناديه .
وفي اليوم التالي بصرت عين ) بللي الصغير ( بسفنجالي في مكتب البريد ، فلما خرجا تقدم ) بللي ( إليه يحدثه ، فكان جواب ) سفنجالي ( أن سبه وبصق في وجهه . وفي تلك اللحظة كان ) تافي ( يصعد السلم مسرعا فبادر ) سفنجالي ( باللوم واللطم .
فلما عاد ) اللورد ( و ) تافي ( إلى لندن لم يكونا يفكران إلا في أمر ) ترلبي ( ، وكان محبو الغناء في لندن ينتظرون ليالي غنائها بصبر نافد.
وقبل موعد الغناء شاع في الناس الخبر أن ) سفنجالي ( قد أصابه جرح قاطع من مدية طعنه بها ) جكو ( أثناء إحدى التجارب التمرينية
وفي ليلة الغناء ترقب الأصدقة ، الثلاثة أن يروا ) سفنجالي ( يقود الخوقة الموسيقية كما كان يفعل ، ولكنه كان غائبا ، ولم تستطع الفتاة أن تؤدي دورها في الغناء مقودة بمن قام مقام ) سفنجالي ( ، وكانت هذه دسيسة دسها ) سفنجالي ( للفتاة ليحط من قدرها ، وضج السامعون ، وكانت هذه آخر دسيسة من دسائس ذلك الرجل ؟ فإنه ما كاد يفارق المسرح حتي وقع مغشيا عليه ومات لساعته بالسكتة القلبية
وسرعان ما أخذ الصاحبان ) بللي الصغير ( و ) تافي ( يعنيان بأمر ) ترلبي ( ولكن الأطباء كانوا من برئها بائسين ، وكانت تتحدث عن ) سفنجالي ( كصديق قديم ، وكانت تقول لمن حولها إنها لم تحب في حياتها إلا حبيبا واحدا ، ذلكم هو ) بللي الصغير ( .
وكان موتها مصبية كبرى نزلت نزول النائبات على كل من عرفها ، ولكن ) بللي الصغير ( كان أشد الناس جزعا ، فبات لا يملك دمعه ، ولا يملك قلبه ، وما لبث أن لحق بها بعد قليل .
وبعد بضع سنين - وكان ) تافي ( قد تزوج بأخت ) بللي الصغير ( - لقي في طريقه إلى باريس ) جكو ( فأنبأه هذا كيف درب ) سفنجالي ( الفتاة ) ترلبي ( على الغناء ، فكان هو العقل المفكر ، وكانت هي الأداة التي تؤدي ما يلهمه ذلك العقل ، وبعد مران طويل أمكنه أن يحيطها بما يشبه الرقية ؛ ولكن المران الطويل المضني ، وما يسببه الغناء من عناء وجهد قد أضرا بصحتها أبلغ الضرر . . ( عن الإنجليزية )
