الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 256 الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الإصلاح الإسلامى، فى القرن التاسع عشر

Share

طلع القرن التاسع عشر والعالم الإسلامى فى ظلمة حالكة ، ومحنة شاملة : جهل مطبق ، وظلم فادح ، وفقر مدقع .

هذا سائح فرنسى زار مصر فى آخر القرن الثامن عشر وهو مسيو ڤولنى Volney ، وأقام بها وبالشام نحو أربع سنوات يقول : (( إن الجهل فى هذه البلاد عام شامل ، وهى فى ذلك مثل سائر البلاد التركية ، يشمل الجهل كل طبقاتها ، ويتجلى فى كل نواحيها الثقافية من أدب وعلم وفن ؛ والصناعات اليدوية فيها فى أبسط حالاتها ، يندر أن تجد فى القاهرة من يصلح لك ساعتك إذا فسدت فإن عثرت على أحد فهو أفرنجى )) .

وهذه الحكومة المصرية تخشى من الرأى العام فى تعليم الرياضة والطبيعة ، فتستفتى شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد الإنبابى (( هل يجوز تعليم المسلمين العلوم

الرياضية كالهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء وغيرها من سائر المعارف ؟ )) فيجيب الشيخ فى حذر : (( إن ذلك يجوز مع بيان النفع من تعلمها )) - كأن هذه العلوم لم يكن للمسلمين عهد بها ، ولم يكونوا من مخترعيها وذوى التفوق فيها .

كان العالم الإسلامى منعزلا لا يتصل بأوربا إلا فيما تعانيه تركيا من مشاكلها السياسية ، فليس هناك اتصال بين الشعوب الإسلامية والشعوب الأوروبية ، لقد أغلقت على العالم الإسلامى الأبواب منذ الحروب الصلبية ، وأخذ يأكل بعضه بعضا - وقفوا فى علمهم فليس إلا ترديد                                                                                                                                                                                            بعض الكتب الدينية واللغوية ، وفى صناعاتهم فلا اختراع بل ولا إتقان للقديم ، وفى آلاتهم الحربية وقوتهم العسكرية فهى على نمط الأقدمين ؛ وسكان المدن والريف قد ابعدوا

عن الاشتراك فى الشئون السياسية والحربية ، فلا تراهم فى جيش ولا فى قيادة جيش ، ولا تعرض عليهم المشاكل السياسية ولا رأى لهم فيها ، إنما هم مزرعة الحكام ومستغل الولاة والأمراء ، كلما تفتحت شهواتهم فعلى الرعية أن يجدوا سبيلا لملئها بالمال يجمعونه من عرق جبينهم وصنع أيديهم . مركز الخلافة - وهو الأستانة - مفكك منحل ، والولايات من مصر والشام والعراق والحجاز متدهورة منحدرة ، قد أمات نفسها توالى الاستبداد عليها ، يقودها فى العلم رجال الدين وهم أجهل الناس بالدنيا وشؤونها واتجاهاتها ، كل همهم كلمة تعرب ، أو جملة فى كتاب تفسر ، أو حفظ متن ، أو وضع حاشية على شرح ؛ وهذا كل عالمهم . أما الدنيا وكيف تسير ، والشعوب وكيف تظلم ، والعدل وكيف يطلب ، فموكولة إلى الله تعالى يفعل فيها ما يشاء ؛ يخدمون كل والٍ ويلينون مع كل ظالم ؛ حتى نابليون لما دخل مصر لم يجد قنطرة يعبر عليها لحكم مصر إلا مجلس العلماء ، وقال (( إنه استعان بهم ليتقى أكبر العقبات لأن أكثرها دينية - ولأنهم لا يعرفون أن يركبوا حصانا ولا أن يقوموا بأى عمل حربى ، وقد استفدت منهم كثيرا واتخذتهم وسيلة للتفاهم مع الشعب ، وألفت منهم ديوان القضاء ))

يأكل بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا . هذا الشيخ الدواخلى - أحد أكابر العلماء ونقيب الأشراف - يزدحم الناس على بابه ، وتتزاحم العلماء على مائدته ، فإذا غضب محمد على باشا عليه لكلمة بلغته عنه ، وأمر بالقبض عليه ونفيه إلى دسوق ، هرع هؤلاء العلماء الفضلاء يكتبون العرائض يملؤونها ذما فى الدواخلى وتشنيعا عليه ، يعددون عليه ذنوبا أكثرها فى الحقيقة محامد ، ويقيمون الأفراح شماتة به ، ويعملون الولائم ويتضاحكون عليه ، فيصرخ (( الجبرتى )) الرزين ، ويعلق على هذا الحادث بقوله : « إنهم قد زالت هيبتهم من النفوس ، وانهمكوا فى الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية ، والوساوس الشيطانية ،

ومشاركة الجهال فى المآتم ، والمسارعة إلى الولائم ، فى الأفراح والمآتم ، يتكالبون على الأسمطة كالبهائم ، فتراهم فى كل دعوة ذاهبين ، وعلى الخوانات راكعين ... وعلى ما وجب عليهم من النصح تاركين .

أمور يضحك السفهاء منها        ويبكى من عواقبها اللبيب ))

ويشمت (( الجبرتى )) بهذا الشيخ الدواخلى لأنه فعل مثل هذا الصنيع مع السيد عمر مكرم . ويقودها فى السياسة وال تركى يسيطر عليها بطائفة من الجند ، ولا يطيل المكث إلا ريثما يغتنى هو وجنوده من الأمة بالسلب والنهب والرشا حتى أصبح اسم الحكومة والوالى والجند مرعبا مفزعا ، مقرونا فى النفس بمعنى الظلم والعسف واغتصاب المال .

وأعجب من هذا كله إلف الشعوب هذه الحالة السيئة والاستنامة إليها، وكراهيتهم لكل إصلاح ؛ فإذا أريد إصلاح الجندية ثارت الانكشارية ، وإذا أريد إصلاح القانون غضب العلماء ؛ وهى مع ذلك يسودها الغرور ، فهى تشعر أنها خير ما فى الدنيا ، وقوتها فوق كل قوة ، والله ناصرها على كل عدو ، ولاخوف عليها من أى شعب آخر أو ملة أخرى ، أليس الله قد رد أعداءها فى الحروب الصلبية ، ومحا كيد من يكيد لها وبعتدى عليها ؟ ! فالعلم ليس إلا ما فى كتبهم وعند علمائهم ، والقوة الحربية ليست إلا فيهم ، وما على السلطان إلا أن يرفع البيرق النبوى حتى تلتف حوله جنود الأرض وجنود السماء فيمحقون كل قوة ، ويذلون كل جبار . يقول بعض المماليك المصريين عندما بلغه نزول الحملة الفرنسية : (( دعوهم فإذا جاءت جميع الجيوش الأفرنجية فسندوسهم بخيولنا )) .

وعلى الجملة فقد كان العالم الإسلامى - إذ ذاك - شيخا هرما حطمته الحوادث ، وأنهكه ما أصابه من كوارث ، من حروب صليبية ، وما تبعها من فساد نظام ، واستبداد حكام ، واستئثارهم بالمغانم ، وفوضى أحكام ، وخمود الشعب ، واستسلامه للقضاء والقدر ، وترديد قول الشاعر :

دع المقادير تجرى فى أعنتها  

                ولا تبيتن إلا خالى البال

فقد الدين روحه وصار شعائر ظاهرية لا تمس القلب ولا تحيى الروح ، وسادت الخرافات وانتشرت الأوهام ، وأصبح التصوف ألعابا بهلوانية ، ووسيلة النجاح فى الحياة ليس الجد فى العمل ولكن التمسح بالقبور والتوسل بالأولياء ؛ فهم الذين ينجحون فى العمل ، وهم الذين ينصرون فى الحروب ، والشوارع والحارات مملوءة بالدجالين والمشعوذين .

هذا ما كان عليه الحال فى الشرق ، أما الغرب فقد حمل معه بذور الإصلاح أيام الحروب الصليبية ، وبدأ بغرسها فى أرضه حتى أنتجت هذه البذور أشجارا باسقة عصفت بها الريح حينا ، ودب إليها الفساد حينا ، ولكنها تحملت الشدائد حتى استوى أمرها وكونت لها شخصيتها . رفعت ثوراتها من شأن الشعوب وجعلتها فوق شأن الحكام ، فبينما كان الحكام فى الشرق كل شئ ولهم كل الثروة وكل العظمة وللشعوب كل الفقر وكل الجهل ، كان النداء يدوى فى الغرب بأن الأمة كل شئ ، وأن الحاكم إنما له حق البقاء فى مركزه ما خدم شعبه . وسلبوا القيادة العلمية من رجال الدين وسلموا زمامها لرجال الدنيا ، يطلقون لعقولهم العنان ، ويبحثون ما شاءوا ويجربون ما شاءوا ، ويخترعون ما شاءوا ، وقصروا رجال الدين على قيادتهم فى الأمور الروحانية والمسائل اللاهوتية ، ولكن ليس لهم قيادة فى العلم ولا السياسة ؛ فاتجه العلماء إلى الطبيعة يبحثونها فى كل مناحيها ، ويحاولون الوقوف على أسرار الكون ، ويبنون حياتهم العملية على ما اكتشفوا منها فى صناعاتهم وتجارتهم ، ويستخدمون الهندسة والفلك والكيمياء والرياضة والميكانيكا فى بناء السفن والمدفعية والقوى الحربية ، وسببت عندهم المخترعات والصناعات والآلات ثروة كبيرة

لكثير من الأفراد ساعدت على تأسيس شركات تقوم بأضخم الأعمال ؛ وهذا التقدم فى الصناعات رفع من شأن  أفراد الشعوب ، وجعل لهم الكلمة العليا فى حكوماتهم ، وحررهم فى الفكر والعمل ، فتضاعف التفكير ، وتضاعف الاستكشاف ، وتضاعف الإنتاج .

هذا هو الشرق ، مصر ، لا تعرف أن تصلح ساعة ، وجيوشه تعبأ على طريقة الحرب الصليبية ، وأسلحته هى ما كانت عليه منذ خمسة قرون ، ومشايخه يبحثون فى الكتب ليستخرجوا فتوى بحيل تعلم الحساب أو حرمته ، وشعوبه أكواخ حقيرة فقيرة قذرة لعامة الناس ، وقصور فخمة ضخمة ملئت بالجوارى الحسان وكل أسباب الترف والنعيم لعدد محدود من الولاة والأمراء ، وكل ما فى البلاد من خير فلهؤلاء السادة ، وكل ما فى البلاد من شقاء فعلى رؤوس الشعب .

وهذا هو الغرب ، ثورة شعوبه على الحكام ونظام الطبقات لتسترد حريتها ، وثورة على النظام الاقتصادى لتنظم الضرائب وتحرر التجارة ، وتحد من تدخل الحكومة فى الأعمال الاقتصادية ، وتنشيط الزراعة والصناعة بشتى الوسائل ، ثم ثورة صناعية نتج عنها توسع فى استخراج الفحم والحديد وصناعة الآلات .

هذا هو الحال عندما اصطدم الشرق بالغرب حول أوائل القرن التاسع عشر - لقد كان الغرب يتهيب الشرق لما وقر فى نفسه من عظمته أيام الحروب الصليبية ، ولكن ما لبث التجار والجواسيس والرحالة الغربيون يكشفون لأممهم حال الشرق حتى اقتنعوا بضعفه ؛ وكان أكثر ناحية تفوق فيها الغرب على الشرق عدا ما ذكرنا هى الناحية البحرية ، فإن كانت بعض دول الشرق قوية فى جنودها ، باسلة فى قتالها ، فليس لها ما تعتمد عليه من أساطيل بحرية قوية كالتى للغرب .

لقد غزا الغرب الشرق مسلحا بالعلم الواسع فى شتى نواحيه ، فى السياسة والاجتماع والاقتصاد ، وبنفسية الشعوب وجغرافية العالم وتاريخه ، ومسلحا بالأدوات الحديثة فى الحروب برا وبحرا ، وبالأساليب الحربية على آخر طراز ، ومسلحا برؤوس الأموال تمده بها الحكومات والشركات ،

ومسلحا برجال العلم ينزلون مع الجيش يدرسون وينقبون عن الزراعة والصناعة والحضارة القديمة والفن وما إلى ذلك .

وحيثما غزا الغرب قطرا فسرعان ما يبث فيه أسباب حضارته من سكك حديدية تمد ، وبريد ينظم ، وزراعة تصلح ، ومالية تضبط ، وهو المشرف على كل ذلك يسخرها كما يشاء ؛ ولا يكتفى بنشر حضارته المادية بل ينشر حضارته العلمية والأدبية ، فالمدارس الوطنية تدرس لغته وآدابه وفنونه وعلومه ، وتزاحم الثقافة القديمة للبلاد شيئا فشيئا ، والعادات الغريبة تكتسح العادات القديمة ، وعلى الإجمال تنبت المدنية الغربية فى البلاد المفتوحة بخيرها وشرها .

كل هذا لبه الشرق مذعورا من سباته العميق ، والتفت وراءه فرأى ماضيا قريبا يستدعى الخجل : من إهمال مصالح البلاد وفساد مرافقها ، وضعف ثغورها ؛ ورأى حاضرا خائرا لا يقف أمام قوة ، ولا يصد تيارا عنيفا ، وليس يملك شيئا إلا أن يلعن من أوصله إلى هذا الحال ، وما غناء اللعن باللسان أمام قوة السنان ؟

وكانت هذه حال العالم الإسلامى أجمع حول أوائل القرن التاسع عشر ، سواء فى ذلك ما غزى من الأقطار وما ينتظر الغزو القريب ، لأن القوى الغربية تتسابق ، وسقوط الأقطار الشرقية يتلاحق .

وقد كانت أكبر مصيبة أصيب بها الشرق فى هذه الآونة قلة رجاله الخبيرين بالدنيا وشؤونها ، والسياسة والأعيبها ، الماهرين فى معالجة المشاكل ، الحازمين فى تصريف الأمور ، وحتى كان إذا وجد أمثال هؤلاء ، لم يجدوا تأييدا من الرأى العام الجاهل ، فمن نادى بالمساواة فى العدل بين

الرعية من غير نظر إلى جنس أو دين اتهم بمحاربته للمسلمين ، ومن نادى بتنظيم الجيش على الأساليب الحديثة أتهم بالتفرنج والخروج على التقاليد ، ومن نادى بتأسيس مجلس شورى اتهم بمحاربة السلطان ، والحض على الثورة ، والعبث بالنظام ؛ وهكذا .

وكانت هذه الخيبة التى منى بها سببا فى التفكير فى حالته والحزن على ما أصابه ، ونزعة بعض المفكرين ، وكبار الرجال فى الإصلاح ، فنبغ رجال قليلون فى سائر الأقطار يعالجون الإصلاح بوسائل مختلفة ، كل ينظر إليه من زاوية خاصة ؛ ولعل أشهر الزعماء فى القرن التاسع عشر أو قبله بقليل وأكبرهم أثرا كان محمد بن عبد الوهاب فى الحجاز ، ومدحت باشا فى تركيا ، والسيد أحمد خان فى الهند ، والسيد جمال الدين الأفغانى فى مصر ، والسنوسى فى طرابلس ، وخير الدين باشا فى تونس .

ولعلنا نستطيع أن نذكر كلمة عن كل رجل من هؤلاء نبين فيها وجهة نظره فى الإصلاح ، وما قدر له من خيبة أو فلاح ، فربما جهل كثير من شباب الجيل الحاضر تاريخهم ، مع قرب العهد بهم ، وتأثرنا فى حاضرنا ومستقبلنا بأعمالهم .

اشترك في نشرتنا البريدية