بعد هذا انتقل بحث المؤتمر إلى تحديد " الإسلام الصحيح وما دخل عليه من تغيير . وقد افاض في ذلك العضو النجدي ، فقال : " إن الإيمان بالله امر فطري في البشر ، وحاجتهم إلى الرسل لإرشادهم إلى كيفية الإيمان ويختلف الناس في تصور الله . والعقول البشرية مهما قويت واتسعت لا تتحمل إدراك صفات الله الإزلية المجردة عن المادة والزمان والمكان فاحتاجت إلي من يرشدها
واساس الإسلام جملتان : " لا إله إلا الله " و " محمد رسول الله " ؛ وثمرة الإيمان بالأولى عتق العقول من الأسر ؟ وثمرة الثانية الاهتداء بمحمد في تعاليمه التي تحول بين المرء ونزوعه إلي الشرك .
ولكن إدراك التوحيد والاحتفاظ به عسير على النفس ، فسرعان ما يخرج منه إلى الشرك . والشرك أنواع ثلاثة : " شرك في الذات " وذلك في عقيدة الحلول " وشرك في الملك ، كاعتقاد الناس في بعض المخلوقات المشاركة في تدبير شؤون الكون وشرك في الصفات " بإسباغ صفات الكمال على بعض المخلوقات .
وقد فشا في المسلمين هذا الشرك ، كتعظيم القبور ، وبناء المساجد والمشاهد عليها ، والطواف بها ، والإسراج لها والتذلل لها ؛ وكدعوي ان هناك علما يسمى علم الباطن خص به بعض الناس واتخاذ الدين لهوا ولعبا بالتغني والرقص ، ولبس الاخضر والاحمر ، واستخدام الحنة
والشياطين ، فكل هذه وأمثالها شرك محض أو مظنة إشراك
وعرض للإسلام غير الشرك أمران خطيرن ، وهما : التشدد في الدين بعد ما كان يسرا سهلا ، فكانت كل فرقة تأتي تزيد في هذا التشدد حتى صار عسرا صعبا ؛ والأمي الثاني تشويش الدين بكثرة المذاهب والشيع وطرق التصوف
وقد لاحظ الرئيس أن عضوين من الأعضاء لم يتحدثا فرغب ان يسمع صوتهما ، وهما العضو السندي والعضو القازاني ؛ فأما السندي فقد تكلم في التصوف وما دعا إليه ، وما فيه من حق وما فيه من باطل ؛ واما القازاني فقص عليهم قصة جرت بين مسيحي روسي اسلم ومفتى قازان ، تدور حول دعوة المفتي إلي تقليد السلف والاقتصار على ما قالوا ، ودعوة الروسي المسلم إلى ضرورة الأجتهاد وعدم التقليد ، وحكى ما جري بينهما من حجج وادلة ، وأخيرا انتصرالمسلم الروسي المستشرق على المفتي ، فاقتنع بأن التقليد ضار حمل عليه الكسل ، وان الاجتهاد واجب ولكن يحتاج القيام به إلي جد وعناء
ثم دعا الرئيس السيد الفراتي السكرتير ، وهو " الكواكبي لتلخيص المحاضر السابقة للمؤتمر وتعداد اسباب فتور المسلمين وتكليفه أن يزيد عليها من الأسباب ما يراه إن وجد غير ما ذكره الأعضاء ؛ فلخص اسباب فتور المسلمين في :
) ١ ( اسباب دينية اهمها عقيدة الجير ، ونشر ما يدعو إلي التزهيد في الدنيا ، وترك السعي والعمل ، واختلاف المسلمين فرقا وشيعا ، وإضاعة سماحة الدين وتشديد الفقهاء المتأخرين ، وإدخالهم في تعاليمه الخرافات والأوهام ، وعدم المطابقة بين القول والعمل في الدين ، وتهوين غلاة الصوفية شأن الدين وجعله لهوا ولعبا ، والتوسع في تأويل النصوص ، والتحايل
على التحرر من الواجبات ، وإيهام الدجالين أن في الدين أمورا سرية ، واعتقاد منافاة العلوم الحكمية والعقلية للدين ، وتطرق الشرك إلى عقيدة التوحيد ، وتهاون العلماء في تأييدها ، والغفلة عن حكمة الجماعة والجمعة والحج .
) ٢ ( وأسباب سياسية أهمها السياسية المجردة من المسئولية ، وحرمان الامة من حرية القول والعمل ، وفقدانها الأمن والامل ، وفقد العدل والتساوي في الحقوق بين طبقات الامة ، وميل الأمراء للعلماء المدلسين ، واعتبار العلم صدقة يحسن بها الأمراء على الخاصة ، وإبعادهم للناصحين وتقريبهم المتملقين ، واستبداد الامراء وانغماسهم في الترف ودواعي الشهوات .
) ٣ ( وأسباب أخلاقية : من الاستغراق في الجهل والأرتياح إليه ، واستيلاء اليأس على النفوس ، والإخلاد إلي الخمول ، وفساد التعليم ، وفساد النظام المالي ، وإهمال طلب الحقوق العامة جبنا ، وتفضيل الوظائف على الصنائع والتباعد عن المداولات في الشئون العامة
وقد زاد السكرتير اشياء على ما سبق ، أهمها : الغفلة عن تنظيم شؤون الحياة ، وعدم توزيع الأعمال توزيعا عادلا ، وعدم العناية بتعليم النساء وتهذيبهن ، وسقوط الهمة وانتشار داء التوكل .
ولم يرض المؤتمر بالاكتفاء بالبحث في الأمراض وعلاجها ، بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعني بإصلاح المسلمين ، وتشرف على تنفيذ برنامجها في الإصلاح ؛ وهذه الجمعية تؤلف من مائة عضو : عشرة عاملون ، وعشرة مستشارون ، وثمانون فخريون ، ولا عدد للأعضاء المساعدين المحتسبين ؛
واشترط في الأعضاء العاملين شروطا دقيقة من العفة والأمانة والإخلاص وسعة العلم والقدرة على التأثير وإمكان التفرغ للعمل لأغراض المؤتمر ، وجعل مركزها في مكة ، ولها شعب في الآستانة ومصر وعدن ، والشام وطهران
وتقليس وكابل وكلكلتا ، وسنغافورة وتونس ومراكش وغيرها ؛ والجمعية لا تكون تابعة لحكومة ما ، ولا تتقيد بمذهب ديني خاص ، ويكون شعارها : لانعبد إلا الله " ، ويكون من اهم اغراضها تتميم التعليم بين المسلمين ،
والترغيب في العلوم والفنون النافعة ، وإيجاد المدارس العالية يتخصص كل منها للتوسع في فرع من فروع العلم ، وتوحيد اصول التعليم ، ووضع مناهج للرقي بالاخلاق وتنفيذها ، وإنشاء مجلة شهرية للجمعية لتأييد اغراضها الخ الخ
وقد اتفقوا على أن يكون مركز الجمعية المؤقت هو مصر ، لتقدمها في العلم والحرية ، ولانها اسبق الامم الإسلامية في ذلك .
وأخيرا تعرض الكواكبى للنزاع القائم بين الترك والعرب في زمنه ، وناصر العرب علي الترك ، ورأي انهم اصلح للأخذ بزمام الدولة ؛ ووضع مشروعا لنظام الحكم بينه وأوضحه . وانفض المؤتمر بعد أن اجتمع اثني عشر اجتماعا وصل فيها إلي النتائج الآتية :
١ - المسلمون في حالة فتور عام . ٢ - يجب تدارك هذا الفتور ٣ - أسباب الفتور . ٤ - جرثومة الداء الجهل 5 - الدواء تنوير الأفكار بالتعليم ، وإيقاظ الشوق للترقي وخصوصا في الناشئة
٦ - تأسيس الجمعيات التي تقوم بهذا العلاج . ٧ - المكلفون بذلك كل قادر على عمل ، وخاصة نجباء الأمة من السراة والعلماء .
٨ - تشكيل الجمعية الكبرى لهذا الغرض ، ولتسم " جمعية تعليم الموحدين " .
هذه نظرة الطائر إلى هذه الرواية العظيمة العميقة المفيدة ، وهذا تفكير ) الكوا كبي " من نحو نصف قرن يشف عن سعة اطلاع وصدق إخلاص ، وسمو فكر وبعد نظر ، وشجاعة وصراحة ! فإذا نحن اطلعنا على ما كان يكتب قبله في المجلات والصحف في مثل هذه الموضوعات رأيناها كانت اقرب إلي موضوعات إنشائية جوفاء ، فنقلها هو إلى بحوث علمية عملية ، يحلل ويذ كر العرض وسبب الداء وعلاجه في صير وأناة واستقصاء .
كتاب " أم القري رواية جدية ليس فيها غرام وغزل ، بل فيها غرام بالعالم الإسلامي يعاني في سبيله ما يعاني المحب الهائم ، ويود من صميم قلبه أن يصل محبوبه إلي أعلى درجات الكمال ، ويضحي من أجله بماله الذي ضيعه عليه الظلمة لتمسكه بالحق ، ويضحي بوطنه فيهجره لأنه لم يستطع أن يجهر برأيه في حلب فجهر به في مصر ، ولا بأس فكل بلد إسلامي وطنه - كان يحب التخصص ، وان كل قادر يحصر نفسه في فرع من فروع العلم او الفن حتى يتقنه ؛ حتى وضع ذلك في نظام المدارس التي كان يتمني إنشاءها . فطبق ذلك على نفسه ، فلم يوزع نفسه بين فقه ولغة ، وما إلى ذلك ، إنما وهب نفسه لإصلاح المسلمين ،
فدرس التاريخ الإسلامي في دقة وإمعان يتعرف فيه الأسباب والنتائج ، كما تدل عليه كتابته ، وساح في البلاد الإسلامية سياحة فاحصة منقبة ، ودرس كل قطر إسلامي ومزايا وعيوبه ، حتى إنه لما وضع روايته " ام القرى " انطق كل عضو بعقلية قطره : النجدي يشكو من ضياع الدين ؛ والرومي يشكو من ضياع الحرية وسلطة المتعممين
والإسكندري يشكو ضعف الأخلاق ، والإنجليزي ينعي على المسلمين عدم المجتمعات وتبادل الرأي بالخطب والمحاضرات ونحو ذلك .
اكتوى السيد جمال الدين الافغاني من السياسة
الأوروبية ولعبها بالمسلمين ، فصب عليها جام غضبه واستغرقت حملته على السياسة الإنجليزية أكبر قسم في العروة الوثق ؛ واكتوي الكوا كبي بالسياسة العثمانية فكانت موضع نقده - نظر الأفغاني إلي البيئة الخارجية للمسلمين فدعاهم إلي ان يناهضوها ؛ ونظر الكواكبي إلي نفس المسلمين فدعا إلي إصلاحها ، فإنها إن صلحت لم تستطع السياسة الخارجية ان تلعب بهم .
ولذلك كانت معالجة الأفغاني للمسائل معالجة ثائر ، يخرج من فمه الأقوال نارا حامية ؛ ومعالجة " الكواكبى " معالجة طبيب يفحص المرض في هدوء ويكتب الدواء في اناة .
الأفغاني غاضب ، والكوا كبي مشفق ؛ الأفغاني داع إلى السيف ، والكوا كبي داع إلي المدرسة ، ولعل هذا يرجع أيضا إلي اختلاف المزاج ، فالأفغاني حاد الذكاء ، حاد الطبع ، والكوا كبي رزين الذكاء هاديء الطبع ؛ إذا وضمت أمامهما عقبة تخطاها " الأفغاني " قبل ، وتخطاها " الكواكبي " بعد ولكن من خير نقطة تتخطي فلا عجب إن كان للأفغاني دوي المدافع ، وكان للكوا كبي خرير الماء يعمل في بطء حتى يفتت الصخر !
لو مكن له معرفة لغة أجنبية ، ووقف على ما وصلت إليه بحوث علم الاجتماع الحديث ، لكان له منبع فياض إلي جانب غزارة فكره .
وبينما الناس تعجب بما ينشره من مقالات إصلاحية في المجلات والجرائد ، ومجلس الفضلاء ، في مصر عامر بحديثه وجد له ودفاعه المؤدب عن ارائه ، إذا بالصحف المصرية تطلع بنبأ موته الفجائي يوم ٦ من ربيع الأول سنة ١٣٢٠ فأسف عليه كل من كان محبا لإصلاح المسلمين وبكى إخوانه الذين كانوا يرون فيه رجلا نبيل الخلق ، سامي المقصد ، عف اللسان ، نقي الضمير . فرحمه الله !
) تم البحث (

