لست أدري ما الذى حمل إلى ذهنى صورة ( الروبابكيا ) عند خروجى من ذلك الحفل الرائع الذى اجتمع فيه من كبار الرجال عقد فريد ، كان الحفل يضم طائفة ممن تفخر بهم مصر من العلماء والأدباء ، وسمعت فيه طائفة من المعاني ملأت قلبي سموا ، وملأت عقلى حكمة .
ولكن فلتة من الفلتات وقعت فيه فجعلتنى أخرج منه وصورة الروبابكيا تملأ خيالى . كانت صورة عجيبة ، ولكنها مع ذلك كانت واضحة ملحة ، فحاولت بكل جهدى أن أتخلص منها ، ولكنى كنت كلما جاهدت فى التخلص منها عادت إلى أقوى وأوضح ، وكلما بالغت فى إبعادها تفلتت عن إرادتى وهاجمتنى هجوما أعنف وأكثر إلحاحا .
والروبابكيا ، كما هو معروف ، لفظ يستعمله هؤلاء المساكين الذين يجولون في الطرق ينادون به يطلبون شراء الأشياء القديمة البالية ، وأصله على ما أظن لفظ إيطالى معناه الثوب الخلق ، ثم صير له الاستعمال معنى شاملا ، فأصبح المقصود به كل شئ قديم ، سواء كان ثيابا أو غير الثياب ؛ فقد تكون الروبابكيا قطعة من
المعدن ، اصلها زهرية ؛ ثم تحطمت وتقدفت حتى صارت نكرة لا صورة لها ، وقد تكون قطعة من الزجاج ، أصلها مصباح ، ثم تهشمت وانتقصت من أطرافها حتى صارت أبعد الأشياء عن هيئة المصابيح ، وقد تكون قطعة من النسيج ، أصلها طنفسة إيرانية ثمينة ، ثم تمزقت وتقطعت وحال لونها وانطمس رسمها حتى اصبحت خيوطا مفلجة مثل فم الأهتم .
وهذه الأشياء القديمة تباع فى العادة بثمن زهيد لأن أصحابها يؤثرون التخلص منها حتى لا تزحم بيوتهم بمالا خير فيه ، بعد أن ضاعت قيمتها التى كانت لها قبل أن يخنى عليها الدهر ويفنيها مر الأيام الذى يفنى الأشياء جميعا .
ولقد كانت تلك الخطام من قبل جديدة بغير شك فى وقت من الأوقات ، وكانت ذات رواء وبهجة ، وكانت ذات فضل عظيم فى خدمة الناس فكم من طنفسة بالية كانت من قبل موطئا للملوك ؛ وكم من مصباح محطم كان فى زمن من الأزمان يرسل النور على صفحات كتاب يبدعه عالم عبقرى وكم من زهرية شوهاء كانت فى أول عهدها ذات رونق وبهاء ، يأتلق
فى ثغرها الزهر الباسم ، ويفوح من قبلها العطر الذى ينعش الأفئدة ! ولكن لا حيلة فى تصاريف الزمان فمن طبعه أن يزيل رونق المحاسن ، وأن يعفي علي آثار كل رواء . فهو لا يزال دائبا في أعقاب الكائنات حتي يحيلها بعد حين إلي حطام لا تصلح لما كانت من قبل بارعة فى أدائه .
وللناس العذر فى أنهم لا يبقون على ما ذهب خير ، وضاع نقمه ، لأنهم يعانون الحياة وما فيها من مشقة ، فليس من العدل أن نلزمهم بتحمل عبء الأشياء بعد أن تبلى ، بحجة أن الوفاء يقضى عليهم بتحمل عبثها لما سبق من خدمتها . فالوفاء والعرفان وإن كانا فضيلتين ، فإن الحياة قاسية تجشم الناس من أحمالها ما يذهلهم عن كثير من الوفاء والعرفان .
وقد تكون الأشياء القديمة ، فى بعض الأحيان ، مناط كثير من عزيز الذكريات ، ولكن الناس إذا خيروا بين الحياة وبين الذكريات ، لم يجدوا بدا من التعلق بالحياة ، وإغفال الذكريات .
وقد حاول بعض المتحمسين للفضائل ان يقاوموا هذا الطبع الإنسانى ، لأنهم رأوا فيه نقصا لا يليق بكرامة القلب البشري ، فلجأوا إلى تأليف الأمثال والمواعظ التى تحض الناس على الاحتفاظ بالحطام القديمة ، على ما يبدو عليها من تهشيم ، فقالوا
مثلا : " لا جديد لمن لا خلق له " ، وقالوا : " من فات قديمة تاه " وقالوا : " الدهن في العتاق " إلى غير ذلك مما يكثر ترديده على الألسنة . ولجأوا إلي التشبيه والاستعارة ، فقالوا : إن خير الخمور ما كان عتيقا وإن الدن إذا ختم ووضع فى الكهف ومر عليه القرن بعد القرن لم يزد القدم خمره إلا لذة ونشوة . وهذا كما يقولون صحيح ، فقد سمعنا أن بعض البلاد تخزن الخمور حقا فى الكهوف ، فإذا استخرجها الناس منها بعد قرون عادت عليهم بالثمن المضاعف . ولكن الخمر المعتقة صنف شاذ لا يقاس عليه ؛ فليست الأشياء القديمة كلها مما يزيده الزمن صلاحا .
وقد لجأ بعضهم إلي تأليف القصص التى تثير الخيال وتخدع الناس عن الحقائق ، فزعموا أن الأشياء القديمة البالية قد تكون في ظاهرها مهشمة ، ولكنها تنطوى علي أسرار خفية كامنة تحت هيئتها الزرية ، ففى قصص ألف ليلة وليلة مثلا حاول المؤلف الماكر أن يوهم الناس أن " خاتم الملك " لا يبدو للأعين إلا فى هيئة حلقة قديمة حقيرة من الحديد ، وأن السعيد المحظوظ هو الشخص الذى يوفقه حظه السعيد إلي العناية به مع حقارة مظهره . وكذلك أوهمهم أن مصباح علاء الدين لم يكن سوى آلة صدئة تزدريها العين ، حتى إن العجوز باعته لبعض شراة
( الروبابكيا ) بدريهمات مع أنه كان ينطوى على أسرار عظيمة ، ويستطيع حامله ان يهتدى به إلى كل خيرات الأرض .
فيمثل هذه الوسائل حاول المتحمسون للعواطف النبيلة أن يثيروا خيال الناس حتى يحملوهم علي احترام الأشياء القديمة التي لا يحسون بحوها احتراما عند النظرة الأولى
ولم تخل هذه الدعاية من أثرها فى الناس ، فإن الكثيرين يزعمون أن الأشياء البالية القديمة قد تكون أكثر قيمة من الجديدة التى لا تزال بشوكها ، فمثلا يعتقد هواة السجاجيد الإيرانية أن القطع القديمة أثمن من الجديدة ،
مع أن هذا شىء يأباه المنطق . فإن الطنفسة القديمة كانت فى يوم من الأيام جديدة ، وكانت أحلي لونا وأروع منظرا وأمتن قواما . ولا يمكن أن تقبل العقول أن الطنافس القديمة تصير أغلي قيمة ، بعد أن يمضي عليها الزمن الطويل ، وبعد أن تدوسها آلاف الأرجل ، ويفعل فيها الحر والبرد ، ويحول لونها من أثر الشمس ، وبوهى نسيجها من الخبط بالعصى عند التنظيف . ولكن هكذا يعتقد الهواة ولا شك فى أن لهم فى ذلك الاعتقاد حجة . وأما أنا فلو عرضت على طنفستان إحداهما جديدة والأخرى بالية ، لما اشتربت إلا الجديدة التى تستطيع أن تخدمنى مدة طويلة
من السنين ؛ فمهما يكن من أمرها فمن المؤكد أنها ستصير بعد خدمتها الطويلة بالية قديمة ؛ ولن أعدم أحد هؤلاء الهواة أبيعها له بعد قدمها بثمن عظيم .
ولكن الصعوية التي تعترض الإنسان عند ما يفكر فى الأشياء القديمة لا تبلغ من التعقيد حد الإعجاب ، لأن الناس فى حياتهم العادية لا يبالون الأمثال ولا الخرافات ، ولا ينظرون إلى الأشياء القديمة نظرة المخدوعين عن حقيقتها ؛ بل يقذفونها في جانب الطرق أو يبيعونها لمن يريد شراءها بثمن خمس دراهم معدودة .
والصعوبة الحقيقية إنما هى فى الإنسان نفسه إذا صار قديما . ولست أدرى لماذا يميز الإنسان نفسه على سائر المخلوقات والمصنوعات ، فيزعم أنه يزداد قيمة كلما زادت عليه السنوات مرورا .
والحقيقة القريبة من العقول هي أن الإنسان خاضع للقانون العام الذى تخضع له جميع الأحياء ، فهو ينشأ صغيرا ثم يكبر حتى يتم نضجه ، ثم يرد إلى أرذل العمر حتي لا يعلم بعد علم شيئا . فهو يبلى ويصير خلفا ، ويتحطم كما جرت سنة الكون فى الخلق جميعا .
ولكن الإنسانية لن تسمح فى يوم من الأيام بأن يباع الناس لشراة ( الروبابكيا ) إذا بلغوا أرذل العمر وشارفوا حد البلى وأصبحوا خلقا . فإن الأخلاق الفاضلة تحتم عليهم أن
يستشعروا الرحمة والعرفان والوفاء ، وتوجب عليهم أن يذكروا فضل الإنسان القديم عليهم عند ما كان جديدا ، وأن يكافئوه بعد قدمه بما قدم لهم في أوان جدته .
والإنسان الحديث فى هذه العصور يختلف فى هذا عن الإنسان الأول فى العصور السالفة أيام وحشيته . فقد قيل إن قبائل المتوحشين في القرون الخالية كانت إذا وجدت الشيوخ قد بلغوا حسد البلى وأحسوا أنهم قد أصبحوا لا يصلحون للحياة فى الحرب ولا فى السلم ، اجتمعوا فى يوم عيد ، وأوقدوا النيران ، ورقصوا حولها ، ثم أتوا بالشيوخ الذين أصبحوا لا يصلحون للحياة فقذفوا بهم فى النار ، وأقاموا ولية على لحومهم المشوية .
هذا ، على ما يقال ، كان دأب البشر فى أيام الوحشية الأولى ، ولكن الإنسانية قد ارتقت وأصبحت اليوم أكثر رحمة ووفاء وعقلا ، فهى
تكتفى بأن تجعل للشيوخ مكانا محترما فى مجتمعاتها ، أو تجود عليهم بتقبيل الأيدى وإحناء الرءوس احتراما ، حتى لا تشعرهم بأنهم قد فقدوا قيمتهم الأولى . والشيوخ ، فى أغلب الأحوال ، يحسون بهذا الوفاء ، ويقابلونه من جهتهم بأن يتنحووا عن الميدان الذى يحتاج إلى السعى والجري والوثب ويقنعوا بالصورة الباقية من ماضيهم المجيد ، وببعدوا عن الأنظار ، إلا إذا طلب منهم أن يؤدوا شهادة عما حدث فى أيامهم أو يبدوا رأيا فى أمر من الأمور مستأنسين بتجربتهم الطويلة ، فيقوموا عند ذلك بالإدلاء برأيهم ، ثم يعودون إلى عزلتهم الاولى حتى يمضوا عن هذه الأرض كراما
ولكن العجيب فى بعض بنى الإنسان أنهم لا يقنعون بمثل هذه العزلة أحيانا بعد أن تصبح ضرورية ، وبصرون على الضرب فى زحمة الميادين ، ويخاطبون الجيل الجديد بلغة عصر منقرض ؛ ثم
قد يزيد بهم الحرص فيريدون أن يخوضوا معارك ذلك الجيل الجديد بسلاحهم القديم ، مع الإصرار على أن يحتفظ الشباب بالوفاء والإجلال لهم ، فلا يرفع يدا فى وجوههم ، ويسلم الامر للقضاء منتظرا ما تسفر عنه المعارك التى يخوضونها بأسلحتهم القديمة .
وإنه لما يؤسف له أن هذه المعارك تنجلى دائما عن هزيمة السلاح القديم والساعد المرتعش ، لأن نضال الحياة لا يعرف وفاء ولا مجاملة .
هذه المعانى وأمثالها ثارت فى ذهنى وأنا خارج من المحفل الرائع الذى اجتمع فيه صفوة من الرجال ، مع أننى سمعت فى هذا المحفل ما ملأ القلب حكمة وروعة ، ولكنها صورة ملحة ما زالت تمثل أمام خيالى تنادى منذ خرجت من ذلك المحفل قائلة : " روبابيكيا " .
محمد فريد أبو حديد

