كانت موقعة صفين اخطر حادثة وقعت بين الهاشميين والامويين ترتب عليها ظهور النزعة القبلية القديمة التى عمل الرسول ( ص ) والخليفتان من بعده على محوها لمعارضتها مبادئ الدين الاسلامى وخطورتها على التوسع العربى وانتشار الاسلام من الامصار ..
سجلت هذه الموقعة نقطة التحول من السياسة العربية الجديدة وقضت ان يكون الكفاح جهارا بين ممثلى الهاشمية والاموية الذى انتهى بفوز التحكيم الذي اجراه المعسكران ...
الا ان فوز الامويبن كان ثقيلا عليهم اذ كاد يفلت من ايديهم لولا مهارة معاوية السياسية وتفوق المهلب ابن ابى صفرة فى الفن العسكرى والحيلة الحربية ... وكانت نتيجة هذا النزاع القائم بين المعسكرين حول من يكون خليفة على المسلمين ان خرجت فئة من العرب سمت نفسها " الخوارج " واحتضنت لنفسها حق الذود عن الاسلام والدفاع عنه واتخذت " لا حكم الا لله " شعارا لها تسير على وحية واعتنقت مبدأ فنت من اجله يعتمد على القوة فى العقيدة والتطرف فى تنفيذها ونظمت دستورا ضبط سياستها يدور حول رعاية المبدأ والتفانى من اجله وجعل الخلافة حقا شائعا بين كافة العرب والمسلمين على السواء . وتتبع الخليفة فى اعماله حتى اذا لوحظ منه ادنى عدول عن طريق الحق نبهوه والا كانوا حربا عليه الى ان يتم خلعه لان الذى يهمهم اولا واخيرا .. عقيدتهم ومبداهم ...
هذا الشعور الدينى القوى الذى تغلغل فى قلوب الخوارج وهاته العقيدة التى سرت في اجسادهم سريان الكهرباء في الاسلاك جعلتهم يثورون على على ابن ابى طالب لقبوله التحكيم وعلى معاوية لعنته فى المطالبة بالخلافة .. ومن اجل هذا تبرأوا منهما ومن ناصريهما واعتبروهم كفارا خارجين على الدين الاسلامى وتعاليمه تجب محاربتهم فتقتل اطفالهم وشيوخهم ونساؤهم ...
وفعلا ناصبوا عليا العداء كما استعدوا لمحاربة معاوية وعسكروا " بالنهروان " وانتظروا حتى اذا جاءهم على واستفسرهم عن الاسباب التى ادت الى خروجهم عليه قالوا . التحكيم .. فقال .. ما انا بقابله لو لم اكن مضطرا الى ذلك اضطرارا خوفا من حدوث الفتنة بين المسلمين ولكن هذا القول لم يكن ليمنع وقوع الواقعة ... وحدث ماحدث" بالنهروان " وهزم الخوارج شرهزيمة بعد ان ضربوا مثلا رائعة فى التضحية وحب الاستشهاد . . مثلا سيكون لها اثرها فى النفوس فيما بعد لا سيما حين تلمس الدولة خطرهم فتعصف بهم . . ويشعر بعض العرب بصلابة عقيدتهم وصحة دعوتهم . . واحتاطت الدولة لهم وسخرت كل ما تملك من قوى وشنت عليهم حربا عنيفة قصد القضاء عليهم وانتقمت منهم شر انتقام فقتلت وشردت وصلبت ومثلت . . ولكن هذا كله لم يهن من عزيمة الخوارج ولم يؤثر في معنوياتهم الجهادية بل ضاعف ايمانهم بمبدئهم وعقيدتهم وشجاعتهم على مواصلة القتال ولعل " معاذ ابن جوين " حين يخاطب اخوانه المجاهدين ويشاركهم احزانهم والامهم . . يصور لنا الخارجى احسن تصوير فيقدمه رجلا غليظا بعض الغلظة ولكنه وفى كل الوفاء مؤمن بمذهب وعقيدة ايمانا قويا . . لا يعرف الا الجهاد والاستشهاد . . فلنستمع اليه يقول ...
الا ايها الشارون قد حان لامرئ شرى نفسه لله ان يترحلا
اقمتم بدار الجاهلين جهالة وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا .
فشدوا على القوم العداة فانما إقامتكم للذبح رأيا مضللا
الا فاقصدوا يا قوم للغاية التى إذا ذكرت كانت ابر واعدلا
فيا ليتنى فيكم اعادى عدوكم فيسقيني كأس المنية اولا . .
يعز على ان تخافوا وتطردوا ولما أجرد في المحلين منصلا..
ولما يفرق جمعهم كل ماجد يرى الصبر فى بعض المواضع امثلا
يعز على ان تضاموا وتنقصوا واصبح ذابت اسيرا مكبلا ...
وظل الخوارج على هذه الروح وهذه الشدة حتى شهدوا جنازة الدولة الاموية . . لم يرهبهم الموت ولم تخفهم الدماء . . ولم يحيدوا عن المبدأ ولم تضعف عقيدتهم رغم ما احاط بهم من اخطاره اللهم إلا خلاف بسيط حدث لافى المبدأ والعقيدة ولكنه فى طرق الجهاد وتنفيذها . . نتج عنه انقسام الخوارج الى
فرق اعتصمت جميعا بحبل الله ونادت بمواصلة الجهاد .. والذي يهمنى من هذه الفرق جميعها فرقة واحدة لما اشتهرت به من خطورة على الدولة الاموية وتطرف فى العقيدة واستبسال فى القتال وهى فرقة الازارقة ..
فالازارقة الذين دوخوا الامويين واستطاعوا ان يجيبوهم عسفا بعسف ودما بدم . . واحرجوا اكبر قوادهم وولاتهم كالحجاج والمغيرة والمهلب ... لابد ان كانت لهم شخصيات حربية وسياسية ممتازة كانت عمادهم فى الحروب وسبب صمودهم الرائع امام اعدائهم اصحاب الجيوش المنظمة المدوية .
اذن من المحتم ان ندرس هذه الشخصيات التى تعد قلب الازارقة النابض وقوتهم الماثلة فى الجهاد امثال نافع بن الازرق وقطري بن الفجاءه ومن شاكلهما لنرى الى اي حد كانوا يؤثرون في جماعاتهم والى اي مدى كانوا مطاعين ...
ولما كان بحثى يدور حول شخصية من هؤلاء : شخصية قطرى ابن الفجاءة المازني كان لا بد ان اتكلم ولو قليلا عن الخوارج ، اولا كخوارج وثانياكهيئة سياسية كى اوفق في فهم شخصية قطري بن الفجاءة وبالتالي تراثه الادبى القليل الموجود بين ايدينا . .
ان قطرى من مازن ومازن من تميم وتميم هذه سكنت حسبما رواه التاريخ شواطئ الخليج الفارسي وكان لها سلطان على البصرة . وقطرى هذا استقى شرفه من القبيلتين وترببى فى السلطنة الى ان شب وعاش حياة عز حتى تولى امر الازارقة . . ويرجع نسبه من امه الى شيبان التى شهرت بثورتها على الدولة وبالفصاحة والخطابة . . وعلى هذا فقطري ليس صعلوكا او شخصا عاديا بل انه من تميم وشيبان وكلتا القبيلتين تمتعت بالنفوذ والعزة والثورة والاباء والشعر والفصاحة . . لهذا ليس غريبا ان نرى قطريا يشتهر اسمه ويتالق نجمه فى سماوات الجهاد ويكتب بجهاده خلوده على مر العصور... وتولى قطرى امر الازارقة ، وهو امر ليس بالسهل ، مملوءا حماسة وعصبية ينظر الى المستقبل فى جد وأمل... شاعرا بالمسؤولية العاتية التى تحملها وخاطب جماعته بلهجة صارمة . " ليعلمن كل واحد منكم ان مهمتنا شاقة وان السير بها سيكون وئيدا...
وان اعداءنا اقوياء . . ولكنا اذا اردنا ان نعيش فنبسط مذهبنا فى هذه الارجاء ونقضى على الظلم والكفر فليحسين كل واحد منكم انه ميت فى سبيل مذهبه وعقيدته".
واذا بالجماعة تصرخ صرخة قلب واحد وتهتز هزة احساس واحد . . . لبيك يا امير المؤمنين . . نحن على استعداد ولن نبخل بقطرة من دمائنا ولن نضن على انفسنا بالاستشهاد . . . ثم دفع بجماعته فى المعركة وكان على رأسها فكانوا نارا على اعدائهم اينما حلوا ولم يفلح المهلب ولا المغيرة فى التغلب عليهم بل كثيرا ما طرقوا ابواب دولتهما وضربوها بقنابلهم البشرية ضربا مزق القلوب وزرع الرعب في النفوس ...
ان هذه الروح القوية توضح الشخصية الحربية التي امتازت بها هذه الجماعة الدينية المتطرفه وتثبت ان افرادها لا يمكن ان يكونوا عاديين ولكنهم خضعوا لتجارب قاسية وتدريب عنيف جعل منهم رجالا اقوياء لا يهابون القتال ولا يخافون الموت . .
على اننا اذا اردنا ان نأخذ لانفسنا صورة واضحة لحالة الخوارج او لقائد من قوادهم يجب ان لا نقصر نظرنا على ما رواه التاريخ عنهم ولكن نرجع ايضا الى ما خلفوه من اثر ادبى شعر ونثر فنقوم بمقارنة بينهما للتحقيق ، لانهما لا يخلوان من المبالغة والانتحلال تمشيا مع العوامل السياسية والعصبية القبلية والدينية . . فقطى مع قلة ما هو موجود عنه يمثل فترة معينة عاشتها الخوارج ويسلط غلالة من النور على عقيدته ونظريته نستطيع معها ان نتمثلهما مجسمتين في شعره وخطبه
انه يفخر بتفوقه فى الحرب وفصاحته فى الخطاب وموهبته فى قول الشعر وهذه ميزات بز بها معاصريه يرجع منبعها الى ما ورثه عن تميم وشيبان والى البيئة التى ترعرع فيها والتي كانت مسرحا للحروب ومرتعا للثورات والغارات ...
كل هذه العوامل مجتمعة كونت شخصية قطرى بن الفجاءة ، واعدته ليكون فى مستقبل ايامه المنتخب الاول لقيادة الازارقه التى تعد اعظم فرقه مقاومة عرفتها الدولة العربية فى ذلك العصر وليبقى بطلها الاكبر سنين طويلة يعمل على المسرح الحربي والسياسي لا يعرف راحة ولا هدنة يسير من نصر الى نصر حتى دارت عجلة الزمن وانقلب عليه انصاره وخذلوه وادركه الموت بطبرستان سنة ٧٧ فتقبله ثابت القلب وهو يردد كلمات كثيرا ما رددها اخوانه المتحمسون
عندما يسقطون فى ميدان الشرف :"عجلت اليك ربي لترضى - حبذا الروحة للجنة ..." وهكذا انطفا ضوء هذا الفارس الجليل الذي كتب بدماء جروحه وبنضاله المستمر تاريخ الخوارج وقدم للامم مثلا خالدة فى التضحية والبسالة وحب الموت .
وهكذا كانت خاتمة هذا البطل خاتمة يحزن لها كل قلب ويصرخ لها كل ضمير . كان كشهاب اضاء لحظة وانطفأ .
هذه الحياة التى عاشها قطرى بن الفجاءة الغاصة بالاخطار الزاخرة بالمغامرات العنيفة المتوارة بالحركة المشحونة بقوة الايمان ورسوخ المبدأ اثرت تأثيرا واضحا في ادبه ولونته بلون خاص فاختلف كثيرا عن ادب معاصرية . . لانه ادب يظهر صاحبه مستقلا فى نوع الحياة . . محبا الجهاد حبا يكاد يفوق كل وصف مستلذا الموت ومتلهفا عليه .. ولي من شعره دليل قوى على ما اقول فهو حين يتعرض لموقعة دولاب يتكلم بالايمان والسيف والاشلاء والدماء مبتهجا بفظاعة المعركة وشناعتها وسرعان ما تزيد حماسته حينما تتراءى له صورة محبوبته الوفية " ام حكيم "فيبالغ فى التعريض باعدائه واستخفافه بهم ابتغاء مرضاتها وفخرها به . . . فلنستمع اليه يوم دولاب ..
لعمرك انى فى الحياة لزاهد وفي العيش ما لم ألق ام حكيم
من الخفرات البيض لم ير مثلها شفاء لذي بث ولا لسقيم
لعمرك انى يوم الطم وجهها على نائبات الدهر غير حليم
ولو شهدتني يوم دولاب ابصرت طعان فتى فى الحرب غير لثيم
غداة طفت علماء بكر بن وائل والافها من حمير وسليم
ومال الحجازيون نحو بلادهم وعجنا صدور الخيل نحو تميم ..
فلم ار يوما كان اكثر مقصعا يمج دما من فائض وكليم
وضاربة خدا كريما على فتى أغر نجيب الامهات كريم ..
فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا تبيح من الكفار كل حريم..
رأت فتية باعوا الاله نفوسهم بجنات عدن عنده ونعيم ..
وهو يصرح فى اسلس عبارة واجود لفظ واجمل اسلوب بلائه فى المعركة وانتصاره ويصور لنا استخفافه باعدائه الكفرة ونكأته بهم . . هذا ولم يفته
ان يتحمس لقبيلته ويتعصب لها ويعزو لها كل فخار ويتوجع لعدم وجود حبيبته معه في المعركة لتشاركه اهوال البراز ولذة الانتقام ونشوة الانتصار... على ان قطريا وان اظهر المه لفراغ الواجهة من ام حكيم محبوبته الوفية فانه يرى مع ذلك ان خوضه القتال دون مشاهدة ام حكيم ليس قتالا بالمعنى الذي يتمناه وان الانتصار الذى احرز عليه ليس انتصارا كاملا لان الحبيبة لم تحضر نضاله ولم تستمتع برؤيته وهو يصارع الاعداء فى شجاعة وعنف ويرغمهم على التسليم . اننا نلاحظ في هذه القصيدة ان قطريا يتسم بسمات أعرابية جاهلية صميمة من حيث قدرته على القول وذكره الحبيبة وتشبعه بالعصبية القبلية بالاضافة الى تمسكه بمبدئه وعقيدته وغيرته عليهما ومع ذلك فان قصيدته تطورت عما كانت عليه فى العصر الجاهلى من حيث الموضوع والاسلوب والغاية . . فالموضوع حرب مقدسة يشنها على الكفار لا لفائدة قبلية معينة وانما لصالح الاسلام والمسلمين . . والاسلوب يعتبر تجديدا طرأ على اللغة العربية بالنسبة لما الفته فى العصر الجاهلى لانه استمد متانته وبلاغته من القران الشريف وتلون بلونه ، واكبر دليل على ذلك اننا نجد القطرى وغيراه كثيرا ما يضمنون قصائدهم معانى لايات قرآنية شريفة وهذا شئ جديد بالنسبة للشعر العربى - وما قال قطرى هذا البيت
رأت فتية باعوا الاله نفوسهم بجنات عدن عنده ونعيم
وما نطق عيسى بن فاتك بهذه الابيات :
ألفا مؤمن فيما زعمتم ويهزمهم بآسك اربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة غير شك على الفئة الكبيرة ينصرونا
الا لكونهما تأثرا بروح القرآن الشريف الجديدة وتشبعا بمثله وثقافته
ان قطريا ككل الخوارج رجل جد وعمل لا يلهو ولا يعبث . . يرى الواقع كما هو ولا يفلسفه وكذلك شعره فهو شعر جد وحماسة وقتال لم يعرف هزلا ولامجونا وحتى في غزله لم يالف لغة غير لغة الجهاد لانها لغة الحب عنده يتقرب بها لمن يهوى ويعشق . . .
لا شك ان قصيدته ضاع منها الكثير لان المراجع التى روتها تختلف فيها بعض الاختلاف في بعض الابيات والالفاظ ، كما تروى هذه المراجع نفسها ابياتا
متفرقة تتفق والقصيدة فى الوزن والقافية ولكن مع هذا فالذي وصلنا منها يحدد بوضوح شخصية قطرى الشعرية ويثبتها . . ان جل ادب قطرى ضيعته الحوادث كما ضيعت اكثر اشعار اخوانه . والاسباب فى ذلك كثيرة متنوعة اهمها استمرار الحروب التى كانت قاسية الى حد الوحشية وتصلب الامويين فى ضرب الخوارج ضربا قاصما لا سيما الازارقة . . وعلي هذا الاساس لم يبق من ادبه سوى القصيدة البتراء . . وثلاث قصائد اخرى ذكرت فى ديوان الحماسة لابى تمام وبعض خطب على خلاف فيها بينه وبين سيدنا على وخطاب منه الى الحجاج بن يوسف . . . وانبى معتقد انه لو كتب لهذا الادب البقاء لعد أكبر ثروة فى اللغة العربية ثروة تزخر بالبطولة وقوة الايمان وتفيض بالمثل العليا وقوة النفس المؤمنة لا تخاف بأس احد اللهم الابأس الله وحده ...
كنت لمحت في الكلام السابق الى علاقة قطري بأم حكيم دون الوقوف عندها لحظة فاخصها بوصف هي جديرة به . . ان ام حكيم هذه امراة فارسة عرفت بجمالها الفاتن وعفتها المتناهية وتدينها القوى . كانت مصدر الوحى . ولاشك . الذى استقى منه ابن الفجاءة فى تكوين شخصيته السياسية والعسكرية وتنمية مواهبه الشعرية وهذا فضل للمرأة على الرجل لا ينكر . . ولولاها ولولا الاسلام لكان قطرى شخصية متهوره عابثة حمقاء... هاته المرأة وصفها "الاغاني" فقال :
" حدثت ان امرأة من الخوارج مع قطرى بن الفجاءة يقال لها ام حكيم وكانت من اشجع الناس واجملهم وجها واحسنهم بدينهم تمسكا . . وخطبها جماعة فردتهم ولم تجبهم الى ذلك . . فاخبرنبى من شاهدها انها كانت تحمل على الناس وترتجز ٠٠٠
احمل رأسا قد سئمت حمله وقد مللت دهنه وغسله
ألافتى يحمل على ثقله ..."
لم يستطع الحجاج بن يوسف التغلب على قطرى وعظم عليه خطره . . فاوصى له بعض المقربين اليه ان يغريه باقطاعه بعض الاراضى عساه يخذله عن مبدئه . . فبعث اليه هذا الخطاب ...
" سلام عليك الموحد الله والمصلى على محمد.. اما بعد فانك كنت اعرابيا بدويا تستطعم الكسرة وتخف الى التمرة ثم خرجت تحاول ما ليس لك بحق واعترضت على كتاب الله ومرقت من سنة رسول الله ( ص ) فارجع عما انت عليه مما زين لك وادعني فقد آن لك ...
وقرأ قطري الخطاب فتأثر وثار ثم انشد يقول . . فواكبدا من غير جوع ولا ظما... وواكبدا من وجدام حكيم . . الى آخر القصيدة ثم كتب الرد للحجاج بن يوسف... وهذا نصه ...
" بسم الله الرحمن الرحيم ... من قطري إلى الحجاج بن يوسف... سلام على من اتبع الهدى . . . ذكرت في كتابك انى كنت بدويا استطعم الكسرة وابدر الى التمرة - وبالله لقد قلت زورا . . بل الله بصرني من دينه ما اعماك عنه - اذ انت سائح في الضلالة غرق من غمرات الكفر... وذكرت ان الضرورة طالت بنى فهلا برز لي من حزبك من نال الشبع واتكأ فاتدع... اما والله لئن ابرز لي الله صفحتك واظهر لي صلعتك لتنكرن شيعك ولتعلمن ان مقارنة الابطال ليست كتسطير الامثال..."
هذا الخطاب ان دل على شىء فعلى اعتزاز قطري بنفسه واعتداده بشخصيته اعتدادا عظيما . . فلننظر اليه وهو يصور غضبه على الحجاج غضبا عنيفا ... انه يبدأ بالتعريض به اذ يقول له " سلام على من اتبع الهدى . . " وهو يقصد ان لا سلام عليه لانه مارق خارج على الدين ثم يستمر فى قذفه بكلام محرق فيرمية بالزور والضلال والغرق في الكفر . واخيرا يطعنه فى الصميم ويتحداه حينما يقول له . . اما والله لئن ابرز لي الله صفحتك واظهر لى صلعتك لتنكرن شيعك ولتعلمن ان مقارعة الابطال ليست كتسطير الامثال ...
والخطاب من الناحية الفنية جزل العبارة رقيق الاسلوب متين السبك دقيق المعنى يتخلله سجع طبيعي يزيد في رونقه وبلاغته . . يتألف من جمل قصيرة غاية في الأبداع والايقاع الموسيقى ويتأثر الى حد بعيد باسلوب القرآن الكريم ..
ولقطري بالاضافة الى ما ذكر اقوال اخرى مشهورة لا تقل عن الخطاب المتقدم بلاغة ومتانة اسلوب كقوله لعبيد الله بن هلال وقد دعاه للدفاع عن نفسه ليفند التهم الموجهة اليه من قبل اخوانه :
" ان جامع بينك وبينهم فلا تخضع خضوع المذنب ولا تطاول تطاول البرئ ..."
وقال ايضا وقد عيب عليه فعلة فعلها . . " قتل رجل فى صالح الناس غير منكر وللامام ان يحكم بما يراه صالحا وليس للرعية ان تعترض عليه ..."
وكان لهذه القول الجريئة دوى قوى . . نعم دوى قنبلة نسفت وحدة الخوارج الازارقة . . واذا بالجماعة تتنكر له فتكفره وتنقلب عليه حربا لا هوادة فيها . . وعاش قطرى هذه الخاتمة الحزينة . . بعد ان قاد الازارقة من نصر الى نصر وتوجها الشرف والعزة . . وحيدا يصارع الاعداء حتى مات بطبرستان اسوأ موتة سجل بها خلوده وخلود فرقته ...
واخيرا اتعرض للمقطوعات الثلاث التى ذكرت في حماسة ابى تمام فاخصها بشئ من الايضاح لانها على صغرها طريقة جدا تشتهر بالدقة والقوة وتتسم بسيماء الزهد فى الحياة والحماسة فى الحرب... فكانت اروع ما نظم قطري وابدع ما جادت به قريحته ...
ففي الاولى خاطب قطرى نفسه لاقناعها ان غاية الحياة هى الموت في سبيل العقيدة . . وان نعيم الحياة ليس مجدا وخلودا . . وانما المجد والخلود هو بذل النفس قربانا لله من اجل دينه :
اقول لها وقد طارت شعاعا من الابطال ويحك لن تراعي ..
فانك لو سألت بقاء يوم على الاجل الذي لك لن تطاعى ..
فصبرا فى مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع ..
سبيل الموت غاية كل حي فداعيه لاهل الارض داعي ..
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون الى انقطاع ..
وما للمرء خير فى حياة اذا ما عد من سقط المتاع ..
تمتاز هذه المقطوعة بصغتها الدينية المحضة وقوة ايمان صاحبها كما تمتاز بحوار اجراه ابن الفجاءة يمثل لنا فيه صراعه ونفسه الحريصة على الحياة ونعيمها ولكنه سرعان ما يبين لها الحقيقة الكبرى التى تمس كل نفس بشرية فتطمئن له وتسايره فى كل اعماله ...
والذي يلفت النظر في هذه المقطوعة هو تصوير قطرى للخوف والفزع فى أصدق صورة بقوله . . طارت شعاعا . . اى تطير النفس خوفا فى انتشار كانتشار الشعاع وهو معني معجز انفرد به صاحبه عن بقية معاصريه ...
وفي الثانية تحدث عن فروسيته وشجاعته بروح هازىء بالحرب كما افتخر بدمائه التي خضبت سرجه وعنان لجامه وكان كل ما حدث له يكن سوى نزهة قصد منها الراحة او سباق شارك فيه للترفيه والتسلية ...
ما اعظم هذا الروح وما اشد هذه النفسية ، فلنستمع اليه يقول :
لا يركنن احد الى الاحجام يوم الوغى متخوفا لحمام
فلقد ارني للرماح دريئة من عن يميني مرة وامامى
حتى خضبت بما تحدر من دمى اكناف سرحبى او عنان لجامي
ثم انصرفت وقد اصبت ولم اصب جدع البصيرة قارح الاقدام ...
وفي الثالث يصور لنا برازه الاعداء وعنفه فى قتالهم ... فيقول
الا ايها الباغي البراز تقرين اساقك بالموت الزعاف المقشبا
فما في تساقي الموت فى الحرب سبة على شاربيه فاسقني منه واشربا
وله ايضا قصيدة اخرى ممتازة بعث بها الى ابى جعد وهو اذاك سمير الحجاج يؤنبه فيها على عدم اللحاق به من الجهاد تحدد رقة ابن الفجاءة وتوضح لينه فى اسلوب لم نلحظه فى قصائده الماضية ...
لشتان ما بين ابن جعد وبيننا إذا نحن في قيد الحديد المظاهر ، ..
نجاهد فرسان المهلب ، كلنا صبور على وقع الرماح البواتر
وراح يجر الخز عند اميره امير بتقوى ربه غير آمر
أبا الجعد اين العلم والحلم والنهي وميراث آباء كرام العناصر
ألم تر ان الموت لا شك نازل ولابد من بعث الالى فى المقابر
حفاة عراة والتراب لديهم فمن بين ذي ربح وآخر خاسر
فان الذي قد نلت يفنى وانما حياتك في الدنيا كوقعة طائر ...
وتب توبة تهدى اليك شهادة فانك ذو ذنب ولست بكافر
وسر نحونا تلق الجهاد غنيمة تفدك ابتياعا رابحا غير خاسر
هي الغاية القصوى الرغيب ثوابها اذا نال في الدنيا الغني كل تاجر ...
انه يلوم ابا جعد لوما رقيقا ويدعوه الى الانضمام الى اسرة الجهاد ... فيقول له . . ايليق بك وانت المشهور بالعلم والحلم وشرف النسب ان تبقى من خدمة امير خرج على تعاليم الدين تستلذ العيش وتستطيب الخز والريش فتنسى اخوانك المجاهدين الذين يسقطون يوميا فى ميدان الشرف للمبدأ والدين .. ؟ افاتك انك مؤمن ..؟ وان لا بد لك من الموت والبعث والحساب ..؟ اذن اهجر هذا الامير وارم فى وجهه نعيمه . . والحق بنا تجد الجهاد غنيمة المؤمنين ...
اذا كان الادب مرآة تنعكس عليها الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية فادب الخوارج عامة وقطرى بن الفجاءة خاصة مرآة تعكس حياتهم فى جميع صورها فقطري شديد التعصب للدين يفديه بروحه لا يرهب الموت ولا يتراجع فى قرار ... لقد ارجف قلوب اعدائه ونغص عليهم حياتهم وظل طوال حياته اعرابيا فى عقيدته فى كفاحه وفى ادبه . . لم تتسرب اليه نعومة المدنية ولم يعرف خمرا ولا فسقا ولا غناء ولا رقصا كما ان ثقافته لم تتاثر بالحكمة ولا بالفلسفة بل كانت ثقافة عربية صميمية مستمدة كلها من القرآن الشريف والسنة الطاهرة تحض على التضحية والاستشهاد . . وهكذا عاش قطرى الى ان مات فهو لم يكن يحيا لنفسه . . وانما للجهاد فى سبيل ربه ومبدئه ...

