كانت جزيرة العرب عند ما دعا محمد بن عبد الوهاب دعوته - التي شرحناها في العدد الماضي - أشبه شيء بحالتها في الجاهلية ، كل قبيلة تسكن موضعا يرأسها أمير منها ؛ هذا أمير في الأحساء ، وهذا أمير في العسير ، وهؤلاء أمراء في نجد الخ ، ولا علاقة بين الأمير والأمير إلا علاقة الخصومة غالبا ثم تتوزعها - أيضا الخصومة بين البدو والحضر ، فمن قدر من البدو على خطف شيء من الحضر فعل ، ومن قدر من الحضر علي التنكيل ببدو فعل ؛ والطرق غير مأمونة ، والسلب والنهب على اشدهما ، ومسالمة الخلافة في الآستانة تكاد تكون سلطة اسمية ، ومظهرها تعيين الأشراف في مكة وإمدادهم ببعض الجنود وكفي
لقد بدأ محمد بن عبد الوهاب يدعو دعوته التي ذكرناها - في لين ورفق بين قومه ، ثم أخذ يرسل الدعوة لأمراء الحجاز والعلماء في الأقطار الآخر ، حاثا لهم علي استنهاض الهمم في مكافحة البدع والرجوع إلي الإسلام الصحيح
كم من المصلحين دعوا مثل هذه الدعوة ، ولكنها مرات بسلام ، وإن شابها شئ فسجن الداعي أو التشهير به ، ورميه بالكفر أو الزندقة ، ثم ينتهي الأمر ويعود الناس سيرتهم الأولى ؛ بل نري من قام بمثل هذه الدعوة في المغرب كالشيخ أبي العباس التيجاني ، فقد امر بترك البدع ونهي عن زيارة القبور ، وكثرت اتباعه حتى بلغت مئات الآلوف ، ولكن لم يلفت الناس والحكام امره كما لفتهم محمد بن عبد الوهاب ؛ وكذلك الشيخ محمد عبده دعا مثل هذه الدعوة ، فأجابه بعضهم وانكر عليه بعضهم ، ثم أسدل الستار
السبب في هذا ما أحاط بالدعوة الوهابية من ظروف لم تتهيأ لغيرها .
فقد اضطهد في بلده العيينة ، واضطر أن يخرج منها إلى الدرعية مقر آل سعود ؛ وهناك عرض دعوته على أميرها محمد بن سعود فقبلها ، وتعاهدا علي الدفاع عن الدين الصحيح ومحاربة البدع ، ونشر الدعوة في جميع جزيرة العرب باللسان عند من يقبلها ، وبالسيف عند من لم يقبلها ؛ وإذ ذاك دخلت الدعوة في دور خطير ، وهو اجتماع السيف واللسان . وزاد الأمر خطورة نجاح الدعوة شيئا فشيئا ، ودحول الناس افواجا فيها ، وإخضاع بعض الامراء بالقوة لحكمها ، وكلما دخلوا بلدة ازالوا البدع واقاموا تعاليمهم حتى هددت الحركة كل جزيرة العرب ، ولما مات الأمير ومات الشيخ تعاقد أبناء الأمير وابناء الشيخ علي ان يسيروا سيرة أبائهم في نصرة الدعوة متكاتفين ، وظلوا يعملون حتى غلبوا على مكة والمدينة
وشعرت الدولة العثمانية بالخطر يهددها بخروج الحجاز من يدها ، وهو موطن الحرمين الشريفين الذين يحملان لها مركزا إسلاميا ممتازا ، تفقد الكثير منه إذا فقدتهما
فأرسل السلطان محمود إلي محمد علي باشا في مصر بأن يسير جيوشه لمقاتلة الوهابيين ؛ وكما أرسلت الجيوش لمقاتلتهم أرسلت الدعاية من جميع الأقطار الإسلامية للنيل من هذه الدعوة وتكفير مبتدعيها ، وحمل علماء المسلمين عليها حملات منكرة ، وألفت الكتب الكثيرة في التخويف منها والتشنيع عليها .
وهكذا بدئت الحرب بالسيف والحرب بالكلام ، كل هذا خدم الدعوة الوهابية بلفت الانظار إليها ، ودورانها على كل لسان . وزاد في شأنها أن الوهابيين انتصروا علي حملة محمد على باشا الأولى بقيادة الأمير طوسون .
ثم أعد محمد علي باشا العدة القوية الكبيرة ، وسار
بنفسه وحاربهم بخير سلاحه ، فانتصر عليهم ، واتم النصر ابنه إبراهيم باشا ، وانهزمت قوة الوهابيين ؛ ولكن بقيت الدعوة إلى ان هييء لها في العهد الحاضر المملكة السعودية الحاضرة في تاريخ طويل لا يعنينا هنا ، وإنما يهمنا الدعوة وما تم لها
فإن الدعاية التي أحكمت ضدها ، وتعلق الناس بالدولة العثمانية ، وميلهم الشديد أن تظل بلادها وحدة لا ينفصل عنها جزء ، جعلت عامة المسلمين في أقطار العالم الإسلامي يفرحون بهزيمة الوهابية ، ولو لم يفهموا جوهر دعوتها . وشيء آخر كان كبير الأثر في تنفير عامة المسلمين من هذه الحركة ، وهو انها حيث استولت على بلد نفذت تعاليمها بالقوة ولم تنتظر حتى يؤمن الناس بدعوتها ؛ فلما دخلوا مكة هدموا كثيرا من القباب الأثرية كقبة السيدة خديجة ، وقبة مولد النبي ) ص ( ، ومولد أبي بكر وعلي ؛ ولما دخلوا المدينة رفعوا بعض الحلى والزينة التي كانت على قبر الرسول ؛ فهذه كلها أثارت غضب كثير من الناس وجرحت عواطفهم ، فمنهم من حزن على ضياع معالم التاريخ ، ومنهم من حزن على الفن الإسلامي وكيف يزال ، ومنهم من حرن لأن مقبرة الرسول ) ص ( وفخامتها مظهر للعاطفة الإسلامية وقوة الدولة ؟ وهكذا اختلفت الأسباب واشتركوا في الغضب ، والوهابيون لم يعبئوا إلا بإزالة البدع والرجوع بالدين إلي أصله .
قد اهتموا بالناحية الدينية وتقوية العقيدة ، وبالناحية الخلقية كما صورها الدين ، ولذلك حيث سادوا قلت السرقة والفجور وشرب الخمور وأمن الطريق وما إلي ذلك ؟ ولكنهم لم يمسوا الحياة العقلية ولم يعملوا على ترقيتها إلا في دائرة التعليم الديني ، ولم ينظروا مشاكل المدنية الحاضرة ومطالبها ، وكان كثير منهم يرون ان ما عداهم من الأقطار الإسلامية التى تنتشر فيها البدع ليست ممالك إسلامية ،
وان دارهم دار جهاد ، فلما تولت حكومة ابن سعود الحاضرة كان لابد أن تواجه الظروف الحاضرة ، وتقف أمام منطق الحوادث ، ورأت نفسها أمام قوتين قويتين لا معدي لها عن مسايرتهما ، قوة رجال الدين في نجد المتمسكين اشد التمسك بتعاليم ابن عبد الوهاب والمتشددين أمام كل جديد فكانوا يرون أن التلغراف السلكي واللاسلكي والسيارات والعجلات من البدع التي لا يرضي عنها الدين ، وقوة التيار المدني الذي يتطلب نظام الحكم فيه كثيرا من وسائل المدنية الحديثة كما يتطلب المصانعة والمدارساة ، فاختطت لنفسها طريقا وسطا بين القوتين ، فقد عدلت نظرها إلي الأقطار الإسلامية الآخر وعدتهم مسلمين ، وبدأت تنشر التعليم المدني بجانب التعليم الديني ، وتنظم الإدارة الحكومية علي النمط الحديث ، وتسمح للسيارات والطائرات واللاسلكي بدخول البلاد والاستعمال وما إلي ذلك ، وما أشقه عملا : التوفيق بين علماء نجد ومقتضيات الزمن ، وبين طبائع البادية وغلاة الحضارة .
لم تقتصر الدعوة الوهابية على الحجاز والجزيرة العربية . بل تعدتها إلي غيرها من كثير من الأقطار الإسلامية وكان موسم الحج ميدانا صالحا وفرصة سانحة لعرض الدعوة على أكابر الحجاج واستمالتهم إلي قبولها ، فإذا عادوا إلي بلادهم دعوا إليها . فنري في زنجبار طائفة كبيرة من المسلمين يعتنقون هذا المذهب ، ويدعون إلي ترك البدع وعدم التقرب بالأولياء
وقام في الهند زعيم وهابي احمد السيد أحمد ، حج سنة ١٨٢٢ م ، وهناك آمن بالمذهب الوهابي وعاد إلى بلاده ، فنشر هذه الدعوة في بنجاب وانشأ بها شبه دولة وهابية ، وأخذ سلطانه يمتد حتي هدد شمال الهند ، وأقام حزبا عوانا على البدع والخرافات ، وهاجم الوعاظ ورجال الدين هناك ،
وأعلن الجهاد ضد من لم يعتنق مذهبه ويقبل دعوته ، وان الهند دار حرب ؛ ولقيت الحكومة الانجليزية متاعب كثيرة شاقة من أتباعه حتى استطاعت اخضاعهم
وكذلك حضر الإمام السنوسي مكة حاجا ، وسمع الدعوة الوهابية واعتنقها ، وعاد إلي الجزائر يبشر بها ويؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب كما سيأتي بيانه .
وفي اليمن ظهر اعلم علمائه ، وإمام أئمته وهو الإمام الشوكاني المولود سنة ١١٧٢ ، فسار على نفس هذا النهج ، وإن لم يتلقه عن ابن عبد الوهاب ، وألف كتابه القيم " نيل الأوطار " شارحا فيه كتاب ابن تيمية منتقي الأخبار ، عارضا الأحاديث النبوية ، مجتهدا في فهمها ، مجتهدا في استنباط الأحكام الشرعية منها ولو خالف المذاهب الأربعة كلها ، وحارب التقليد ودعا إلي الاجتهاد وثارت من أجل ذلك حرب كلامية شعواء بينه وبين علماء زمنه ، كان أشدها في صنعاء ، وألف في ذلك رسالة سماها " القول المفيد في حكم التقليد ، ودعا في قوة إلي عدم زيارة القبور والتوسل بها ، فقال في نيل الأوطار ) ١ ( : " وكم سري عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام ، ) منها ( اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام ، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة علي جلب النفع ودفع الضرر ، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج ، وملجأ لنجح المطالب ، وسألوا منها ما يسأل العباد من ربهم ، وشدوا إليها الرحال ، وتمسحوا بها واستغاثوا ، وبالجملة فانهم لم يدعو شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ومع هذا الفكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ، ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ، ولا اميرا ولا وزيرا ولا ملكا ، وقد توارد إلينا من الأخبار
ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من قبل خصمه حلف بالله فاجرا ، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ، وأبي واعترف بالحق ، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين وثالث ثلاثة
" فيا علماء ، الدين ، ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام اشد من الكفر ، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله ، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصبية ، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك المبين ؟ " وقد مات الإمام الشوكاني سنة ١٢٥٠ بعد ان ابلى في هذا بلاء عظيما ، وخلف تلاميذ كثيرة يدينون برأيه
وفي مصر شب الشيخ محمد عبده فرأي تعاليم ابن عبد الوهاب تملأ الجو ، فرجع إلي هذه التعاليم في أصولها من عهد الرسول إلي عهد ابن تيمية ، إلي عهد ابن عبد الوهاب ؛ وكان أكبر أمله أن يقوم في حياته للمسلمين بعمل صالح ، فأداه اجتهاده وبحثه إلى نفس الأساسين اللذين بني عليهما محمد بن عبد الوهاب تعاليمه وهما : ) ١ ( محاربة البدع وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بالإشراك مع الله تعالى الأولياء والقبور والأضرحة ، و ) ٢ ( فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين ؛ وجرد نفسه لخدمة هذين الغرضين ؛ ولكنه امتاز بميزة كبري عمن عداه وهي ثقافته الواسعة الدينية والدنيوية ، ومعرفته شؤون الدنيا وأسسها وتيارها ، وذلك بتربيته الدينية الأولى المستمرة ، وبانغماسه في الأمور السياسية وإطلاعه على الثقافة الفرنسية ، ورحلاته إلي أوربا يخالط علماءها وفلاسفتها وساستها . فلما تعرض لمثل ما تعرض له ابن عبد الوهاب فلسفة الدعوة ، وركزها على اسس نفسية واجتماعية ، كما شارك في تركيزها على الأسس الدينية ففي دروسه في التفسير التي كان يلقيها في الرواق العباسي بالأزهر ، كان ينتهز كل اشارة لآية ولو من بعيد تندد
بالشرك فيفيض في الحملة على عبادة الصالحين ، وزيارة القبور والشفاعة والتوسل وما إلى ذلك ، فيطيل الوقوف مثلا عند قوله تعالى : " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ، والذين آمنوا أشد حبا لله ولو تري الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ، وان الله شديد العذاب " ، فيقسم الشيخ الأنداد إلي قسمين هؤلاء الشفعاء الذين اتخذهم الناس وسيلة للقرب من الله يستقضونهم في الحوائج ، وهؤلاء ، الذين يقلدون في الدين ويتخذ قولهم شرعا من غير حجة ولا برهان . وتظهر فلسفته للمذهب في بيان الأضرار النفسية من هذه العقائد ، فهي تورث الذل وتخضع الناس للحكام الظالمين ، وتحط بالنفوس إلي الدرك الأسفل ، ثم هي تضر اجتماعيا باعتماد الناس على هؤلاء الأولياء بتركهم القوانين الطبيعية التي جعلها الله أسبابا لابد منها لحصول المسبب ، فالزراعة إنما تنجح بالحرث والتسميد والبذر والسقي ، لا بالإستغاثة بولي ؛ والحرب إنما تكسب باتخاذ سلاح مجهز على آخر طراز كسلاح العدو ، وإعداد العدة الكاملة كما يفعل العدو ، لا بالإستعانة بأهل القبور ؛ وفضيلة المسلم أن يستعين بعد ذلك كله بالله وحده يطلب منه أن يثبت قلبه ، ويلهمه التوفيق . وهكذا كان يفيض في هذين الأساسين مفندا آراء من يقول بالتوسل والشفاعة والتقليد .
وينتهز فرصة وجود جماعة من العلماء عنده في يوم مولد ، ودعوته للعشاء عند احد المحتفلين ، فيبين لهم ان هذه الموالد كلها منكرات ، ويتمني لو صرف ما يصرف في الموالد على تعليم الفقراء ، ويناظرهم في ذلك مناظرة تنتهي بإنصراف العلماء إلي العشاء في المولد ، وامتناع الشيخ وحده .
ويضع الشيخ تفسيرا لجزء " عم " للناشئة فيلتمس كل وسيلة للحملة على كل ما يشوب التوحيد من شرك بعبادة المشايخ والقبور والأضرحة والتخريف ، راجيا أن ينشأ الشباب نشأة دينية صحيحة خيرا مما عليه أباؤهم - وأعانه في هذه السبيل تلميذه وصديقه السيد محمد رشيد رضا في مجلة
المنار ، فقد ملأها كذلك بمثل هذه الدعوة ، ومثل هذه الحجج يسمع بها المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية
وفي تركيا قامت الحكومة التركية الكمالية بمحاربة هذه البدع والخرافات ، فأغلقت التكايا وكانت عش التدجيل ، وطاردت المشايخ ، واضطهدت المهرجين . ولكن الفرق بين هذه ) الحركة وما قبلها ان كل الحركات السابقة كانت مؤسسة على الدين والإصلاح الديني ، والرجوع إلي الأصول الدينية ، أما هذه الحركة فمؤسسة على العقل المطلق ، وفكرة الإصلاح الاجتماعي من غير أن يكون الوازع عليها الرغبة في الإصلاح الديني .
وأخيرا وقد مضي على هذه الدعوة الإصلاحية من عهد محمد بن عبد الوهاب إلي الآن عشرات السنين ، واشترك في تنظيم الغزوة عشرات من الأبطال ، فماذا كانت النتيجة ؟
ظل عامة المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية كما هم - من حيث الالتجاء في قضاء الحوائج إلي المشايخ والقبور والأضرحة ، وظلت الموالد كما كانت بالإحتفال بها وإن قل بهاؤها ورونقها ، وإنما تأثر بهذه الدعوة الخاصة أو خاصة الخاصة ، كما تأثر بها ناشئة الشباب المثقفين بحكم ثفاقتهم ونمو عقليتهم ، فلم يلجئوا إلي المزارات والمشايخ كما كان يلجأ آباؤهم ؛ ولكن أخشى ألا يكون كثير منهم يلجأ إلي الله أيضا كما كان يلجأ أباؤهم . والآن ننتقل إلي نوع آخر من الإصلاح ، كان مظهره ، مدحت باشا في تركيا ، وهو موضوع المقال الأتي إن شاء الله .
