الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 483الرجوع إلى "الرسالة"

رواية "فاطمة البتول" لمعروف الأرناؤوط

Share

يضطلع الشام الآن بحصة وافية من النهضة الأدبية العربية  على الوجه الذي يحمل بتاريخه العريق

ومن أدباء الشام المبرزين في هذه النهضة الأستاذ معروف  الأرنؤوط صاحب رواية "فاطمة البتول " ، التي نحن بسبيل  الحديث عنها

يسرد المؤلف في روايته قصة الحسين بن علي منذ تلفت  إلى الخلافة لفتة الأمل إلى أن قضى في سبيلها نحبه. ويبث  المؤلف في جنبات القصة سيرة الحسين، وأشتاتاً من أخلاق  جده النبي صلى الله عليه وسلم وأمه الكريمة وآله الطيبين،  معتمداً على المراجع التاريخية العربية المعتادة، مسترفداً أحياناً  من أمهات كتب الأدب وعلى حوافي قصة الحسين  وآله قصة زوجين عذريين هما نموذج فذ للتعاطف والتحاب،  أدناهما الزواج بعد عشق مبرح، فجاءا البلاد المقدسة يباركان  حبهما، ويريان إلى نور النبي في وجه سبطه. . . وهناك يلقيان  ليلى الكندية أخت حجر بن عدي، فتزين للزواج أن ينفر   إلى العراق ليكون يداً للحسين على أعدائه، فيستجيب لهذه  الدعوة ابتغاء المجد وطاعةً لعواطف الشباب، ويودع زوجته  الحبيبة التي تعود إلى وطنها في وادي القرى، ويمضي هو إلى  العراق ليحقق مطامحه المخلصة ، فيذهب هناك ضحيتها ... ويضنى الشوق زوجته ، ويطول عليها الانتظر ، فتبخع  نفسها حزنا !

تلك خلاصة الرواية، لا يزيد حظ فاطمة منها على حظ  أغلب شخصياتها الأخرى؛ لذلك كان غريباً أن تحمل اسمها  الكريم، فلئن جاز ذلك لأن الرواية تضمنت شيئاً عنها، لكان  الأولى أن تحمل أسم النبي صلى الله عليه وسلم، أو اسم الحسين  ابن علي، أو عمرو ابن الحويرث، أو هند زوجته، أو ليلى بنت  عدي، أو يزيد ابن معاوية، فلكل من هؤلاء في الرواية  ذكر أطول

والمؤلف إذ يتحدث عن عواطف الزوجين الحبيبين  وهما يقطعان الصحراء الموحشة إلى مكة في الغلس الرهيب،  وبين غضبات الطبيعة، وإذ يذكران صباهما في وادي القرى،  وإذ يختلفان في الميل: عمرو يريد العراق، وهند لا تريده،  وإذ يشقيان بعد بالنوى والوجد. . . المؤلف إذ يتحدث عن هذا  كله يأتي بالمعجب المطرب، فما ينفك قارئه بين رقة تراوحه  وتغاديه، وفتنة تلقاه من كل جانب ...

وفي حديثه عن الحسين الطفل، ومنزلته لدى جده العطوف،  وعن الرباب زوجة الحسين الوفية، وعن شديد حب الناس  للحسين شعور دافق وبيان فاتن، لولا أن القول عن طفولة  الحسين تكرر كثيراً فطامن ذلك من بهائه

والعبارات التي أجراها المؤلف على لسان ليلى الكندية  في حض عمر على المضي إلى العراق، تسترق اللب بما حوت  من عاطفة وحصافة ودقة

فأما الصفحات التي ألم فيها بعواطف النبي نحو ابنته فاطمة  وأطلعنا فيها على الحسين في البقيع حيال قبري أمه وأخيه،  وفي وادي العقيق حيال قبر "حمزة " ، وحين يسأل الله للطيور  الأمن والسكينة. . . هذه الصفحات هي من أحفل صفحات  الرواية بالجمال والشعر

وأما وصف المعركة التي استشهد فيها الحسين وذووه وهم بين  شيخ فان وامرأة ضعيفة وصبي لا يريش ولا يبري فوصف بارع  جلى فيه الكاتب أحسن جلاء صبر الحسين وشجاعته وإيمانه  ونبالته، وفصل القول في ما أبدى أهله وأصحابه من النصر له  والموت بين يديه في إخلاص عبقري

وقصة موت يزيد بن معاوية قصة هي الأخرى مشجية  وبارعة

وفي الرواية لفتات تعجب القومية العربية، فالمؤلف يشير  إلى أن الدماء التي أريقت في صدر الإسلام   (أريقت في سبيل

عروبة الشام والعراق (1) "  ، و   "رفات عبد الله بن جعفر طوتها  قيعان كتب قومه على حجارتها قصة الحرية في الشام(2) " ،  وهذه الدنيا العربية ستجدد شبابها كلما فتحت عينيها على نور ذلك  اليتيم المقدس (3) "

ولكننا نلاحظ أن المعاني الفرنجية تدسست إلى الرواية،  فهند مثلاً تذكر أن على حواشي الأحراج وأطرافها أشجاراً  كبيرة كتبت هي وحبيبها على لحاءها قصة القلب (4) !! وهي  تحزن فتمرض فتسعل دماً!! كما يقع تماماً للأوربيات في كثير  من القصص الحديث

وكثرة الاستعارات في الرواية تسترعي الانتباه. وقد أحب  الكاتب ألفاظاً وعبارات بعينها فما تكاد صفحة تخلو منها؛ نذكر  منها: العرف، والينبوع، والنشيج، وألمانع، والعمر الجني  الطري، والتيه الراعب، والنهر الهادر، والنفوس الحادبة،  ويميد، ويفيح، ويلذ، ويتدفق، ويرف، ويهدر، ويدغدغ،  ويهدهد. . . هذه الكلمات تتكرر على نحو ممل، مع أن العربية  لغة المترادفات. والمؤلف يميل إلى استعمال صيغ المبالغة؛ فالعين

سحور، والسيل جراف، والريح جفول؛ والظن أن لا ضرورة  لهذا في جل المناسبات، فالمعاني قد تركب اللفظ القريب فتدرك به  غاية المراد البعيد.

وثَم ألفاظ لا يسيغها في مواضعها كل مزاج، فمن ذلك    (استخذاء)  الحسين لفتنة الليل، وكونه أمام   (المرأة)  التي  لاعبها محمد ورق لها وبارك لها (يعني أمه فاطمة بنت الرسول) ،  وتلاحق صور الوطن على قلب هند (المريض) .

وقد يكرر المؤلف المعنى الواحد في أكثر من فصل، ولا يعني  بالتسلسل الواجب بين الفصول، فلو غيرت موضع بعضها لخفي  ذلك. وهذا دليل أن الرواية تعوزها الوحدة الصحيحة .

وأغلب أشخاص الرواية مرهفو الإحساس دقيقو الشعور،  على شاكلة ليست في الطبيعة.

فأما طبع الكتاب فيؤسفنا أنه دون ما نرجو، فكأين  من غلطة مطبعية في صفحاته كان من الميسور تحاشيها.

وبعد ، فهذه الهنات على كل حال لا تغشى على حسنات  الكتاب الكثيرة .

(المنصورة)

اشترك في نشرتنا البريدية