الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 467الرجوع إلى "الثقافة"

روسيا تحفر الأنفاق

Share

يزداد الاهتمام تدريجيا  بمعرفة مدى تقدم البحوث العلمية فى روسيا ومقدار نمو صناعتها ، وخاصة فى الشئؤن الحربية ، لما فى ذلك من دلالة في السياسة العالمية والوازن الدولى . وقد جاء فى الأنباء أخبرا أن روسيا صنعت قنبلة ذرية وجربتها فى سيبيريا ، وكثرت التكهنات فى هذا الشأن ما بين مصدق ومكذب ومرجح وغير مرجح ولكن الدرائر الروسية لزمت الصمت وخرجت من الموضوع بغير لا أو نعم . ولا مراء فى أن العلم متقدم فى روسيا وكذلك الإنتاج الصناعى ، ولكن أخص ميزات العلم الروسى هى غرابته وشذوذه واتجاهه فى نواح مختلفة عما هو مألوف فى العالم الغربى . فمثلا اهتمت روسيا خلال الحرب بتدعيم مدفعيتها تدعيما علميا جعلها خير مدفعية ميكانيكية فى العالم ، واهتمت بالمظلات الهابطة وفرق الهجوم بها ، قبل أن ينتبه إليها الألمان . وعنوا فى بحوثهم الطبية بدراسة إطالة العمر وحفظ الخلايا حية واستبدال الأعضاء الفاسدة فى الجسم الحى بأعضاء سليمة من جسم آخر . وفى النبات فصلوا القطن الملون وزرعوه فى ساحات واسعة بألوان متعددة ، وغير ذلك من المواضيع التى تدل على أنهم يفكرون في حل مشكلاتهم الخاصة بطرقهم هم ، ولا يعتمدون كلية على محاكاة الدول الغربية .

وقد جاء فى الأخبار العلمية الصادرة عن الهيئات الروسية مباشرة أن العالم الروسى تريبليف قد اخترع آلة ميكانيكية يمكنها أن تدخل إلى باطن الأرض وتحفر فيها نفقا ، كأنها الدودة أو حشرة الحفار . وقد استعملت هذه الآلة الغريبة بنجاح فى منجم ( بلاجوداتليا ) فى منطقة التعدين بجبال الأورال . ودلت التجربة على أن الآلة تحفر النفق بسرعة متوسطة تبلغ ٣٠ قدما فى الساعة فى الأرض ذات الصلابة المتوسطة . وقطر الآلة أربع

أقدام وطولها ١٦ قدما . وهى تدار بمحرك كهربائى داخلها يستمد التيار الكهربائى من محطة على سطح الأرض بواسطة سلك يمتد خلف الآلة ويتقدم معها .

ويحتوى جسم الآلة الأسطوانى الشكل على مقعد للسائق وآلة تليفون وآلة ( جبروسكوب ) لتحفظ التوازن وتبين اتجاه السير فى باطن الأرض ، وخزانات للهواء النقى ومراوح لطرد الهواء الفاسد عن طريق خراطيم من المطاط تمتد إلى سطح الأرض ، وحزوم الآلة مدبب ومؤخرها عريض مستدير . وطريقتها فى الحفر أن دار مثقب قربة فى مقدمتها ، تفتت الصخر وتكسره ، ثم يحرك السائق رافعة تنقل عجلة مركبة فى مؤخرة الآلة وحولها من الخارج إلى المقدمة ، وهذه العجلة محاطة بتروس حادة قوية ، فإذا انتقلت العجلة إلى الأمام ودارت فى الصخر الذى فتته الثاقب ، تخلخل وصار طينا أو تريا ، ثم محرك القائد رافعة اخرى فيدور حلزون مركب حول الآلة مثل حلزون ( الطمبور ) أو البريمة ، وتتقدم الآلة كلها إلى الأمام ، فيحمل الطمبور التراب ويضغطه على جوانب النفق المخلف عن مرور الآلة كلها فى الأرض ؛ وبذلك يتكون نفق متماسك مضغوط الجوانب يمكن للاآلة أن تخرج منه ثانية ويقدم لمرور الأفراد واختبار طبقات الأرض والرواسب الحجرية والمعدنية فى المناجم وأسفل مواقع المنشئات الضخمة قبل بنائها .

وقد صمم تريبليف هذه الآلة بعد أن عكف طويلا على دراسة طبيعة الحيوانات التى تحفر لنفسها الأنفاق فى الطين . درس تلك الحيوانات من فقرية ولا فقرية ، وفحص الأجهزة الطبيعية التي تقطع التربة وتمتص الطين وتعرف المواد اللزجة لتماسك النفق ، وجاء تريبليف بديدان من هذه ووضعها فى صناديق مملوءة بالطين وراقبها بواسطة الأشعة السينية ، ثم صنع تريبليف نموذجا مصغرا لآلته المنشودة ، وأدخل على هذا النموذج تعديلات كثيرة ، ضمنها

الآلة التى جربت بنجاح فى المنجم .

وتجرى بحوث الآن لكى تسير الآلة بدون قائد ، فتوجه أوتوماتيكيا من فوق سطح الأرض . ويقول المنقبون الأمريكيون إن الاتجاه يتم عن أغراض أخرى قد تستعمل روسيا هذه الآلة الحافرة لتحقيقها . وإن هذه الأغراض قد تكون غير سلمية . وقطر الآلة التى صنعت وجربت أربع أقدام ، ولكن ليس  ثمة ما يمنع من زيادة هذا القطر إلى عشر أقدام مثلا أو عشرين . وعندئذ

يمكن حفر أنفاق عميقة بسهولة ، وقد تصلح هذه الأنفاق كمخابئ للسكان في العصر الذرى .

وليس لنا فى مصر إلا أن تروى هذه القصة وغيرها من أمثلة التقدم العلمى فى الخارج ، ولو أن فى إمكاننا أن نشجع علماءنا ومهندسينا على الابتكار والاختراع ، لتشاركنا  العالم فى تقدمه ؛ ولكننا نقف اليوم متفرجين ، وليس لنا دلو وسط الدلاء .

اشترك في نشرتنا البريدية