الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 689الرجوع إلى "الثقافة"

روسو الإنسان

Share

كلما قرأت اعترافات روسو وجولاته ازددت حبا له وهياما به . إنى أحيانا لا أقرأ روسو كمفكر له آراء وله مذاهب ، ولكن كإنسان فيه ما فى الإنسان من حياة تضطرب بين الخير والشر ، بين الخطأ والصواب . ولم يكتب روسو فى كل تآليفه إلا نفسه . ويحق القول أن انتاجه كله ما هو إلا قصة شخصية ، بمعنى أن كل كتاب من كتبه يمثل فترة معينة من حياته . لم يعن هذا الرجل إلا بتفسير نفسه ، إذا استقام هذا التعبير . ولقد كتب معظم آثاره بضمير المتكلم ، ونادرا ما كتب بضمير الغائب . كان روسو مشغولا بنفسه طيلة حياته ، ولم يكن لديه موضوع يكتب فيه غيرها .

وإن كان لأفكار روسو فى المجتمع الفضل فى الثورة الفرنسية - أو بعض الفضل - فإن الكتب التى وضع فيها آراءه لا يكاد يقرأها أحد الآن ؛ كل ما بقى لنا من آثار روسو هو الاعترافات وما يتمها من جولات . لقد وضعت أفكار الرجل على الرف بعد أن انتهى العمل بها وبقيت " حياته " وحدها كما كتبها بقلمه .

وموضوع هذا المقال لمحتان فى حياة جان جاك روسو مقتبستان ومترجمتان عن الفرنسية عن " الاعترافات " و " أحلام جو ال منفرد " .

روسو وشريط ماريون

لهذا الشريط فى حياة روسو قصة عجيبة شائقة ، هى قصة كذبة صغيرة تافهة ، ولكن مع صغرها وتفاهتها فقد ظلت تعذب هذا الرجل وتلقى فى روعه الرعب من هذه الخطيئة دائما ، منذ وقوعها وهو فى السادسة عشرة حتى حول سنه الخامسة والستين عندما بدأ يكتب آخر عمل له : أحلام جوال منفرد . ولقد أفرد هذا الجوال المنفرد (الجولة الرابعة ) من جولاته لتأملاته فى الكذب . وفى هذه الكذبة التى كذبها صغيرا بالذات .

ولقد جاء بالجولة الرابعة ما يلى: " أول فكرة جاءتنى عندما استجمعت أفكارى كانت فكرة كذبة بشعة ارتكبتها في شبابى الباكر ، وما فتئت ذكراها تقلقنى طيلة حياتى وظلت حتى شيخوختى تملأ بالألم قلبى . ولم تكن هذه الكذبة جريمة كبيرة فى ذاتها ، ولكن لابد أنها كانت أكبر جرما بنتائجها التى جهلتها دائما والتى صورها لى ندعى قاسية أعظم ما تكون القسوة . ومع كل قلم تكن هذه الكذبة إلا ثمرة الحياة ، ومع بعدها عن وقوعها بقصد إيذاء هذه التى وقعت ضحيتها ، أستطيع أن أقسم أمام السماء أنه فى نفس اللحظة . . كم كنت أود أن أبذل دمى كله ، بكل سرور ، لأحول نتائج هذه الكذبة إلى أنا وحدى " .

التحق روسو فى بدء الشابة القلقة ، كما جاء فى اعترافاته بالكتاب الثانى ، وصيفا أو تابعا عند مدام دى فرساليس بعد أن أقام بعض الوقت عند مدام دى فارنز ثم عند مدام بازل ، بعد مبارحته جينيف فى السادسة عشرة من العمر . وحدث بعد حين من التحاقه عند هذه السيدة أن اكتشفت وصيفتها الأولى ضياع شريط قديم صغير فى لون الورد والفضة ، وكان السارق هو روسو نفسه .

"كانت فى متناول يدى أشياء أخرى كثيرة أكبر قيمة ، ولكن أغرانى هذا الشريط وحده فسرقته ، ولم أخبئه قط ، فلم يلبث أن وجد " . وأرادوا بطبيعة الحال معرفة الشخص الذى كان قد أخذه ، واضطرب روسو وأرمج عليه القول ، وقال أخيرا وهو محمر الوجه خجلا إن ماريون الطباخة هى التى أعطته إياه . وكانت ماريون فتاة يافعة ، ولم تكن جميلة وحسب ، ولكن كانت بشرتها ناضرة نضارة لا توجد إلا على الجبال ، وكانت متواضعة بها حلاوة لا يستطيع الناظر إليها إلا أن يحبها . وكانت فتاة طيبة عاقلة ومخلصة إلى أبعد ما يكون الإخلاص . ومن أجل هذا دهش القوم عندما اتهمها روسو بسرقة الشريط وإعطائه

إياه ؛ ولما كان القوم يثقون بروسو كما كانوا يثقون بماريون فقد وجب أن يحققوا فى الأمر ليعرفوا من منهما كان السارق . ونودى على ماريون ؛ وكان عدد المجتمعين ضخما ، وكان من بينهم الكونت دولا روك ، ابن اخى أو ابن أخت مدام دى فرساليس . وتصل ماريون .

ويعرض عليها الشريط ، ويواجهها روسو بصفاقة ويتهمها بسرقته . فتنسمر قدماها ويعتقل لسانها ، وترمى روسو بنظرة هائلة . ولكن يصمد لها قلبه . وتنكر ماريون بتأكيد وإصرار ولكن دون غضب ، وتنظر إليه بعتاب وتسأله أن يعود إلى نفسه . وألا يؤذى شرف فتاة بريئة لم تؤذه قط . ولكنه استمر فى اتهامه مدعيا أنها أعطته الشريط . عندئذ انفجرت الفتاة باكية وقالت لروسو هذه الكلمات " آه ؛ روسو ، كنت أحسبك شريفا . إنك تجعلنى تعيسة ؛ ولكنى لا أحب أن أكون مكانك . " واستمرت فى دفاعها عن نفسها إن يكن ببساطة فبإصرار ودون أن تسمح نفسها بأن تطعن فى حق روسو أى طعن . كان دفاعها معتدلا إذا قورن بإصراره . " لم يكن يلوح لى طبيعيا تصور جرأة شيطانية من ناحية ومن ناحية اخرى حلاوة ملائكية " . ولم يلح على القوم أنهم قد انتهوا إلى رأى قاطع فى هذا الموضوع . ومع كل فقد طرد الكونت دولا روك روسو وماريون معا من الخدمة وقنع بأن يقول بأن ضمير المذنب سينتقم للبرئ . " لم تكن نبوءته عبثا . إنه ( أى ضمير روسو ) لا يكف يوما واحدا عن تحقيق هذه النبوءة .

وروسو يجهل كل شئ مما حدث بعد ذلك لماريون . ضحية بهتانه . وهو يعتقد أنه لم يكن باستطاعتها أن تجد عملا بعد ذلك بسهولة . لقد ظل طيلة حياته ،كما قدمت ، فريسة لندمه على هذه الكذبة . ويقول روسو مبررا تصرفه هذا : " لم أكن أخاف العقاب إلا قليلا ، لم أكن أخاف إلا الفضيحة ،

كنت أخاف الفضيحة اكثر مما أخاف الموت والجريمة وأى شئ فى العالم . كم كنت أود أن تنشق الأرض وتبتلعنى ، ولقد طغى الحياء الذى لا يغالب ، على كل شئ . وأصبح وحده سبب كل فحتى ، وكلما شعرت بإثمى جعلنى الخوف من الاعتراف به أكثر جرأة . لم أكن أرى إلا شناعة معرفة

الجميع وإعلانهم ، وأنا أمامهم ، يأتى لص كاذب مفتر . . إذا كانوا تركونى أعود إلى نفسى لكان من المؤكد أن اعترف بما اقترفت ؛ إذا كان مسيو دولاروك أخذنى على حدة . . لارتميت على أقدامه للتو . إنى متأكد من هذا كل التأكد " .

ولقد كان من نتائج هذا الحادث أن اتخذ لنفسه شعارا أن يكرس كل حياته بعد ذلك فى سبيل الحق . وقد كان . (الاعترافات ، الكتاب الثاني) .

روسو وحياته فى العائلة

بعد عودة روسو من البندقية ، وقد كان حمل بالقنصلية  الفرنسية بها حيث لم تتجاوز إقامته العام ، إذ كان قد اشتجر  مع السفير الفرنسي وآب إلى باريس في منتصف عام ١٧٤٤   -  نزل بفندق سان كنتان ، وهناك كان ينتظره العزاء  الوحيد الحقيقي الذي منت به عليه السماء في بؤسه ،والذي به  جعل هذا البؤس محتملا . فقد كانت لمضيفة الفندق فتاة في  الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من العمر تستخدمها في  الغسيل ، وكانت تتناول غذاءها على نفس المائدة مع روسو .

وكانت هذه الفتاة ، وتدعي لوفاستور ،  من عائلة طيبة   ولكن فقيرة ، وكان لها إخوة كثيرون ، ودفعها الفقر إلى   العمل لتعيش ويعيش من حولها .

ولأول مرة رأي روسو تبريز على المائدة ، أثر فيه   تواضعها وأ كثر من ذلك نظرتها الحية الحلوة التي لم يكن لها   في نظره شبيه . وحدث في هذا اللقاء الأول أن ضايقها أحد   الجالسين إلى المائدة ، ففزع روسو للدفاع عنها ، وهكذا   أصبح حاميها وناصرها  .  ولقد رآها تأثرت برعايته .

فنفذت بنظراتها إلى أعماقه ، هذه النظرات التى كانت تشع  عرفانا بالجميل الذي لم تكن تجرؤ على التعبير عنه بالفم .

كانت تبريز حيية جدا ، وكذا كان روسو ، ولكن قرب حياؤهما المشترك كلا منهما من الآخر بسرعة على عكس ما كان يظن . ولمحت المضيفة هذا التعاطف وثارت عليه وغضبت ، وقربته قسوة المرأة على الفتاة من هذه الأخيرة ، ولم يكن لها في البيت سند غيره . ولقد رأت القناة في جان جاك رجلا شريفا ؛ ولم تكن مخدوعة في نظرتها ،  كما أنه

رأي في تبريز فتاة حساسة بسيطة دون زينة ، ولم يكن مخدوعا في هذا أيضا . وصرح لها سلفا بأنه لن يتركها أبدا وإن لم يتزوجها .

وكانت تبريز تخاف ألا يجد فيها ما يبحث عنه . كانت مترددة أمامه مرتبكة تود أن تتكلم فلا تجرؤ على توضيح ما تقول . ولم يكن روسو يتصور سبب ارتبا كها . . وأخيرا تفاهما : لقد اعترفت إليه واسعة العين بخطأ واحد ارتكبته في مستهل شبابها  كان  ثمرة  جهلها  والإغراء . وفهمها روسو للتو وصاح صيحة الفرح : "آه ! تبريز ، إني في غاية السعادة ... " .

ولم يكن روسو في مبدأ الأمر ، كما يقول ، يبحث إلا عن التسلية . لقد كان يحيا حياة فارغة حتى هذا العهد - كان حينئذ في الثانية والثلاثين - إذ كان من المستحيل عليه أن يمضي في حبه لمدام دي فارنز ، راعيته الأولى ، وقد فرقت بينهما ظروف الحياة والعيش . كان قلبه في هذا الحين فارغا يحن إلى من يملؤه ، إلى من يشغله ؛ وكانت نفسه وحيدة ظمأي تبحث عمن يرويها ، فوجد في بساطة تبريز وحلاوة قلبها ما يمكن أن يملأ قلبه ويشغله ، ما يروي عطش نفسه بعد ظمأ . " ولقد أردت في البدء أن أ كون روحها ، ولـــكن ذهب جهدي سدي  .  فلم تكن روحها إلا هذه التي صاغتها الطبيعة ،لا الثقافة تؤثرفيها ولا العناية .

وأنا لا أخجل مطلقا من اعترافي بأنها لم تكن تعرف القراءة جيدا وإن كانت تكتب بدرجة لا بأس بها . عندما كنت أقطن شارع ...كان أمام نافذتي بفندق ... ميناء ساعة بذلت جهدى  طيلة أ كثر من شهر لأعلمها  كيف تعلن  من ساعات . . وهي لم تعرف قط كيف تتلو أسماء شهور العام الاثني عشر في ترتيب ، ولم  تعرف أبدا أي  رقم  برغم العناية الفائقة التى كنت أبذلها لتعريفها بهذه الأرفام ، وهي لا تعرف كيف تحصى النفود ولا ثمن شئ ما . وغالبا ما تأتي الكلمة التي تقولها بعكس ما كانت تود أن تقول .. ولكن هذا الشخص محدود الأفق إلى هــذه الدرجة وإلى هذا الحد من الغباء ، إذا أريد القول ، له رأي ممتاز في الظروف العصيبة . فقد كانت تبريز تري دائما ، في سويسرا وانجلترا وفرنسا عند ما كانت تلم بي الفئات ، ما لم أكن أري

أنا نفسى ؛ وكانت نصائحها أجمل ما يكون النصح . ولقد انتشلتني من مخاطر كنت أهوي إليها على عمي مني ، واجتذبت أمام السيدات من الطبقة الراقبة والسادة والأمراء برقة حاشيتها وعقلها الراشد وإجاباتها وسلوكها - اجتذبت بهذا تقدير الجميع ، كما اجتذبت بفضلها من المديح ما كنت أحس بإخلاصه " .

وكان روسو بعيش مع تبريز عيشة هنيئة . ( كنت أري أنها تحبني بإخلاص ، وكان هذا يضاعف من رقتي ... لم أكن أخرج إلا لأذهب إلى تيريز ، وقد كاد مسكنها يصبح مسكنى " .

ومضي الوقت ، وكانت حياة روسو في هذه الفترة - كما كانت حياته دائما - عسيرة ، إذ كان يعيش على نسخ النوتات الموسيقية وأعمال أخري صغيرة لا تكاد تكسبه شيئا . وكان روسو برعي عائلة تبريز بكاملها وكانت تتكون من سبعة أشخاص أو ثمانية . لأنه وإن كانت تبريز لم تكن طامعة في شيء من شئون روسو فقد كانت أمها على العكس من ذلك،فهي لم تلبث وقد رأته يوليها برعايته أن استحضرت عائلتها جميعا لتشاركها ما هي فيه من خير . جاءوا جميعا : أخوائها ، أبناؤها ، بناتها ، حفدتها ،  كما جاءت ابنتها للمتزوجة . وهكذا كان كل ما يفعله ويكسبه روسو من أجل تبريز - أو أجله - يتحول إلى هذه البطون الجائعة جميعا .

وقد اتفق روسو على أن تعطى تبريز كل ما تكسبه لأمها على ألا تقف المساعدة عند هذا الحد ، أعني أن يمد هذه العائلة بما يمكنه إمداده من مال وعون .

وحملت تيريز واقترب موعد وضعها ، وكان من رأى جان جاك روسو إيداع طفله الوليد ملجأ من ملاجيء اللقطاء ، ناظرا إلى أن مجيء طفل جديد سيربك حياته أكثر مما هي مرتبكة فعلا ، وإلى أن هذا هو الحل الوحيد لينقذ شرف تبريز أمام الناس ، ولكن كيف يقنعها ؟ ! كانت أم تبريز تري ما يري روسو تماما ؛ فما زالا بتبريز حتى سلمت لهما بما يريان . واختيرت قابلة ماهرة لتقوم عملية الوضع . وعند ما أزف الوقت اصطحبت مدام لوفاستور أبنتها إلى القابلة لتضع طفلها ، وجاء الطفل في شتاء ١٧٤٦-١٧٤٧ . ومن ثم أخذت القابلة الطفل وأودعته ملجأ للقطاء .

وتكرر هذا الحادث : طفل ثان أودع ملجأ اللقطاء . حدث هذا أوتوماتيكيا بالنسبة إلى روسو ، بينما كان قلب تبريز يتمزق ألما .( الكتاب السابع ، الاعترافات ) .

لم يكن روسو حتى عام ١٧٤٩ قد سكن مع تبريز لوفاستور في بيت واحد يضمهما ؛ ولكنه اختار في غضون هذا العام فندقا أقام به مع تبريز وعائلتها جميعا .( كان أبو تبريز رجلا طيبا عجوزا في غاية الوداعة . وكان يخاف زوجته كل الخوف ... ولم تكن مدام لوفاستور تفتقر إلى الذ كاء ، أعي الحيلة ، وكانت دمثة الأخلاق ، اجتماعية ، ولكن كان بها ملقي غامض لم اكن احتمله ، وكانت تسئ النصح لابنتها وتسعبى لإيجاد ما يمكن الجو بيني وبين تبريز ... أما ما عدا ذلك فكانت أمــا طيبة ، لأنها كانت تري أن من واجبها أن تكون كذلك ... هذه المرأة التي كنت أغمرها باهتمامي وعنايتي بهداياى الصغيرة والتي كنت أبذل ما في وسعي لترعاني بحبها كانت السبب الوحيد في الألم الذي عانيته في مسكني . ولكن ، إلى جانب هذا ، يمكنني القول أني تذوقت طيلة هذه الستة أو السبعة أعوام السعادة المنزلية الحقة التي يمكن أن يسمح بها الضعف الإنساني . كان قلب تبريز قلب ملاك : كان حبنا يتزايد مع صداقتنا ، وكنا نشعر من يوم لآخر إلى أى حد كان أحدنا مخلوقا للآخر . إذا أمكن أن توصف أفراحنا ، فقد يدعو هذا الوصف إلى الضحك ، لبساطـتها .

كانت جولاتنا معا خارج المدينة ... وكان عشاؤنا الصغير إلى جوار النافذة جالسين متقابلين على مقعدين صغيرين موضوعين فوق صندوق كبير بعرض فرجة النافذة . في هذا المكان كانت تقوم النافذة مقام المائدة ؛ وكنا نستنشق الهواء ونري ماحولنا ، الرائح والغادي ؛ وإن كنا في الطابق الرابع فقد كنا يجمعنا غارقين فيما كان يدور في الطريق ، بينما كنا نتناول غذاءنا . من يستطيع وصف الشعور بسحر هذا الطعام المــكونة كل وجبانه من ربع رغيف كبير من الخبز وبعض الــكرز وقطعة صغيرة من الجبن وربع لتر من النبيذ الذي كنا نشربه مناصفة ؟ ... كنا نبقى هكذا حتى ينتصف الليل دون أن نفكر في مكاننا وفي الوقت حتى تنبهنا الأم العجوز أن الليل قد تقدم . ولكن لندع هذه التفاصيل

التي تلوح فارغة والتي تدعو إلى الضحك . لقد قلت دائما وأحست أن المتعة الحقيقية لا يمكن وصفها أبدا . "  (الكتاب الثامن ، الاعترافات) .

لنستمع الآن إلى روسو ، وهو يندم على ما صنعه بأطفاله " بإلقائي أطفالي للتربية العامة education publique (ويقصد بذلك ملاجئ اللقطاء ) كنت أعتقد أبي قد قمت بواجب وطني وأبوي ، وكنت انظر إلى نفسي كعضو في جمهورية أفـــــــــلاطون . ولكن أ كثر من مرة ، علمني الأسف منذ ذاك العهد أني كنت مخدوعا فيما قمت به ، ولكن بغض النظر عن تنبيه العقل ، فقد باركت السماء دائما أني وفيتهم بفعلي مصير أبيهم " .

ولقد وضع روسو بمملجأ اللقطاء أولاده جميعا ، وكانوا خمسة : ولد الأول عام ١٧٤٧ ، والثاني عام ١٧٤٨ ، والثالث عام ١٧٥٠ ، والأثنان الأخيران بين عامي ١٧٥٠ و ١٧٥٥ ولم يؤد البحث عنهم بعد ذلك إلى نتيجة . وأغلب الظن أن الولدين الأولين ماتا في سن صغيرة جدا .

وكتب روسو في خطاب من خطاباته يقول مبررا فعلته : لقد أراد أفلاطون أن ينشأ الأطفال في جمهوريته ، أن يظل كل واحد مجهولا من أبيه ، وأن يكونوا جميعا أطفال الدولة ".

وبعد أكثر من اثنتين وعشرين سنة يفكر روسو في أطفاله الذين أودعهم ملجأ اللقطاء ، فيكتب في جولته التاسعة : " لقد وضعت أولادى بملجأ القطاع وكان هذا كافيا ليقال أني غير طبيعي ، ومن هنا استخلصوا شيئا فشيئا النتيجة الظاهرة أني كنت أكره الأطفال . لا اعتقد أن إنسانا أحب أكثر مني أن يكون لديه أطفال صغيرة تلعب وتمرح معا . إني أقف غالبا في الشارع وفي جولاتي لأنظر إلى شيطنتهم وألعابهم الساذجة بلذة لا يشاركي فيها إنسان ".

ثم يعود في هذه الجولة إلى تبرير فعلته مخوفه من أن يكون مصير أولاده كمصيره إذا كانوا عاشوا في كنفه . لقد كانت حياة روسو مضطربة غير مستقرة ، فكيف كان يعيش معه أطفاله وهو على هذه الحال ... إن ملجأ اللقطاء يضمن

لهم حياة مستقرة لم يكونوا ليجدوها إلى جوار أبيهم .

وتصحب تيريز روسو في الشارميت حيث أهدته مدام دبينييه كوخا شاعريا قريبا من قصرها ؛ وكان ذلك في عام ١٧٥٦ ، ولكن يدب الخلاف بينه وبين مدام دبيينبيه فيستضيفه ماريشال لوكمـــبور في قصره بمونمورسي ، ومعه تبريز ، ويكون ذلك في عام ١٧٥٧ ، وبقى هناك ستة أعوا حتى يهرب من فرنسا إلى سويسرا على أثر ظهور كتابا " إيميل " وتورة الرأي العام عليه ، وتصحبه تبريز في هروبه ثم يعود إلى فرنسا في عام ١٧٦٧ ، ويتزوج من تبريز في العام الذي يليه ، بعد خمسة وعشرين عاما من حياة مشتركة ولم يكن الحفل رسميا ، وتم بدون عقد وبدون مباركات كنسبة ، ولـــكن في حضور صديقين : وأمام الله فقط وتبعا لبساطة الطبيعة " . ثم يستقر بباريس في عام ١٧٧٠ ويسكن بالطابق الرابع بمنزل بشارع يلاتريير مع زوجته التي لم تفارقه أبدا طيلة هذه الأعوم والتي ذاقت معه حلو الحياة ومرها ، بؤسها وهناءها .

إن إنسانا كروسو لم يكن في حاجة إلى هذه المراسيم والطقوس الكنسية لتربط بين قلبه وقلب تبريز . إنه لا ينتظر من هذا العقد الذي يوقعه العروسان وتباركه الكنيسة أن تضمن لمناوتين الرباط الأبدي ، الرباط المقدس . ما هذه المراسيم والطقوس والمباركات الكنسية عنده سوى " كلام " خرج من بين شفتي الكاهن ؛ وما هذا العقد الذي بوقعه العروسان سوي " حبر على ورق " . إذ لا يؤمن بهذا ، ولكنه يؤمن بأنه إذا ربط الحب والود والتعاطف بين قلبين ونفسين فلا حاجة إلى مراسيم وطقوس وعقود . فكل هذا من فعل الناس ، ولكنه يتوجه لا إلى الناس ولكن إلى ضميره الباطن وإلى الله . ولم يكن من الضروري أن " يتزوج " روسو من تبريز أمام شاهدين بعد خمسة وعشرين عاما كان الله شاهدهما أثناءها ، فقد كان متزوجا منها فعلا منذ عرفها لأول مرة قبل هذه الأعوام الخمسة والعشرين . كان زواجهما تاما لأنه تم منذ البدء أمام الله لا أمام الناس فقط . ولكن لماذا أقدم روسو على هذه الخطوة بعد هذه الأعوام الطويلة من الحياة المشتركة الزوجية فعلا ؟ ! أقدم علي هذه الخطوة لتصبح تبريز وريثته

الشرعية أمام الناس ، لأن عقول الناس لا تفهم للأسف زواجا إلا إذا تم بمراسيم وطقوس ومباركات كنسية ، وإلا إذا وقع طرفاه على عقد تباركه الكنيسة ...

ولكن تقع مأساة في عام ١٧٧٨ ؛ فقد قيل إن تبريز بعد أعوام طويلة من الشرف والإخلاص ، جرحت عزته وخانته مع صبي اصطبل . سواء صح هذا الزعم أو لم يصح فقد ذهب هذا الحادث بما بقي من عقل روسو ، بعد حياته الشاقة التعسة وظنه أنه مضطهد من مواطنيه والناس ، وأنهارت أعصابه كل الانهيار .

وفي الثاني من بوليو من نفس العام وجدت جثته وقد تخضب الوجه بالدم وتورم ، ولم يعرف أحد أكان موته طبيعيا على أثر انهياره الأخير أم نتيجة دس السم أم نتيجة الانتحار .

وأرجو من القارئ أن يعذرني إذا أفضت في الكتابة عن جان جاك روسو . لقد كتبت عنه قبل هذا المقال ثلاث مقالات ظهرت بهذه المجلة ، وهذا هو المقال الرابع ، ولا أظنني مع ذلك أوفيت هذا " الإنسان " حقه من التجلة والتقدير .

اشترك في نشرتنا البريدية