الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 330 الرجوع إلى "الثقافة"

روزفلت

Share

مات روزفلت ، فاختفت بموته شخصية عالمية عظيمة كان لها أكبر الأثر فى تغيير وجه التاريخ الحديث ، وذهب بذهابه عامل من أكبر العوامل التى حولت مجرى الحوادث في الحرب القائمة إلى ما صارت إليه . ولا يمكن إدراك حقيقة عظمة هذا الرجل ومبلغ ما كان له من فضل فى النتيجة التى وصل إليها الحلفاء اليوم ، والنصر الذى أصبحوا على أبوابه ، إلا إذا تصورنا ما كانت تنتهى إليه الأمور لو لم يكن هذا الرجل رئيسا للولايات الأمريكية المتحدة وقت قيام الحرب .

فلو أن رئيس الولايات الأمريكية المتحدة كان رجلا سواء ممن لا يتملكهم ما تملكه من روح إنسانية عامة ، ولا يغلب على تفكيرهم ما غلب على تفكيره من نزعة عالمية ، ولا تضطرب جوانحهم بما اضطربت به جوانحه من كره للطغيان وللعدوان وحب للحرية وإيمان بحق الجميع فى

أن يتمتعوا بها ، لكان الراجح ،أن تقنع أمريكا من هذه الأحداث التى تجرى بعيدا عن ديارها بالسلامة ، وتجنح إلى عزلتها المأثورة وتغلب النزعة النفعية ، فتستغل الفريقين المتحاربين ، وتجنى من التعامل معهما الربح الوفير ، ولكانت النتيجة المحققة لذلك أن ترجح كفة الباغى ، وأن تعجز بريطانيا وروسيا عن التغلب عليه .

ولكن الرجل كان أكبر إيمانا بالمثل الإنسانية العليا من أن يكفل قضية الحرية والعدل هذا الخذلان ، وأبعد نظرا من أن يعين البغاة اليوم ليقع فريسة لهم فى الغد . ولهذا لم يتردد فى المسلك الذى يختاره .

ولقد كان الرجل يعلم أن بلاده تموج بالتيارات المختلفة وأنها خليط من سلالات متعددة : منها ما يمت بصلة لفريق ، ومنها ما يرتبط بالفريق الآخر . وفيها رجال أعمال ليس من اليسير أن يضحوا بمصالحهم ، ولكن الرجل بما أوتيه من

مهارة وقوة تأثير شخصى استطاع أن يجمع كلمتهم ، ويوحد وجهتهم ، ويكسب بالإقناع أخذهم لسياسته ، ويظفر بتأييدهم لخطته .

واستطاع قبل أن يدخل الحرب أن يجد له منفذا لمعاونة الحلفاء وإمدادهم بالمعدات بما سنه من قانون للاعارة والتأجير ثم استطاع حين دخل الحرب أن يجند كل قوى دولته الغنية الزاخرة بالمواد والمصانع ، وأن ينظم إنتاجها تنظيما كفل أن تنتج من العدد والآلات ما لم يسبق لأمة مثله . وتدفقت المعدات الحربية من طائرات ودبابات ومدافع وسفن على ميادين القتال حتى تغيرت كفتا الميزان .

واشتد ساعد المحاربين الذين صمدوا العدو تفوق عليهم في المعدات حتى جاءهم المدر فأخذوا يردون هجوم العدو عليهم ، ثم انقلبوا مهاجمين حتى غزوه فى عقر داره وأوقعوا به أكبر هزيمة عرفها التاريخ . ولم تقف معونته عند الامداد بالمعدات بل حشد ملايين الرجال وقدم خيرة رجاله ، فكان لهم أكبر نصيب فى رسم خطط الغزو وفى القيام بأخطر المغامرات ، وشهدت لهم المعارك ببطولة يخلد ذكرها .

ومع أن الرجل كان يعانى آثار مرض مزمن ومع أنه كان فى سن الشيخوخة فانه قد اضطلع بهذه الأعباء الجسام بهمة لم تعرف الكلل . ولم تقف جهوده عند التفكير فى كسب الحرب والعمل لما يبلغه هذا الهدف . بل لقد كان يعمل من اللحظة الأولى لتحقيق مثله العليا التى خاض غمار الحرب من أجلها ، ويعد العدة لكسب معركة السلام وبناء العالم الجديد على أسس سليمة ودعائم قوية . ولقد كان فى سبيل الغايتين - كسب الحرب وكسب السلام _ يجتمع بغيره من قادة الأمم ويتبادل معهم الرأى ويتناول مع مساعديه وخبرائه شتى المسائل بالدروس والبحث . وكان لايقعد عجزه ومرضه وشيخوخته عن السفر من بلاده لأطراف الأرض ليتصل بأقطاب العالم عن كثب

ويتبادل معهم الرأى . ولقد رأته مصر من عهد قريب يجتمع بعاهلى مصر والجزيرة ويتناول معهما أمور الشرق الأقصى ، ولمست مما تواتر على الألسنة عنه روح العدل والانصاف التى كان يتحلى بها والتى كانت تعلق عليها أكبر الآمال فى نصرة قضية الحرية فى هذا الجانب من العالم . وإذا كان الرجل قد عاجلته المنية قبل أن يشهد نهاية المعركة ويدرك ثمرات النصر فلقد مات قرير العين بأن طريق النصر قد وضح ومعالمه قد لاحت فى الأفق .

وكم كان أنصار الحرية يتمنون لو مد فى عمره ليكون ما له من تأثير شخصى قوى وروح عالية سامية أثر فى توجيه مباحثات الأمم لوضع أسس الحياة الدولية القادمة . وإذا دلت حياة هذا الرجل على أمر فانما تدل على أن أثر القيادة حتى فى أعرق الأمم ديمقراطية أقوى أثر وأن الزعيم الشجاع المؤمن يستطيع أن يواجه أحلك الظروف بروحه القوية ، وأن يصمد لما يقف فى وجهه من مختلف التيارات حتى يكسر شوكتها ، وأنه يستطيع حتى فى أشد الشعوب تعلقا بالحرية ونفورا من القيود إقناعها بالنظام وحملها على التضحية وأخذها بأشد القيود صرامة متى وثقت من إخلاصه وبعد نظره .

والآن وقد اختفى من مسرح الحياة العالمية شخصية فذة من الشخصيات التى قادت الأمم فى معركة النصر القائمة تتطلع الأنظار إلى من صار على كرسى الرياسة فى أمريكا مكانه أن يسير على نهجه ، ويتخذ من حياته أسلوبا للعمل . وتتطلع إلى قادة الأمم المتحالفة الكبيرة أن يذكروا الضحايا التي قدمت على مذبح هذه الحرب الظالمة ، وأن يذكروا شهداءها وبذكروا روزفلت العظيم الذى كان أكبر أولئك الشهداء تضحية . وأن يذكروا أيام المحن السوداء التى مرت بهم ، فلا يلهيهم الظفر الحاضر عما قدموه من عهود ، وأن يستقبلوا الحياة الجديدة بغير ما استدبروا به الحياة القديمة ، وألا تفتنهم القوة فيمتهنوا

الضعاف ، وأن يعلموا أن الأيام تتمخض عن العجائب ، وأن ضعيف اليوم قد يصبر قوى الغد . فإذا كانوا قد تعلموا من هذه الحرب ما لم يتعلموه من الحرب الماضية ، طمع العالم فى عهد طويل من الاستقرار والطمأنينة ، وإلا كان الأوان الذى نتطلع إليه الإنسانية لكى يسود السلام فيه هذا الكوكب لم يحن بعد . والله بالغ أمره             (....)

اشترك في نشرتنا البريدية