"ألف شبكبير هذه القصة فى العصر الأول من حياته - قبل كتبها سنة ١٥٩١ ، وقبل بعد ذلك - وطبعت أول مرة فى سنة ١٥٩٧ وتمتاز هذه القصة عن كل ما كتبه فى ذلك العصر الأول ؛ لأنه كان عند ذلك يحاول أولى خطواته فى مبدانه الفني الذى قدر له، أن يبرز فيه فيما بعد . كانت محاولاته الأولى لا تزيد على محاورات ليس لها سلك قصصى ، وليس بها أشخاص حية ، فكانت أقرب إلى أن تكون مجموعات من الشعر البديع الذى يسر من أضحى المواقف وأدق المعانى ، على حين كانت القص نفسها ساذجة عدائية ناقصة . أما قصة روميو وحوليت ، فقد حجبت بين الشعر والقصص . واستطاع شيكبير أن يمزج بنيهما مزجا جعلها إحدى عدائه الحالمة فتمرها بلغ قصارى ما يبلغه الشعر الانسانى من الجمال والروعة ، وسليكها الروائى يصل إلى القمة فى حكمه ، وتصوير أشخاصها يكاد يسو إلى حد الايجار . وقد قال بعض النفاد من هذه القصة : إن جالها قد خلع عليها لونا زاهيا يضى الناس أنها مأساة ، فلا يكاد أحد يمس فيها ما الموت من رهبة ، فكأن الموت قد استحال فيها - يسحر المؤلف العبقرى - إلى منظر فائن. والقصة مستددة من أصل قديم ، يرجع إلى القرن الثانى لليلاء ؛ ولكن يقال إن حوادثها وقعت فى مدينة ) قبرونا الإيطالية فى سنة ١٣٠٣ للميلاد ، فى مدة حكم ( بارتوم لوميودي سكالا ) ؛ وكتبت عنها مؤلفات عدة ، أهمها ما ورد فى مجموعة القصص التى ألفها ( ماتيو بالدلو ) . وقد ترجمت القصة إلى الفرنسية سنة ١٠٠٩ . محورة بعض النحوير ، ومن هذه الترجمة عن القصة إلى الأنجليزية نقلها ) أرثر بروك سنة ١٥٦٢ ؛ وعن هذه الترجمة أخذ شكسير فعنه وأما قصة شبكبير ، فهى :
كانت مدينة قيرونا بايطاليا مسرحا للتنافس بين أسرتين كبيرتين ، وهما أسرة ( مونتاجو ) وأسرة ( كابوليت ) . وكان شبان الأسرتين ينتهزون كل فرصة للخاصمة والمعاركة ، حتى اضطر أمير المدينة أن يتدخل فى الأمر ، فحكم بأن من يثير الفتن من أفراد الأسرتين بتعرض لعقوبة الموت .
وكان من أسرة ( موناجو ) فنى وديع جميل اسمه روميو ، لا يشترك فى تلك الفتن ، بل يجب العزلة فى المروج والغابات ؛ وكان يجب فتاة اسمها ( روزالين ) ، ولكن تلك المحبوبة كانت تعرض عنه ، وتقابل توده بالجفاء ، وعلم أحد أصدقاته ( بنقوليو) بسر حبه الخائب ،
وأحب أن يستله من صدره ، فجعل بنصحه بالتمتع بغيرها قائلا : " قلب الطرف طليقا ، لنري بإهر الحسن ، فتلو حبها " فلم يجبه روميو إلا بقوله : " إننى أزداد حبا لما أبصرت عينى حسنا فى سواها " . ولكن صديقه ما زال ( حتى جعله رضى بالذهاب معه إلى مهرجان أقامته أسرة ( كاوليت ) ، وكان بثوليو بقصد بذلك أن يجعله بتسلى عن حبه بالنظر إلى الفتيات الجميلات فى ذلك المهرجان . ولكن ( روميو ) أطاع صديقه لأنه على أن محبوبته ( روز البن ) كانت بين الحاضرات فى ذلك الحفل.
فتنكر الصديقان ، وذهبا إلى المهرجان ، فوقعت عين وميو على فتاة صغيرة فى سن الرابعة عشرة ، لم ير فى
حياته مثلها حسنا ولا فتنة ، فما كاد راعا حتى وقيت فى قلبه وأنسته حبيبته الحافية وسحرت ليه سحرا ، فقال لصديقه يحدثه عنها :
" نورها الباهر فى لمعته جعل الأنوار تزداد سنا . وبدت فى صفحة الليل كما يزهر الجوهر فى فرط الزنوج . إن هذا الحسن لا أحسبه حسن أهل الأرض ، حاشا أن يكون "
فسمع صوته ) نيبوليت ( أحد شبان أسرة ( كابوليت ) فعرفه وأسرع إليه غاضبا مخاصما ، فقطن صاحب الدار إلى ذلك ، وبادر إلى منع قريبه من الاعتداء عليه ، خوف أن يفسد بها ، المهرجان بالعراك . واستطاع ( روميو ) أن يبقى فى الدار ، وأن يجد فرصة للحديث مع الفتاة التى استولت سريعا على قلبه ، ولكن اللقاء لم يطل ، لأن ظر الفتاة جاءت تدعوها إلى أمها ؛ فسأل ( روميو ) عند ذلك عنها وعلم أنها ( جوليت ) ابنة ( كابوليت ) عدو أسرته ولم تكن الفتاة بأقل شغلا بالفنى الجميل ، وجعلت نسأل عنه ، فعرفت أنه ابن ( مونتاجو ) عدو أسرتها فذهبت إلى مخدعها حزينة ثناحى نفسها بما ثار فى قلبها من الشجون .
لم يقدر روميو بعد انتهاء الحقل على الذهات إلى داره ، فعاد إلى بيت الفتاة يلتمس نظرة منها ، فاعتلى أسواره العالية ، ووثب إلى البستان المحيط به ، وجعل بئسم النسم المقبل من ناحيتها ، حتى اقترب من نافذة مخدعها ، فرآها حالة فى ضوء القمر تناجى نفسها ؛ فسار فى حذر حتى صار على مسمع منها ، وملأ عينيه من جمالها ، وأخذ يحدث نفسه قائلا :
" أى نور طلعت أعلامه من ثنايا البيت ! هذا مشروع أشرقت من أفقه جوليت شمسا . أيها الشمس تعالى فى السماء ، واقتلى البدر الذى يحسدنا ، فبدا من حقده فى صغرة ، مذ رأى حسنك أبهى منظرا " ، ثم نظر نحوها وقال :
" أسمعينى صوتك العذب ، فما أنت إلا زينة الليل كما زانت الأفلاك أطباق السماء".
وفيها كان يتحدث هذا الحديث ، سمعها تنطق باسمه ؛ وما كان ألد وقع هذا الصوت فى نفسه ، فأنصت إليها بجوارحه جميعا ، وكانت تقول : " ليت شعرى ، أين باروميو نرى ؟ إن أهليك عدى فاهجر أباك ، واسمك انزعه ، تبرأ من ذويك . فإذا لم نرض هذا فليكن قسم منك على صدق الهوى وثبات الحب : عهدا موثفا ، فاذا أقسمت أنكرت أبى , وتركت الأهل والصحب إليك ".
فعلم روميو عند ذلك أن له فى قلبها مكانة ، فلم يطق الصمت وصاح قائلا : " لبيك ! لبيك ! " وأخذ يحدثها عن استعداده للتبرؤ من اسمه ، ومن أهله من أجلها . فارناعت الفتاة وقالت : " أى مرء أنت هذا ؟ تختفى فى ظلام الليل ، كى تكشف ما كنت أخفى فى ضميرى ؟ " فقال روميو معتذرا : " إننى أيها القديس لا أدرى بما أنسعى لك . إن اسمى غدا أبغض الأشياء عندى ، إذ أرى أن هذا الاسم مكروه لديك . إنه لو كان مكتوبا لما رمت أن مزقته بين بديك ".
فردت جوليت قائلة : " إن أذنى تعرف الصوت ، وما سممت إلا قليلا من حديثه . إن هذا صوت روميو نفسه " . ولما عرفت أن الذى يحدثها هو ذلك الفتى المحبوب ، زال عنها روعها ، وأقبلت عليه قائلة : " كيف أقبلت ؟ وماذا تبتنى ؟ حائط البستان عال تمكه وامر المرقى . وقد جئت إلى بيت أعداء به الموت إذا لمحت عين من القوم مكانك " . فرد روميو قائلا : " حملتنى أجنح الحب هنا فوق هذا
السور ، فالحب إذا شاء لم تمنعه أسوار البناء . والهوى ركب فيما ينبغى كل ما يصعب من وعى شديد ، إن عندى دون أهليك عمى من غرابى ، لن ينالونى بشىء "
فقالت جوليت : " إن أهلى إن رأوا أنك فى ذلك الموضع لم يبقوا عليك " .
فأجاب روميو : " إن فى عينيك لحظا فانكا ، وقمه أبلغ من وقع السبوف ، فانظرى نظرة عطف عذبة ، لا أتالى بعداولت العدى " .
واستمر بينهما حديث هذا الهوى العذرى إلى أن أقبلت ظثر الفتاة تنادسها ، فكان آخر هذه المناجاة عهدا قطعته جوليت على نفسها قائلة :
" إن حى مثل بحر زاخر ، واسع الأطراف ذى غور بعيد . كلما أسرفت فى انفاقه لم يزد إلا اتساعا وامتلاء " . فأجابها روميو : " هذه الليلة ما أسعدها . ليلة ليس لها الدهر قرين ، غير أنى كلما أبصرتها ليلة أخشى : لعلى فى كرى ، ولعل السعد فيها حلم فهو أحلى من لذاذات الحقيقة ". ثم ودع كل منهما الآخر وداعا حارا بعد أن اتفقا على دوام الوفاء وعلى الارتباط برابطة الزواج
وذهب روميو فى اليوم التالى إلى راهب كبير السن عظيم القلب والعقل ، كان بأنس إليه وبفضى إليه بأسراره وشجونه ، وكان ذلك الراهب يعرف قصة حبه لروزالين ، فلما رآه ظن أنه آت إليه ليبته شكواء من حبيبته الحافية ؛ وما كان أشد معجبه عندما عرف أن الفنى إنما جاء إليه يطلب منه أن يعقد له على حبيبة جديدة اسمها جوليت بنت السرى الأمثل ( كابوليت ) . ولما انقضى عجبه رضى بأن يعقد ذلك الزواج وحدد لذلك موعدا عصر ذلك اليوم نفسه . ولما حان الوقت الموعود جلس روميو ينتظر حبيبه فى قلق وسرور ، وقال وكانه يتحدى الأقدار : " أيها الدهر لا أباليك ، أنزل كل ما اسطعت من صروف لليالى . إن سعدا يناله القلب عفوا من لقاء الحبيب طرفة عين ، لجدير
بأن يعوض قلبى من دواهى حوادث الأيام فاذا محى باركنتا عهود أوثققت بيننا الرباط ، فإنى لا أبالى بالوت إذ هو نادى ، وكفانى أبى ملك حبيبى " .
فسمعه الراهب الحكيم العارف بصروف الدهم فقال مشفقا : " إن هذا الهوى العنيف لعمرى لا يؤدى لغير عصف وعنف ".
ثم أقبلت جوليت وذهب الجميع إلى المحراب وأشهدوا الله على الارتباط الزوجى ، وكان الجو كله طهرا وحبا ونبلا . ثابت بعد هذا معركة من المعارك المعتادة بين الأسرتين المتنافستين ، وكان روميو حاضرا بها ، وحاول أن يمنع من التمادى فيها وإراقة الدماء بين أسرته وأسرة حبيبته ؛ ولكنه لم يفلح ، وتبارز الفريقان ، وقتل فى المبارزة أحد أصدقاء روميو ، فلم يكن له بد من القتال ، فبارز قائل صديقه حتى قتله ؛ وكان ذلك القتيل الثانى هو ( تببوليت ) ابن عم جوليت العزيز عليها .
وكاد أمير ( قبرونا ) يحكم على روميو بالقتل عقابا له ، لولا ما ظهر من محاولته صرف النزاع وحسم الخلاف ، فخفف الحكم عليه وجعله النفى من المدينة
وبلغ النبأ ( جوليت ) فتوز ع قلبها بين ابن عمها القتيل وبين زوجها القاتل الحبيب ، وصدمها النبأ فقالت مرتاعة : " وافؤاداء ! القتيل ابن عمى ؟ والشفى السفاك روميو حببيى ؟ ."
فلما تأكدت من صدق الخير اندفعت مع حزنها تسب روميو قائلة : " قلب أفعى من بحث وجه مليح . ليت شعرى أ كان كهف الأفاغى ليغطيه مثل هذا الرواء ؟ أيها الظالم الجميل المحيا ، أنت جن فى صورة لملاك . أنت ذئب قد جاء فى شكل شاة ، وغراب اتى يريش حمام ، وزرنم فى مظهر الأطهار . لحت للعين جنة ونصيا ، ثم أخفيت دون ذاك جحيما ؟ وليا مدنسا وشريفا فاجر النفس ..." واستمرت فى قولها مندفعة اندفاع التيار القوى ،
فأقبلت ظثرها تشار لها فى سبابها وطعنها فقالت : " ذاك روميو ، أخزاه ربى عقابا ! "
فما كادت جولييت تسمع ذلك الدعاء حتى عاد إليها صوابها الذى ضل عند سماع خير موت ابن عمها . فاندفعت تخاطب ظثرها فى هياج شديد ، قائله : " قدح الله فى لسانك قدحا ، إذ تقولين مثل ذلك قولا . إن روميوما كان أهلا لخزى ، أو هو ان ، حاشا لمثل حبيبى أن يذوق الهوان ، إن حبيبى خلق الله وجهه للمعالى كى تكون العلاله ) كليلا ، وتكون الدال العليا ملكا . وبل نفس ماذا دهانى حتى قلت ما قلت فى سبانى وطعنى ؟ "
ثم أقبلت على نفسها تلومها على ما فرط منها نحو روميو وتندب فجميعتها العظيمة فى نفيه .
وكان أمر النفى كذلك شديد الوقع على نفس روميو فلما أراد الراهب لورنس أن يعزيه ويقلل من وقع مصابه أجابه قائلا : " ليس فى الأرض موطن غير هذا . والفضاء الفسيح سجن عذاب وجحيم من بعد سور قبرونا . إن نفى هو الهلاك ، وهذا هو موت سماء قومى نفيا . إنهم يضربون رأسى بسيف مرهف ، غير أنه من نضار ، وأراهم إذ يسفكون دمانى قد علا البشر وجههم بابتسام " .
فراجعه الراهب مبينا له أن النفى أرحم من القتل وأهون خطبا ؟ فأجابه روميو قائلا : " ليس هذا برحمة ، بل عذاب . إنما جنة الخلود بأرضى ، ها هنا ، إذ تعيش جولييت فيها " .
بفى روميو فى تألم وحزن فى انتظار إنفاذ أمر النفى ، ولكنه أراد أن يروى شوقه بموعد بلافى فيه زوجته المحبوبة قبل أن يخرج من المدينة ، فواعدها ليذهب إليها فى الليل . ثم ذهب إليها فى الموعد وصعد إليها من بستان القصر إلى مخدعها على سلم من حبال محدولة ، وقضى معها ليلته فى حديث طاهر يتغنى معها بأناشيد الغرام البريئة ؟ وما زالا كذلك إلى أن راعهما طلوع ضوء الصباح خبوطا بيضاء
بين السحب ، وصوت قبرة محى الفجر الوليد . فأراد روميو عند ذلك أنه يذهب ، خوفا من أن يراه أحد فيكون عقابه القتل ، ولكن رغبة جولييت فى إطالة مدة اللقاء دفعتها إلى أن تقول له : " ذاهب أنت ؟ لم يلح بعد فجر . إن هذا الذى يغنى قريبا فوق غصن الرمان بلبل ليل . لم يكن قبر الصباح . فصدق بأحيبى ولا تفارق سريعا " .
فقال روميو مراجعا: " إنه قير الصباح لعمرى ، فانظرى مشرق السماء مثيرا مثل خيط بين السحاب مضئ ، أطفأ الليل شمعه وتجلى ، والصباح الضحوك شب مطلا فوق رأس الحبال يرنو إلينا ، تدعينى أيسر بعيدا وأحيا . أو ذرينى هنا ألاقى هلاكى " . فراجعته جوليت مرة أخرى متشدئة به قائلة .
" ليس هذا ضوء الصباح لعمرى ، إن هذا شهاب نور مضئ أرسلته إليك شمس النهار . أرسلته لكى يكون دليلا فى دحى الليل إذ تسير وحيدا نحو منفاك . لكن ابق قليلا . لم يحن بعد موعد التفريق " .
فخجل روميو من إصراره على الذهاب وقال : " فليكن ما يشاء منى حبيب . أنا راض بأن أكون أسيرا فى يد الشانئين . بل أنا راض بدعا فى نسيل هدرا مضيعا ، لن أقول الصباح لاح ولكن هو ضوء الهلال هل مساء ، ليس هذا الذى يغنى علينا صائحا يملا السماء غناء قسير الصبح منذرا بالنهار . لا أود الذهاب . لست أبالى بهلاكى هنا . سأبقى مقيما إذ رأيت الحبيب برضى بقائى ، فهلى إلى حديثى فأنا فى دجى الليل لم يلح لى صباح " .
فأدر كت جوليت عند ذلك خطورة الامر فورعته ، وسار روميو إلى النافدة فهبط على الحبل إلى البستان بعد أن خطف منها قبلة سريعة ، ولكن الحبيبين عند ذلك أحسا إحساسا عجيبا من الحزن والكآية وتوجس الشر . كأن الأقدار كانت تنذرها عند ذلك مما تخبثه لهما .
جاءت أم جولييت عقب تلك الليلة ترف إليها بشرى ظنت أنها تبعث فى قلبها السرور وتعزيها عن قتل ابن عمها ، وذلك أن ( باريس ) الفتى الجميل الغنى الحسبب أتى لخبطتها ، وأن يوم زفافها سيكون يوم ( الخميس ) أى بعد ثلاثة أيام.
ولنترك للخيال تصور وقع ذلك النبأ على قلب الفتاة المسكينة .
ورأى أهلها أنها غير راضية بالزواج ، فأراد أبوها إرغامها عليه ، فوقعت فى حيرة شديدة لا تجد لنفسها مخرجا منها ، فأسرعت إلى الراهب الحكيم الذى عقد زواجها من روميو تطلب منه النصح . وقصت عليه قصتها قائلة له إنه إذا لم يجد لها منفذا لم يبق لها سبيل إلا أن تقتل نفسها . فأخذ الراهب يهدئ من روعها وهى تأثره النفس ، ذاهلة من شدة خوفها ومن ورطتها . وجعلت نقول فى ثورتها :
" إن خيرا لدى موت سريع ، يوثوبى من رأس برح ينيف ، وخير لدى أن أتردى فى مياوى اللصوص ، أو أن أعانى أكبر الهول فى جحور الأفاعى ، من زواجى يخاطب غير زوجى ، بل لخير من ذاك صحبة ودب ، قيدنا واحد ، بزيجر قربى ، أو أقضى الليل الطويل بحسب فوق فرش من عظم موتى رميم ، وبقابا جماحم باليات ، أو مبنى بعلى لحد مخيف ، وأنسى به رفات دفين ، بقطع الدهر فى جوارى شريكا . كل هذى مخاوف بشعات ، ذكرها يفزع الفؤاد ، ولكن اشتهى لو يكون هذا جميعا ، لا أرى فيه رهبة أو عذابا ، كى ألافى زوجى الحبيب ، وإنى لم أدنس طهارتى عمشين
فلما رأى الراهب شدة خوفها وأشفق من ثورة نفسها لزم على أن يسلك خطة جريئة ظن فيها تجانها . وذلك أن يعطيها دواء من صنعته إذا شربته ظهرت عليها أعراض مثل أعراض الموت ، حتى يظن أهلها أمها قد قضت تحبها إذا حى بها إلى الكنيسة ودفنت فيها أنى إليها الراهب
عند ما يحين موعد صحوها ، ويكون ذلك فى صحبة روميو ، إذ يكون قد أرسل إليه فى متفاء مدينة (مانتوا ) بدعوه للحضور ، فتذهب العروس بعد ذلك مع زوجها ليعيشا معا حيث شاءا . وبين الراهب هذه الخطة للفتاة فرضيت بها فرحة ، وأخذت منه الدواء وذهبت إلى بينها .
وجاءت ليلة الزفاف وشغل أهل البيت فى مهام لعروس ، فتسلت جولييت إلى مخدعها ، وجعلت تناجى نفسها بأمالها ومخاوفها ، وبعد شىء من التردد شربت الدواء ! فلم تلبث إلا قليلا حتى كانت كالأموات باردة هامدة وجاء وقت الرقاف ، وأقبل الخاطب الأمير ، وأرسل السيد كابوليت إلي ابنته لتقابل زوجها ، فذهبت الفئر لتأتى بها ، ولكن بالهول مارأت : رأت المروص جثة لا حراك بها
كان روميو فى منفاء لا يعرف شيئا مما حدث , وكانت نفسه تحدثه بالآمانى فى صحوه وفى أحلامه . وقال يوما يصف حلما عنيفا رآه : " إن بك الحلم سادفا فى مناعى ، فسألكى سعادة وسرورا . فمليك الفؤاد بين ضلوعى عرشه القلب يمثليه سعيدا . وأرى اليوم بين جنى روحا ثأثرا بالسرور كاد يطير . قد كا فى رأيت فى الحلم نفسى ميتا - إنه لحرم مجيب ! عجبا كيف يذكر الحلم ميت ؟ ورأيت الحبيب حين رآنى ميتا جاءنى ميراعا ، فأهوى فوق ثغرى بقبلة . فإذا بى استعيد الحياة مذ قبلتنى . وكأنى أصبحت ملكا عظيما فى بهاء وقوة وجلال . إن تكن هذه السعادة جاءت من خيال الغرام فى أحلامى ، أى سعد إذا محى إذا ما لقيتنى فى الصح لا فى الخيال ؟ "
غير أنه ما كاد ينتهى من مناجاة نفسه بتلك السعادة حتى رأى وجلا أنى من قيرونا ، فسأله متلهفا عن أخبار وطنه ، ومن فيه من أحبابه فأخبره أنه رأى جنازة جولييت وأنه شيعها إلى قبرها .
لم يظهر روميو علامة تدل على الجزع ، فإن الصدمة التى أصابته كانت أعمق من أن تم عليها مظاهر الحزن ،
ولم ينطق بكلمة عن مصيبته إلا حين صار وحيدا إذ قال : " سأكون بجانبك هذه الليلة يا جولييت " . ثم أسرع إلى صيدلانى يصنع العقاقير ، واشترى منه سما ، وذهب إلى قيرونا ، وكان أول هم له أن يذهب إلى قبر جولييت . ولما دخل المقبرة كان هناك ( ياريس ) خطيب ( جوليت ) وقد جاء ليزور قبرها . فلم يملك ياريس نفسه عند ما راء ، لأن روميو هو الذى قتل ابن عم جولييت ، وكان الناس جميعا يظنون أنها لم نمت إلا حزنا على ابن عمها . فاعترضه باريس واستفزه حتى بارزه فقتله روميو
ثم أسرع إلى حبيبته ينظر إليها ، وكان ظاهرها جميلا ليس فيه شئ من ظاهر الأموات ، فأقبل عليها فقبلها وضمها ، وجمل يناجيها ، ثم أخرج السم الذى معه وشربه وهو إلى جانبها ، ومات وهو يقول : " أنا هذا أموت ربان حبا ، زودتنى الموت قبلة حب " .
وجاء عند ذلك الراهب الحكيم ، وكان قد أرسل خطابا إلى روميو بدعوه إلى الحضور وينبئه فيه بكل ما كان ، ولكن الأقدار أرادت أمرا ، فلم يصل ذلك الخطاب إليه . وقد أنى إلى المقبرة عند ذلك إذ قرب موعد صحوة جوليت ، فرأى كارثة جديدة عند ما وقع بصره على روميو فى صفرة الموت وباريس مصر جا بالدماء واتفق فى تلك اللحظة كذلك أن عادت جوليت إليها ، فرأت الراهب وجعلت تسأله عن روميو وعن إتمام تدبير خطته .
وفيما هى فى ذلك سممت ضجة ، فخرج الراهب لاستجلا . سببها ، فنظرت جولييت حولها ورأت ما هنالك :رأت روميو والكأس فى بدء وأدركت ما كان منه فقالت :
" ويح نفسى ماذا أرى ؟ أى كأس هذه الكأس ؟ إنها كأس . إنه السم لا أشك وفيه كان حتف الحبيب قبل الأوان " ثم جعلت مخاطب روميو قائلة :
" أيهذا البخيل . تشرب هذا كله لا تدر لغيرك شيئا فللأ قبل ثم الحبيب لعلى منه أجنبى بقية من سموم "
ثم أخذت خنجره ، وطعنت به نفسها ، فوقمت على حثته.
طارت أخبار هذه الحوادث كل مطار ، فما أسرع أن أتى أمير المدينة وأبو روميو ووالد جولييت ووقفوا جميعا حول حطام المأساة ، وعلم الجميع بعد البحث أن القضاء وحده هو الذى كان يدفع الجميع ، ويدبر لهم سعيهم ، ويسير بهم إلى قصده .
وكانت عبرة المأساة عظيمة الأثر فى نفوسهم ، فتركوا ما كان فى قلوبهم من غسل ، ولم يخرج ( كايوليت ) و ( مونتاجو ) من الكنيسة إلا صديقين متصافيين ، فلم يبق فى قبرونا من أثر تلك العداوة المشبوبة إلا القصة الخالدة ، قصة روميو وجوليت .
