سيدى الفاضل رئيس تحرير الثقافة : سألك أحد فضلاء الكتاب مند بضعة أسابيع عن (( نسيم الصبا )) ما هو ، وأية ميزة جعلت شعراء العرب منذ العهد الجاهلى إلى يومنا هذا تفضله على سواه ...
سألك الأديب الفاضل هذا السؤال ، فرأيت أن يتقدم القراء بالاجابة عليه ، فلم يفعل أحد إلى الآن .
وسألك أديب آخر عن الكبد وأثرها فى العشق . وأثر العشق فيها . . وهل حقيقة تحترق حزنا ولوعة ، وتذوب أسى ووجدا ؟
فأما السؤال الثانى ، فلا أجد من نفسى قدرة على الاجابة عليه ، وكل ما أعرفه عن الكبد وتأثرها باللوعة والهيب تلك التجارب التى اكتسبناها جميعا من التردد على (( الحاتى )) ، ودكاكين الكباب والشواء .
أما (( نسيم الصبا )) فأمر آخر ، ولا أستطيع أن أرد نفسى عن رغبتها فى الاجابة على سؤال الأديب الفاضل ، وستكون هذه الاجابة مزيجا من الجغرافيا والأدب ، كما هو المنتظر من شخص يمشى وإحدى رجليه فى بر العلم ، والأخرى تغوص فى بحر الأدب ، شأنه فى هذا كشأن الضفدع ، تراها آونة فى البر وآونة فى الماء .
الأفضل أن يكون الكلام عن ريح الصبا لا ((نسيم)) الصبا ، لأن النسيم هو الريح الضعيفة الهبوب ، التى لا ينبغى أن تزيد سرعتها عن ثلاثة أميال فى الساعة ؛ ومع أن الصبا كثيرا ما تهب فى صورة نسيم فان من الجائز أن يكون لها بعض القوة أحيانا .
والأصل فى الصبا أنها ريح تهب على الحجاز عامة ،
وعلى مكة خاصة من جهة الشرق ، وتكون الكعبة قبالتها ، ولذلك سميت القبول ، وليست كل ريح شرقية صبا إلا على سبيل التجاوز ، ونقل الشىء إلى غير موضعه . فالصبا هى الريح التى تهب من نجد إلى الحجاز .
وكانت الرياح الرئيسية لاقليم الحجاز أربعا : وهى الصبا ، والدبور ، والشمال ، والجنوب ، وتسمى الصبا أحيانا القبول لأنها تستقبل الحرم ، كما سميت الدبور بهذا الاسم لأنها تأتى من خلف الحرم ، وبهذا تكون أسماء الرياح مشتقة من جهة هبوبها ، وهذه العادة فى تسمية الرياح شائعة فى جميع الأقطار والأمصار .
ولكن لبعض الرياح أسماء خاصة بها كما يسمى الأشخاص بأسماء ؛ ومن هذه الرياح الصبا ، كما أن منها ريح السترال فى جنوب فرنسا ، والبورا فى البحر الأدريانى الشرقى ، والشنوك فى الولايات المتحدة الغربية والفوهن فى جبال الألب .
إن إطلاق اسم خاص على ريح يكسبها ميزة ، وليسامحنى أساتذة الفلسفة إذا قلت إنه يكسبها شخصية ، فيصبح التحدث عنها مشعرا بأنه حديث عن كائن حى يتحرك ، لا مجرد هواء ينتقل من جهة إلى جهة أخرى .
وقد أكثر الشعراء من ذكر الصبا لأسباب عديدة ، لا أستطيع أن أزعم أنى أعرفها جميعا ، ولكنى سأدلى هنا مما يبدو لى منها :
أولا : كانت الصبا ريحا عليلة دافئة تهب عادة فى أوائل الربيع حين يستوى الليل والنهار ، جالبة معها مقدارا من الغيث لا يستهان به ، فهى تؤذن بانقضاء الشتاء ببرده
وزمهريره ، وابتداء الربيع بغيثه ونباته ، وهذا بلا شك يجعلها محببة إلى النفوس .
ثانيا : أن الصبا لفظ رقيق عذب ، حسن الوقع فى الأذن ، يلائم من غير شك لغة الشعر عامة ، وشعر النسيب خاصة .
ثالثا : تهب الصبا من جهة نجد نحو الحجاز . وكانت جموع من الناس تقصد حواضر الحجاز للبيع والشراء ، أو للحج ، وكثير منهم من نجد أو من الأقطار الشرقية المجاورة ، فكان من المعقول أن يحنوا إلى نجد وسكانها ، وأن يستفزهم هبوب الصبا إلى نظم القريض . وشعر ابن الدمينة مثال جميل لهذا حين يقول :
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادنى مسراك وجدا على وجدى
هذا هو الأصل فى التحدث عن الصبا ، فى البيئة العربية الخالصة . أما الشعراء الذين سكنوا العراق وإيران والشام ومصر ، فان تحدثهم عن الصبا كتحدثهم عن الأماكن العربية التى لم يروها ، أو عن الأشجار والنباتات العربية التى لا تنبت فى أرضهم . وأشعار مهيار الديلمى خير مثال لهذا ، كقوله من قصيدة مشهورة :
سل طريق العيس من (( وادى الفضا ))
كيف أغسقت لنا رأد الضحى
ألشىء غير ما جيراننا
نقضوا (( نجدا )) وحلوا الأبطحا ؟
با نسيم الصبح من (( كاظمة )) !
شد ما هجت الجوى والبرحا !
الصبا - إن كان لا بد - الصبا
إنها كانت لقلبى أروحا
يا نداماى (( بسلع )) هل أرى ذلك الغبق والمصطبحا
فأنت ترى يا سيدى الرئيس كيف تحدث مهيار الديلمى الإيرانى عن نبات لم يألفه ، وأمكنة لم يقم بها إلا لماما ،
ورياح ليس له بها عهد . لأن هذا كله مما ألف القدماء أن يتحدثوا عنه ، ثم جاء المتأخرون فاقتدوا بهم .
على أن الشعراء الأول لم يخصوا الصبا بالذكر ، ولم يفضلوها دائما على سائر الرياح . وهذا بشار بن برد يقول :
هوى صاحبى ريح الشمال إذا جرت
وأهوى لقلب أن تهب جنوب
وما ذاك إلا أنها حين تنتهى
تناهى وفيها من عبيدة طيب
ولا شك فى أن حاسة الشم عند بشار قوية جدا .
ومن أحسن ما جاء فى الحديث عن الرياح ، ما ورد فى قصيدة لطرفة بن العبد فى تأنيب رجل . يقول له :
وأنت على الأدنى شمال عربة
شآمية تزوى الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرة
تذاهب منها مرذغ ومسبل
يؤنب الشاعر هذا الشخص لأنه يسىء إلى أقاربه ، ويحسن إلى الأباعد . فهو مع الأدنى (أى القريب) كريح الشمال الباردة الجافة ، التى تجىء من جهة الشآم ، فتقبض الوجوه بقرها وزمهريرها . وهو مع الأقصى (أى البعداء الأجانب) كالصبا الدافئة التى يحمل الغيث منهملا وهطالا ، وأنت يا سيدى الرئيس أدرى منى بهذا الطراز من أبناء آدم ، الذين نراهم حربا على أوطانهم ، وبردا وسلاما على غير أمتهم من الأمم ، كفانا الله شرهم ، وزادهم الشعراء من أمثال طرفة تأنيبا وتعذيبا ...
هذا يا سيدى ما عن لى أن أجيب به على سؤال السائل الفاضل ، وما أشك فى أن إجابتى قاصرة كل القصور ، فلعل من القراء الكرام من يزيدنا فائدة فى هذا الباب ، أو يصحح ما قد يكون القلم قد سبق به من الخطأ .

