الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 469الرجوع إلى "الثقافة"

روسيا ودول الشرق العربي

Share

كشف قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عن حقائق كثيرة كانت تبدو لأعيننا في صور خادعة ، فظهرت هيئة الأمم المتحدة ، التي أقيمت للعمل على صون السلم ، وتحقيق العدالة الدولية في نفس الصورة الرجعية العتيقة ، التي عرفناها عن عصبة الأمم : صورة هيئة لينة مطواع ، تغلب النزعات والأهواء السياسية على كل مقتضيات الحق والعدالة ، وتتجه حينما توجههــا الدول ذات النفوذ والسلطان . ورفعت روسيا السوفيتية لأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بموقفها من المسألة الفلسطينية القناع الذي كان يستر أهدافها الحقيقية تجاه الشرق الأوسط ، وظهرت سياسة الكرملين على حقيقتها ، تواقة كالأخرين إلى تبوء مكانها في تلك الرقعة التي ما زالت بعيدة عنها .

وقد استطاعت روسيا السوفيتية مدى حين أن تثير عطف الأمم العربية والشرقية ، بدعايتها الخلابة ضد الاستعمار والدول الاستعمارية ، وتظاهرها بنصرة الشعوب المغلوبة ، وتأييد قضايا الحرية والاستقلال ؛ وكان لها غير مرة في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة مواقف محمل على الظن بأنها تؤثر حقا هذا الاتجاه ، وكان موقفها من القضية المصرية في مجلس الأمن مدعاة إلي الثناء وحسن الظن ؛ وقد لا تري موسكو بأسا من أن تتخذ هذه المواقف وأمثالها كلما أرادت أن تحرج بريطانيا أو أمريكا ، ولكن الحقيقة أن هذه المظاهر الخلابة لا تكفى للتعبير عن جوهر

السياسة السوفيتية الخارجية ، وإنما تكشفها وتعبر عنها بالأخص مواقف روسيا إزاء إيران ، وإزاء تركيا ومسالة الدردنيل ، ثم موقفها الأخير إزاء تقسيم فلسطين .

والحقيقة التي أكدناها في هذا المكان غير مرة هو أن روسيا السوفيتية ليست في سياستها الخارجية أقل ظمأ من الدول الاستعمارية الأخرى إلى التوسع ، وأن الساسة البلاشفة يتبعون اليوم نفس السياسة القيصرية القديمة دون تغيير أو تحفظ ، وأن أهداف روسيا البلشفية تتفق تمام الاتفاق مع أهداف روسيا القيصرية ، فالسيطرة على أوربا الوسطى والبلقان ، والإندفاع نحو البحر الأبيض المتوسط ، والسيطرة على شمال إيران ، وعلى منشوريا ومياه البحر الأصفر في الشرق الأقصى ، هذه كلها مما تعمل له اليوم سياسة الكرملين ، وهي كلها مما عملت له السياسة القيصرية القديمة ؛ ولكن الجديد في سياسة موسكو هو ما بدا في العهد الأخير من اتجاهها نحو التدخل في شئون الشرق الأوسط . وقد حاولت روسيا أن تنزل إلي هذا الميدان بكل وسيلة ؛ فأيدت رغبتها غير مرة في مؤتمر وزراء الخارجية في الحصول على قاعدة في لوبية ، أو في أريتريا ، وهي تحاول اليوم أن تشترك في الوصاية على إحدي المستعمرات الإيطالية السابقة ، ولم يكن تأييدها لتقسيم فلسطين إلا محاولة جديدة لوضع أقدامها في الشرق إلي جانب بريطانيا وأمريكا ، وقد جاء هذا الموقف من

جانب روسيا مفاجأة لأولئك الذين كان يخدعهم بريق الدعاية السوفيتية ، وإذاعات موسكو ، وحملاتها المتواصلة على الدول الرأسمالية والسياسة الاستعمارية . أما الآن فإن السياسة السوفيتية تبدو على حقيقتها دون تحفظ ، ومن الواجب أن يعتبر أولئك المخدرعون بما حدث في هيئة الأمم المتحدة ، وأن تفطن الأمم الشرقية لما ترمي إليه سياسة الكرملين من الأهداف الخطيرة في رقعة كانت حتى اليوم في مأمن من محاولاتها وتدابيرها .

وإنه ليحق لما أن نتساءل : كيف ارتضت السياسة الأمريكية لنفسها هذا الوضع الشاذ الذي ظهرت به في الجمعية العمومية لهيئة المتحدة ! فهي فضلا عن جنوحها إلي مجانية الحق والعدل في المسألة الفلسطينية ، وتحمسها الواضع لتحقيق رغبات الصهيونية في إقامة الدولة اليهودية ، تضطر إلى استمالة روسيا لتقف إلي جانبها مع الدول المشايعة لها في قرار التقسيم . ولقد دفعت روسيا بتأييد قرار التقسيم ثمنا بخسا ، ولكن أمريكا التي ما فتئت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تعمل على مقاومة سياسة التوسع السوفيتية ، ومقاومة الزحف الشيوعي على غرب أوربا وجنوبها ، وترصد الاعتمادات الضخمة لمعاونة الأمم الأوربية على رد محاولات البلشفية ، وتبدو في كل فرصة زعيمة الكتلة المناوئة لروسيا وأهدافها المذهبية والاستعمارية ، قد دفعت لاجتذاب روسيا إلي جانبها ثمنا فادحا ؟ ذلك أنها قد أفسحت المجال لروسيا للتدخل في شئون الشرق الأوسط بصورة مشروعة وهيأت لها فرصة لبث نفوذها ودعابتها في منطقة كانت الجبهة البريطانية الأمريكية تحرص أشد الحرص على إبعادها عنها ، ومنذ الآن تستطيع روسيا البلشفية أن تشترك في كل إجراء يتخذ في سبيل تنفيذ قرار التقسيم ؛ وربما أدت الأمور إلي اشتراكها في الأعمال العسكرية التي قد يتطلبها الوقف . وأخطر من ذلك كله أن الفرصة قد أصبحت الآن مؤاتية لروسيا لبث الدعاية الشيوعية في بلاد

الشرق الأوسط ، وانخاذ الدولة اليهودية المستقبلة مركزا لنشاطها الهدام . فإذا ذكرنا ان السياسة الأمريكية البريطانية كانت إلي ذلك اليوم تعمل على مقاومة الزحف الشبوعي إلي الشرق الأوسط بكل ما وسمت ، وعلى توطيد الجبهة الدفاعية في تركيا واليونان لدرئها ، أدركنا مدى المأرق الحرج الذي ازلقت إليه السياسة الامريكية بتصرفها في المسألة الفلسطينية . وفي الأنبياء الأخيرة ما يدل على أن أمريكا قد اخذت تشعر الآن بهذا الحرج ، وتلتمس الوسائل للخروج منه .

وإذا كانت روسيا قد خسرت بموقفها المجحف في المسألة الفلسطينية عطف الدول العربية وثقتها بعد أن تكشفت خططها ونياتها الاستعمارية ، فإن أمريكا قد منيت بنفس الخسارة ، وقد كانت الدول العربية تحبو أمريكا حتى اليوم بكثير من العطف والثقة ، باعتبارها أبعد الدول عن النزعات الاستعمارية ، وأكثرها مناصرة لحقوق الأمم وحرياتها، ولكنها اليوم تري مع شديد الأسف خيبة أملها تتجلي في السياسة الأمريكية نحو المسألة الفلسطينية ؛ ولا ريب أن أمريكا تشعر اليوم انها فقدت في البلاد العربية والإسلامية كلها كثيرا من العطف والثقة اللذين كانت تتمتع بهما .

إن مصر والأمم العربية يجب أن تعتبر بهذا الدرس القاسي ، وأن تقيم سياستها نحو الدول الكبرى على كثير من الحذر وبعد النظر ، فإن المساومات والأهواء الاستعمارية كفيلة بأن تتخطي كل حاجز ، وأن تقضي على كل حق مشروع ، وهي تعقد دائما على حساب الدول الصغري . وقد حان الوقت لأن ندرك هذه الحقيقة المرة ، وأن نعمل على ضوئها ، وأن نعتمد قبل كل شئ في كفاحنا على أنفسنا ، وأن نطرح من حسابنا فكرة الإعماد على مناصرة هذه الدولة أو تلك ، فكلهم سواء في انتهاز الفرص ، وكل سواء في مجانية الحق والعدالة .

اشترك في نشرتنا البريدية