الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الثقافة"

روح العصر والتيارات الادبية

Share

) فان كل تقدم آلي يحد من النشاط الإنساني ( ) ديهاميل (

من الممكن أن يحاول كاتب من الكتاب أن يبين فلسفة معينة لعلم من أعلام الفلسفة في عصر من العصور قد اثرث في الحياة الأدبية المعاصرة ، ووجهت التيارات المختلفة وجهة معينة .

وبحث العلاقة بين الفلسفة والأدب ليس مقصودنا في هذا البحث بخاصة وأنه قد صار من المبتذل - في بحوث النقد الأدبي - بيان ميدان كل منهما الخاص ولكن اهتماما في هذا البحث سيقتصر على تبيين الأصل الذي يكمن خلف المظاهر أو الظواهر المختلفة المتعاصرة في الأدب والفلسفة والاجتماع والعلوم على اختلافها ؛ فكل ما يقال عن التفاعل بين الأدب والفلسفة في فترة معينة يمكن أن يقال عن التفاعل المتبادل بين الأدب والاجتماع والأدب وعلم النفس والأدب والعلوم الطبيعية . . الخ

أصحاب كل ميدان من هذه الميادين يستطيعون أن يتطوعوا - عند اللزوم - بتقديم التفسيرات المختلفة المتضاربة أو المتفقة لاتجاه أدبى سائد في عصر من العصور . ويمكن ان نري من هذه التفسيرات ان المذهب الفلسفي المعين هو الذي يسيطر بإتجاهه على التيارات الأدبية في فترة زمنية معينة . ونستطيع أن نضع مكان " المذهب الفلسفي في العبارة السابقة ) المذهب الاجتماعي " أو المذهب الطبيعي أو " المذهب النفسي " أو ما شئت من ضروب التمذهب . وتبقى حقيقة التفاعل في كل حالة من هذه الحالات ظاهرة تحتاج إلى التفسير .

ولعله من حقي هنا - إن لم يكن من واجبي - أن أضع أمام القارئ أمثلة مختلفة عن عصور لا نجد صعوبة في اعتبارها مستقلة بطوابع خاصة .

في القرن السابع عشر ، وفي إيطاليا ، يبدأ العهد الكلاسيكي بالنزعة الإنسانية humanism. وقد كانت حركة عقلية امتدت إلى الحياة الاجتماعية . وكان مثار هذه النزعة يعيشون في بلاط الأمراء وأعوانهم . وكان لهم بحكم

أعمالهم كمعلمين وندماء وسكرتيرين - تأثير كبير ، على كل عناصر المجتمع . وسرعان ما امتد هذا اللون الحضاري إلى فرنسا في بلاط الأمراء وتمثل بخاصة في بلاط مرجريت دى ناقار . وطبيعي أن هذا الاتجاه كان أولا وقبل كل شئ انجاها اجتماعيا واضحا ، ولم تكن له علاقة مباشرة بالأدب . وهو وإن كان حقا لم ينتج أدبا من الطراز الأول ، فإنه لولا هذه الحركة لما كان من الممكن أن تكتب القطع الفنية الكلاسيكية الرائعة ، ويستطيع الباحث أن يجد في حركة مدام دي رمبويه أثرا واضحا للاتجاه الاجتماعي خاصة الذي انتهجته السيدة في بلاطها . واتخذت من الأدب وسيلة لتحقيقه ، وكان الأدباء الذين مثلوا هذا الاتجاه هم : ماليرب وبلزاك وقوجلاس وشايلان .

وفي القرن الثامن عشر نجد نزعة فلسفية عقلية واضحة تمتد ، لا لتجرف الأدب في تيارها ، بل تتعدى ذلك إلي البحوث الذوقية الجمالية البحتة . فمنذ النصف الثاني من هذا القرن تدخل البحوث الجمالية ضمن مباحث الفلسفة ، ويكون الجمال والقبح والذوق موضوعات فلسفية النزعة عقلية الطابع . وإذا كان بارمجار بن في ألمانيا قد مهد لهذا الاتجاه العقلي في البحوث الذوقية الفنية ، فإن الاتجاه يبلغ قمته عند كانت وهيجل وشوينهور وهي الأسماء اللامعة في الميدان الفلسفي لذلك العصر . وهكذا تخرج المبادئ الجمالية من كتب " الفن الشعري ٢ " poeties التى تسلسلت بأقلام كتاب يعملون في الميدان الفني أكثر من أي ميدان آخر - باستثناء أرسطو - لكي تكون جانبا رئيسيا من موضوعات الفلسفة ، وتبحث وتناقش بأقلام كتاب يعملون في الميدان الفلسفي أكثر من أي ميدان آخر . فباحث الأيستنك مظهرها قبل هذا العصر غير مظهرها فى هذا العصر ، غيره في العصر الحاضر فالأيستنك الحديثة تقف في وجه الماضي

لتعبر عن صور الأشياء بشكل لم يسبق لها أن ظهرت فيه ) ١ (

وفي القرن التاسع عشر تظهر الرومانتيكية . وكان بعض النقاد بصفها بأنها مرض العصر . ونحن إذا تأملنا هذه التسمية - رغم ما يمكن أن يقال من أنها صدرت عن ناقد يمالئ الحركة الكلاسيكية المنقرضة ويهاجم النزعة الرومانتيكية ، أقول إذا نحن تأملنا هذه التسمية وجدناها صادقة تنفذ بنا إلى " روح العصر ، السائد والمتمثل بوضوح في الأدب باعتباره أصدق مظهر قابل للتعبير عن النفسيات المريضة .

وعلى الإجمال من الممكن الكلام عن الأدب الكلاسيكي باعتباره أدب العقل . والرومانتيكي باعتباره أدب العاطفة والخيال والتحرر الوجداني . ولم يكن بطريق المصادفة أن يخفت صوت مذهب ما لبناء مذهب آخر ؛ فالبحث على نطاق واسع يمكن أن يضع أصابعنا على كل خيط من خيوط النسيج الذي يمثل هذه الحركة ، وعندئذ سنجد هذه الخيوط تمتد إلى كل مقوم من مقومات الحياة المعاصرة . ولا يحدث انقلاب العالم من اتجاه أدبي ما إلى اتجاه آخر اعتباطا ، وإنما يمكن أن يقال إن خيوطا أخري محكمة القتل قد أخذت تتشابك وتلتحم لتخرج نسيجا آخر له خطوط وألوان وأصباغ أخرى . وإذا كان نسيجا الكلاسيكية والرومانتيكية قد بليت خيوطهما فثم نسيج آخر هو نتاج القرن العشرين منذ بدايته إلى قيام الحرب العالمية الثانية وليس معني هذا التحديد أن خيوطه لا تمتد في الزمن إلي أبعد من هذا ، أو أنها بليت بدورها ، لأن لونا جديدا كاملا يزاحمها في الميدان لم يقف بعد ثابتا على قدميه

أما بالنسبة لهذه الفترة من القرن العشرين ، فإن بعض المشتغلين بالفلسفة والمشهورين بحسن الملاحظة يقرر انه لا يوجد انسجام دائما بين ميول الأدب الحديث وبين العلم والفلسفة . ومثله على ذلك أن علماء النفس - في هذه الفترة على الأقل - يعارضون في محاولة فصل الشعور ووضعه في عزلة واعتباره نوعا من المعرفة أو حالة من التأثر النفسي . هذا - كما يقولون - تمزيق وإفساد للحقيقة . وما دام العالم المعروف لنا أيضا عالما واحدا ، فإن

الحياة النفسية ممتدة ، وتقطيع شريط هذه الحياة فقدان لوحدتها وقيمة حركتها . ولعله بهذا المثل يشير إلى الاتجاه الخاص في فهم الزمن عند جماعة المحدثين من الأدباء .

ولقد قرر دنيس سورا في السطور الأولى من مؤلفة " المحدثون modernes (١٩٣٥)  انه من المعتاد وصف الأدب الكلاسيكي بأنه أدب العقل ، والأدب الرومانتيكي بأنه أدب العاطفة ؛ فما هي خصائص الأدب في هذه الفترة ؛ لا شك أنها القصد إلي المعاني التي تحصل في النفس عن طريق الحس .

وإذا فلهذا العصر طابع جديد ليس بالكلاسيكية ، وليس بالرومانتيكية ، لأن الأدباء فقدوا ثقتهم بالعقل فلم يعد يثير اهتمامهم ، كما كفوا عن الاعتقاد في العاطفة ، ولم يبق لهم سوى المتعة التي امنوا بها طالما كانت ممتدة . وعندما تغني متعة أو لذة فإنهم يبحثون عن اخرى .

ونود أن نوجه اهتمامنا الآن إلي هذه الفترة الخصبة المتميزة بروحها الخاص ، وأهم ما يلفت النظر في هذه الفترة هو تلك المدارس المختلفة والمتعارضة ، فإن هناك عاملا واحدا يكمن وراءها هو الوعي الباطن subconcious وهذا الاصطلاح دخيل في المجال الأدبى لأنه ألصق بميدان الفلسفة وعلم النفس .

ولهذا لا بد أن نقدم هنا - وبالنسبة لهذا العصر بالذات كلمة تحذير من وصف نظرية أدبية بما هو فلسفي أو سيكلوجي ؛ فقد كان من الرائع مثلا في القرن الثامن عشر - وكما سبقت الإشارة - أن نزعته العقلية امتدت إلى كل شئ . كما راج الحديث في القرن التاسع عشر عن ديكارت ومذهبه العقلي rationalism باعتباره قد أثر في أدب القرن السابع عشر أو لونه إلى أن أصبح من المحقق أن ديكارت وأدب القرن السابع عشر كلاهما كان مظهرا لاتجاه عقلي أوسع ، وهذا الاتجاه العقلي الأوسع المسيطر على العصر كله هو ما أردنا تسميته بروح العصر .

ومثل ذلك ما هو معتاد من الكلام عن الفترة التى وقفنا أخيرا عندها ، والإشارة إلى أن فلسفة برجسون بفهمها الحاضر للزمن وتأكيدها للبديهة intution كمصدر للكثير إن لم يكن للغالب - من الإنتاج الأدبي في هذا العصر .

وليست فلسفة برجسون كافية في ذاتها بحيث تشرح

أدب العصر ؛ فمن الخطر الكلام عن الفلسفة وربطها هكذا بالفنون الجميلة ، كما أن هذه الفنون لا يمكن - في معني من المعاني - أن تشبه الفلسفة ، وكل ما يمكن قوله هو أن فلسفة برجسون ، والأدب بين الحربين العاليتين الماضيتين لهما - وبالنظر إلى ما رأينا من مظهر خادع لسيطرة الفلسفة على التيارات الأدبية في القرن السابع عشر - مصدر عام يتمثل في " روح العصر " الذي يميل إلى البعد عن العالم الخارجي والفرار منه إلى العالم الداخلي ، إلى الذاكرة والرغبات الإنسانية خاصة في صورها الأقل وعيا . هذا المظهر العام أو " روح العصر السائد " هو ما قدم له برجسون الصورة الفلسفية ، وقدم فرويد له الصورة النفسية ، ولم يكن الفنان بمنأى عن " روح العصر " فأحس بالدافع إلى التعبير عنه في صورة فنية .

ومن المعروف أن حقيقة الفن ليست هي حقيقة الفيلسوف أو العالم النفساني فالفنان لا يستطيع أن يلحظ وعيه الباطن ، ولكنه يستطيع فقط - تحت إلحاح إثارة معينة - أن يسمح لذاكرته اللاواعية أن تعمل وتسجل أفكارها الغريبة ، أو أن يحاول نوعا من الكتابة الآلية التي تقترب بدرجة تختلف قلة وكثرة عن عمل عقله الباطن ، أو أن يمثل ذلك العمل بواسطة ترابط الأفكار .

وقد كان الاتجاه الرمزي صورة لهذه العملية في الميدان الأدبى فقد أظهر فرلان ومالارميه ترابطا بين الكلمات والأشياء التي خرجت على السجية دون إثارة .

ولكن هذا الجانب من تأليفهما لم يكن مفهوما بوضوح قبل سنة ١٩١٤ ، ولم تأت سنة ١٩١٨ حتى كان المذهب الجديد معروفا تمام المعرفة رغم أن أصله يمتد في السنين الماضية .

ويمكن أن نلاحظ بسهولة أن الفنون التشكيلية في هذه الفترة ، وخاصة فن الرسم ، تعرض نفس التطور ، ونفس الظاهرة ، ونفس النظريات .

وإذا كانت حقيقة فلسفة برجسون والأدب المعاصر قد اتضحت أمامنا ، وأن الاتجاه إلى الوعي الباطن هو المظهر المشترك بين الاثنين . فيجدر بنا أن نعرض أيضا المذهب الاجتماعي المعاصر لنري التفاعل الظاهرى بينه وبين الأدب ؟ فقد كان رومان تنفيذا لدور كيم العالم الاجتماعي المشهور .

وقد حاول رومان أن يستغل نظرية دوركيم ويربط بينهما وبين اتجاهه الأدبي ، والنظرية الاجتماعية لدوركيم تقول بأن الأفراد المكونين لجموعة أو جمهور يفقدون فردياتهم ويرتبطون كالخلابيا ليكونوا وحدة جديدة لها شخصيتها وروحها ، فحاول رولان أن يعبر عن هذه المجموعة ؛ والذي يقرأ هذا الكلام لا يتردد برهة في أن يفهم أن النظرية الاجتماعية هنا هي التي وجهت رولان إلى لون أدبى معين ؛ ونحن لا نمنعه هذا الفهم . ولكن من الأحسن ان نقول إن كلا من نظرية دور كيم الاجتماعية واتجاه رولان الأدبي يتفق اتفاقا تاما مع ما سميناه بروح العصر أو الاتجاه العام السائد أو الكامن خلف فلسفة برجسون ونظرية دور كيم واتجاه رولان .

فالذي لا شك فيه أن نمو المجتمع الصناعي له أثر ما في هذه الفلسفة وهذه النظرية وهذا الاتجاه الأدبي . وإذا كنا رأينا اهتمام الفلسفة البرجسونية بالوعي الباطن فإن محاولة رولان - التمشية أيضا مع نظرية دوركيم - في التعبير عن المجموعة لا تبعد عن الوعي الباطن كثيرا إن لم تكن تعمل في محيطه ؛ التعبير عن الوعي الباطن - لا للفرد ولكن للجموعة - تعبيرا محررا .

وأحب أن أضع بين يدي القارئ الكريم مثالا او مثالين من الاتجاهات الأدبية لهذه الفترة التي تفشي فيها الهروب من الواقع الخارجي إلي الداخل النفسي - إذا صحت هذه التسمية . وها هو ذا مارسيل بروست في كتابه " في البحث عن الزمن الضائع a la recherche du temps perdu . يعطينا مثالا رائعا لذلك السائد ، أى الوعي الباطن فإذا كان بروست يحاول أن يستجمع الزمن الضائع فليس ذلك إلا لأنه يعتقد أن القاضي دائما حاضر في مكان ما من ذاكرة الوعي الباطن ، ولا يحتاج إلا لما يثيره ويخرجه إلى السطح . وهنا تجدنا مع بروست وهو يستوحى ذلك الوعي الباطن الذي ادخر له زمنه الضائع ، فتتمثل بذلك في أدبه النزعة العامة

ومن الممكن ايضا تلمس خيوط الاتجاه إلي الوعي الباطن يتأسيس مذهب الدارايزم dadaism على يد تسارا tsara في زيورنج سنة ١٩١٦ والذي انتقل إلى فرنسا بواسطة

فيلبب سوبول . وقد ظهرت أصول هذه الحركة عند رميو ) ١ ( والحلقة السابقة لسنة ١٩١٤ بين رميو والدارايزم توجد في المذهب التعكيبي وفي مدرسة المستقبليين التي يرأسها مارينهن الإيطالي . وقد ظهرت الحركة الدارية في هذه المدارس ظهورا عمليا بخاصة عند جيوم أبوفينير آخر الرمزيين الفرنسيين وأبي " الدارا " . الذي حاول أن ينقل إلى الشعر النظريات التى كانت قد استخدمت في فن الرسم فخرجت اعماله ذات طابع بهاواتي غريب لأنه كان يسجل مشاعره كما تأتيه .

وقد صحب هذه الحركة وهنا لابد من الالتفات إلى التقدم العلمي والآلي الذي صحب تقدم صناعة السينما والعرض السينماني السريع ( ، صحب هذه الحركة اختفاء القافية والوزن والإيقاع المنظم والتحلل من كل قيد قديم ، فخطا الشعر بذلك خطوات واسعة في سبيل التحرر .

وعلى العموم فقد خطا مذهب الدارايزم شوطا بعيدا في الوعي الباطن والاتجاه السوربائي ، ويمكن فهم الدارايزم بعد من الصورة التي عبر بها سوبول عن هذا الاتجاه بقوله : " ضع الألفاظ في قيمة ، ثم أخرج منها ما يحن لك ، فبهذا يصنع الشعر الداري . وإذا نحن اعتبرنا هذه المحاولة لم نكن جيدين هما سماه الأدباء المحدثون باللحظة النفسية . وهي المحطة الواقعة التي ينصب فيها كل وجود الفنان وشعوره . فيعبر عن هذا الشعور تعبيرا تلقائيا. وما دامت اللحظة النفسية هي حالة الشعور الحالي فقد صارت بالنسبة لنا الحقيقة الوحيدة الباقية . ومن هنا سمى الأدباء أنفسهم المحدثين ، وهم لا يقولون مع هوراس " لأتمتع بهذا اليوم أو مع كاتب هذا المقال في قصيدة له نشرت بالثقافة بعنوان نهريمة الوحيد " حيث يقول :

بالأمس كنت . . فأين راح الأمس في جوف الفناء

كذا يضيع العمر . . فلنأسف لماضي عمرنا .

ولنبتهج في يومنا . . فغدا سيضحي أمسنا .

ولكنهم يقولون : " لتتمتع بهذه الساعة ، بهذه الدقيقة . بهذا الحاضر " . ولهذا كان أدب اللحظة النفسية لا يعترف بالعقل ولا بالعاطفة ، وإنما كان تعبيرا شعوريا تلقائيا أو بديهيا أو على السجية أو ما شئت من لفظ يؤدي هذا المعنى

وأخيرا تقف لحظة عند الناحية العقلية . فقد لوحظ على مر الأيام أن الكتاب الذين بدؤوا حياتهم شعراء قد ازداد تحولهم سواء قبل الحرب العالمية الأولى مباشرة أو بعدها إلى القصة . فإذا بحثنا عن السر في ذلك وجدنا أن القصة كانت أطوع في يد صغار الكتاب ليستطيعوا تحليل كثير من مظاهر الوعي الباطن تحليلا أحسن . فالاتجاه في أحضان الوعي الباطن هو الذي جر الكتاب إلي سوق الشعر والرواج إلى سوق القصة . ثم تقدمت صناعة السينما كما تقدمت الصناعات الأخرى ، التي حدت من النشاط الإنساني - كما قال ديهاميل - وطبعت الحياة بطابع السرعة ، فصار متلقي الفن يكسل عن القصيدة وعن القصة بدورها ، لأن السينما خففت عليه العبء وجعلته يري القصة ويسمع حديثها في وقت وجيز ١ ( . وهذا هو المعنى الذي نريد أن نؤكده بالنسبة للأدب في تلك الفترة ؛ وهو أنه كان - من جانب الفنان - تعبيرا عن الشعور الباطن تعبيرا حرا ، يجتهد ليوصله إلى نفس متلقي فنه من طريق الحس .

وهكذا نري أن الفلسفة وحدها أو الاجتماع وحده أو علم النفس وحده أو العلوم الطبيعية وحدها لا تكفي لإعطاء تفسير كامل للاتجاهات الأدبية المختلفة والمعارضة في ظاهرها في تلك الفترة من القرن العشرين . لأن الفلسفة والاجتماع وعلم النفس والعلوم الطبيعية والاتجاهات أو المذاهب الأدبية كلها تشترك في الكشف عن روح العصر " في الجوانب المختلفة ؛ فهي مظاهر لهذا الروح . وليس من السهل القول بأن بعضها هو الذي سيطر على البعض الآخر وجرفه في تياره ووجهه وحهة معينة .

وإذا كان لكل عصر روحه وسماته الغالية فإن روح هذا العصر وسماته العامة المحركة هي : فقدان التوازن والتحلل والتخبط .

اشترك في نشرتنا البريدية