الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 269الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر :، ٦ - جمال الدين الافغانى

Share

ما تعاليم السيد في كلمة ؟ وما أغراضه في جملة ؟ يقول لو ثروب ستودارت الأمريكي Louarop Stodderd "إن خلاصة تعاليم جمال الدين تنحصر في أن الغرب مناهض للشرق ، والروح الصليبية لم تبرح كلمة في الصدور كما كانت في قلب بطرس الناسك ، ولم يزل التعصب كامنا في عناصرها ، وهي تحاول بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحاولها المسلمون للاصلاح والنهضة

ومن أجل هذا يجب على العالم الإسلامي أن يتحد لدفع الهجوم عليه ليستطيع الردود عن كيانه، ولا سبيل إلي ذلك إلا باكتساب أسباب تقدم الغرب والوقوف على عوامل تفوقه ومقدرته" .

ويقول : " جولد زيهر " إن جمال الدين كان - كما بري براون - فيلسوفا ، كاتبا ، خطيبا ، صحفيا ؛ وفوق

ذلك كان سياسيا ، يرى فيه محبوه وطنياً كبيراً ، وخصومه فهيجا خطيراً ؛ وكان له أثر بالغ في النزعات الشورية التي حدثت في عشرات السنين الأخيرة في الحكومات الإسلامية ، وكان يرمي إلى تحرير الممالك الإسلامية "

السيطرة الأوروبية وإنقاذها من الاستغلال الأجنبي وإلى ترقية شئونها الداخلية بالإدارات الحرة المنظمة ؛ كان يرمي إلى جامعة تنتظم الحكومات الإسلامية ، ومن إيران الشيعية ، لتتمكن بهذا الاتحاد من منع التدخل الأوروبي في شؤونها "

ويقول السيد جمال الدين عن نفسه : " لقد جمع ما تفرق من الفكر ، ولممت شعث التصور ، ونظرت الشرق وأهله فاستتوقفني الأفغان وهي أول أرض من  جسمى ترابها ، ثم الهند وفيها تثقف عقلي ، فإيران بحد  الجوار والروابط ، فجزيرة العرب ، من حجاز هو مهبط الوحي ، ومن يمن وتباعيتها ، ونجد ، والعراق ، وبغداد  وعروشها ومأمونها ، والشام ودهاة الأمويين فيها ، والأندلس وحمرائها ، وهكذا كل صفع ودولة من دول

الإسلام وما آل إليه أمرهم ، فالشرق الشرق فخصصت جهاز وما في التشخيص ذائه ، وتحري دوائه ، فوجدت اقتل أدواته داء انقسام اهله وتشتت آرائهم واختلافهم على الاتحاد واتحادهم على الاختلاف (فصلت على توحيد كلمتهم تشبههم للخطر الغربي المحدق بهم).

ويقول الشيخ محمد عبده : " أما مقصده السياسي الذي وجه إليه كل أفكاره وأخذ على نفسه السعى إليه مدة ثباته - وكل ما أصابه من البلاء أصابه في سبيله - فهو  انهاض دولة إسلامية من ضعفها، وتنبيهها للقيام علي شئونها حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة ، والدولة بالدول القوية ، يعود للاسلام شأنه ، وللدين الحنيفي مجده ، ويدخل في ما تقلص ظل بريطانيا في الأقطار الشرقية " .

فيكادون كلهم يجمعون على أن له غرضين واضحين : (١) بث الروح في الشرق حتى ينهض بثقافته وعلمه وتربيته وصفاء دينه ، وتنقية عقيدته من الخرافات، وأخلاقه مما تراكم عليها ، واستعادة عزته ومكانته . (٢) مناهضته الاحتلال الأجنبي حتى تعود الأقطار الشرقية إلى استقلائها مرتبطة بروابط على نحو ما التقي الأخطار المحدقة بها .

كان في حياته يحمل في يديه المسلمين معا ، فلما مات تفرق الغلمان وتداول المصلحون بعد على حمل واحد  منهما - هذا أو ذاك - لا على حملهما معاً . فالشيخ محمد  عبده - مثلا - أكبر تلاميذه وأقدرهم - طلقه في حمل العلم الثقافي لا السياسي . لقد تبين بعد أن اشتغاله بالسياسة في العروة الوثقى ونحوها إنما كان مدفوعا إليه بقلب جمال الدين لا بقلبه هو ، ولذلك اقترح عليه بدل إنشاء الجريدة إنشاء مدرسة للزعماء كما تقدم . فلما استقل بنفسه كان عمله في بيروت عملا تعليميا صرفا ، ولما عاد إلى مصر كان برنامجه التعليم والتثقيف بأوسع ما يستطيع وأتمه ؛  ولذلك اقترح على أولى الأمر بعد عودته أن يعين ناظراً لدار

العلوم أو أستاذا فيها ، فخشوا من اتصاله بالتلاميذ لتاريخه الماضي ، وعينوه قاضيا أهليا ليكونوا بمأمن من جانبه . بل رأيناه يلعن فى كتاباته السياسة وحروفها ومشتقاتها كراهية لها . بل رأيناه يصرح بأن الواجب الأول على المصلح تثقيف الشعب وتهذيبه ، ثم الاستقلال يكون الخاتمة . بل رأيناه يضع خطة إصلاحه بأن يتعاون مع الإنجليز ويصادقهم ، ويتفاهم معهم لينال منهم - بأقصى ما يستطيع - إعانته  فيما ينشد من إصلاح داخلي تثقيفي . وهذا سبب ما كان بينه وبين "مصطفى كامل " والحزب - الوطني من خصومة ؛ بل ربما كان هذا سبباً أيضاً فيما نلاحظه من بعض الفتور في العلاقة بينه وبين أستاذه السيد جمال الدين . فقد كتب من مصر للسيد - وهو في الآستانة - خطابا غفلا من الإمضاء وتلميحا لبعض الأشخاص من غير ذكر أسمائهم ؛ فهاج السيد وكتب إلي الشيخ محمد عبده جوابا من نار علي هذا التصرف ، يؤتيه فيه على الجبن والخوف ، ويقول : " تكتب ولا تمضى وتعقد الألغاز ؟ ... أمامك الموت ولا ينجيك الخوف . . فكن فيلسوفا يرى العالم ألعوبة  ولا تكن صبيا هلوعا " . ولعل هذا آخر ما كان بينهما  من تواصل.

وما كان بالشيخ محمد عبده من حين ، ولكن الجسم الملتهب يشعر بالجسم المعتدل بارداً ، وقد كتب السيد جوابه هذا وقد ملكته الحدة ، وكم ملكته .

على كل حال اختط الشيخ محمد عبده لنفسه خطة اقتنع بها كل الاقتناع ، وهي رفع أحد العلمين دون الثاني ، فأخلص لمبدئه وبذل في ذلك جهده وصحته وعقله وماله ، واتجه إلى كل نواحي الثقافة يغذيها وينعيها ويصلحها بقدر ما يستطيع إنسان أن يعمل ، مع ما يوضع في سبيله من عقبات من الخديوي ومن الجامدين من رجال الدين ، ومن دسائس الدساسين ؛ فكانت حياته موزعة بين الإشراف على التعليم في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية ، وإصلاح

الأزهر ودرسه التفسير فيه ، وتأليف جزء " عم " لناشئة المدارس ، وجده في إصلاح الأوقاف والمساجد ، وتحريره المقالات في مجلة المنار لتثقيف العقل وهدايته إلي فهم الدين ، ورد على مهاجمي الإسلام كما فعل في رده على هانوتو رداً حاراً قوياً بأخر وأقوى من رد السيد جمال الدين على ريتان، وسفره إلى تونس والجزائر يحاضر في إصلاح العقيدة الدينية وإصلاح الطرق التعليمية وهكذا . كل ذلك في حدود خطته التي رسمها والتي رآها أوفق لنفسه ، وكل ميسر لما خلق له .

أما الذين رفعوا العلم الآخر - علم مناهضة الحكم الأجنبي - فهو عبد الله نديم ، ثم مصطفى كامل ، وفريد ، ثم سعد زغلول فساروا على مثل دعوة السيد جمال الدين ، مستخدمين ما استنجد من أساليب ، وما استعمله الغرب من وسائل .

هذا في مصر ومثله في سائر أقطار الشرق ، من زعماء حملوا لواء الإصلاح الثقافي ، وزعماء حملوا اللواء السياسي مما يطول ذكره - وقد نعرض فيما نكتب بعد لبعضه - ولو انتبه " السيد " اليوم من رقدته لحمد من الشرق سيرته ، وإن كان أكبر الظن أنه يحتد عليه لبطئه ، فقد كان - رحمه الله - حارا حاد المزاج لا يرضيه من الإصلاح السير علي الاقدام ولا ركوب القطارات ، بل لا يرضيه بعض الرضا إلا ركوب الطائرات وحرب الدبابات . يقول الشيخ محمد عبده في وصفه : " إنه طموح إلي مقصده السياسي ، إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه ؛ وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان .. وهو شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه ، إلا أنه حديد المزاج ؛ وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة " .

ثم كان أشبه الناس في سياسته بعلى لا بمعاوية ، كانت سياسة معاوية عنوانها : " إنا لا نصل إلي الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل " . أما "على" فلا يريد الخوض في الباطل ليصل إلي الحق ، بل لا يريد إلا الحق من طريق الحق ، وإلا

فلا كان . وهكذا كان جمال الدين . قال الشيخ محمد عبده : " ماذا كان يضر السيد لو مهد لإصلاحه - وهو في الآستانة - بالسعي عند السلطان في إعطاء أبى الهدى الصيادي خمسمائة جنية ونيشان لابنه أو لأخيه ، فاذا رأي أبو الهدى أن " السيد " بخدمه فإما أن يواتيه ، وإما ألا يناويه " ولكن أنى للسيد أن يطلب هذا الباطل وهو يعتقد أن أبا الهدى سافل دنيء ، إذا طلب له شيئا فالشنق.

ولما كان السيد يحكي لخاصته اقناعه للسلطان بأن حادثة الخديو عباس دسيسة ، وان السلطان اقتنع بذلك ، واخير أن هذا من دسائس أبي الهدى ، قال له عبد الله تدرين ليتك عندما صرح السلطان بذلك ذكرت له دسائسا وضرره ، فغضب عند ذلك جمال الدين ، وقال : " اعوذ بالله  أن أكون من المنافقين ، أو أن أفعل ما أنكره على الغير ، أو أن أكون همازا مشاء بتميم " .

وهكذا يريد الحق غاية ، ويريد الحق وسيلة ، والدنيا علمتنا أن سياسة معاوية هي التي نجحت ، وأن سياسة الدنيا تقوم على المصالحة وأخذ شىء بترك شئ . فمن أراد الحق كاملا وإلا لا فلينشد ذلك في المثل الأعلى للخلق لا في السياسة ، أو فلينتظر حتي تخضع السياسة للخلق .

بقيت مسألة هامة في تاريخ السيد ، وهو اتهامه بالإلحاد - وقد أشرنا إليها في مقال سابق . ولرمى  السيد بالإلحاد تاريخ طويل ، فقد رمى به في الآستانة عند زيارته لها أول مرة ، فقد خطب في دار الفنون خطبة ذكر فيها أن المعيشة الإنسانية أشبه شئ ببدن الحي ، وأن كل صناعة بمنزلة العضو ، فالملك كالمخ ، والحدادة كالعضد ، والزراعة كالكبد . . . الخ ، ولا حياة للجسم إلا بالروح ، وروح المعيشة الإنسانية النبوة والحكمة

فاتهموه بالإلحاد لهذا ، وشنعوا عليه بأنه يقول إن النبوة صناعة ، وسنعوا عليه حتى تصح بالخروج

من الآستانة .

فلما جاء إلي مصر اتهمه بعض العلماء كالشيخ عليش وبعض العامة بالإلحاد ، والإلحاد في نظر هؤلاء وأمثالهم شئ هين ، يكفي ألا يسير سيرتهم ، ولا يلبس لباسهم وأن يدخن السيجار ، ويجلس في المقهي ، ويلتف حوله بعض اليهود والنصاري ، ليحكموا عليه بالإلحاد . وكما أن عقيدة كل إنسان لها لون خاص ، فكذلك تصوره للالحاد يتكيف بذهنه .

ولما ترجم سليم بك عنحوري للسيد جمال الدين في كتابه " سحر هاروت " رمى السيد أيضا بالإلحاد فقال : " إنه برز في علم الأديان حتى أفضى به إلى الإلحاد والقول بقدم العالم ، زاعما أن الجراثيم الحية المنتشرة في الفضاء ترقى وتتحور إلي ما نراه من أجرام ، وأن القول بوجود محرك أول حكيم وأهم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم المعبود علي حسب ترقيه في المعقولات . . الخ"

وقد قابله الشيخ محمد عبده ، وعاتبه على نشره مثل هذا القول من غير تحر وتدقيق ، فكتب سليم بك في الجرائد يصحح فيه قوله ، ويقول : إني قابلت الشيخ محمد عبده ، فأوضح لي بدلائل ناهضة وبراعين داحضة ، أن ما تتناقله الألسن من هذا القبيل ما كان إلا من آثار الحسد ، وأن السيد كان أثناء مناظراته الجدلية يشرح النحل والبدع وأقوال المعطلين شرحا وافيا ، ثم يقيم الحجج على بطلانها ! فلعل سامعا سمع منه هذا القول في مثل هذا الموقف فنسبه إليه ، وقال إنه لم يسمع من السيد هذا الكلام وإنما تلقاه عن بعض المصريين والسوريين . ونقل كلاما للسيد اطلع عليه في وجوب الدين ، وضرورة الاعتقاد بالألوهية ، ومزايا الإسلام ، وختم مقاله بقوله : " إننا سارعنا لإذاعة هذا ، شأن المؤرخ العادل ، وقياما بحق الأدب ، وضنا بفضل هذا الرجل الخطير من أن تناله ألسنة من لا يعرفونه خطأ وافتراء والله يتولى الصادقين " .

ثم رأينا ما اتهمه به "ريتان" بعد ما جالسه في باريس فكتب كلمته التي نشرناها من قبل ، وهذا ادق موقف ؟ فريتان فيلسوف واسع الذهن دقيق التعبير ، لا يلقي الكلام على عواهنه ، خصوصا وقد ورد في رد السيد جمال الدين عليه ما يفيد انه سلم للمسيورتان بأن الإسلام كان عقبة في سبيل العلم .

ولكن في رأيى أن السيد عبر تعبيرا غير دقيق في تفرقته بين طبيعة الدين الإسلامي وسيرة المسلمين خصوصاً وأنه أخذ على ريتان تقصيره في أنه لم يبحث إذا كان هذا الشر نشأ عن الديانة الإسلامية نفسها ، أم عن الصورة التى تصور بها الإسلام ، أم عن اخلاق بعض الشعوب التي اعتنقت الإسلام ، وقراءتنا لرده تشعرنا بأنه وقع في هذا اللبس ، وأنه كان يدور حول فكرة أن للدين دائرة ، وللعلم دائرة ، ويجب أن يسبح كل في دائرته من غير طغيان ، وأن الدين يجب ألا يعارض العلم فيما ثبتت صحته علميا - وهذه الآراء الواضحة في ذهننا الآن ، والواضحة في تعبيرنا ، لم ترد واضحة في رده ، فكان ردا مهوشا ، كما كانت محاضرة ريتان نفسها كذلك

وليس من شك في أن السيد كان حر التفكير قويا على الجدل ، متشعب طرائق الحجج ، فمن الممكن جدا أن يكون في مجالسه مع ريتان تبحبح في بعض الاقوال التي من هذا القبيل ، والتي تحدث لكثير من كبار المفكرين في بعض اللحظات ، فحكم ريتان عليه هذا الحكم الشامل خطأ

ثم كان " السيد " كما يحكى عنه الشيخ محمد عبده وبعض خاصته ، متصوفا يدين بعقيدة المتصوفة ، وهي مبهمة غامضة تنتهي وحدة الوجود ، والتعبير عنها قد يلتبس - إلا على الخاصة - بالإلحاد ، ومن أجل هذا رمى  محيي الدين بن العربي وأمثاله بالكفر لعدم الدقة في الوزن . إن حياة " السيد " مملوءة بالدعوة الحارة إلى الدين ،

وإلى التوحيد ، في كتاباته في " الرد علي الدهريين " وفي العروة الوثقى ، وفي مجالسه الخاصة .

يذكر بعض خاصته أنه سمع رجلا كبيرا تكلم كلمة في حق النبي بأمر " السيد " من معه من الأفغانيين بضربه  فضربوه حتى خرج يزحف .

وحكي المخزومي مجلساً شهده ، إذ زار رجل جمال الدين في بيته في الآستانة وجري الحديث فقال هذا الرجل :  " إني قرأت كتب الفلاسفة فثبت عندي أن الله غير موجود ولا يعتقد به إلا حيوان " . فضاق صدر السيد ولم يجبه ، ودعا الحاضرين إلى حديقة البيت وكان فيها أنواع من الطيور والدجاج ، فتصايحت الديكة وغردت الطيور ، فقال السيد : " كيف لا يفضل اضعف حيوان أعجم  يذكر الله إنسانا ناطقا ينكر وجود الله " كيف يجرؤ على إنكار واجب الوجود من يأكله الدود ؟ إذا لم يتعظ الإنسان بما فوقه من أجرام فليتعظ بما تحته من رقات الأجسام ؟ فخرج الرجل الملحد خجلا من غير أن يودع .

لا يمكن أن تصدر هذه الكتابات وهذه الأقوال ، وهذه الغيرة من ملحد إلا أن يكون قد بلغ الغاية في التصنع والنفاق . ولم يكن عيب جمال الدين نفاقه ، إنما كان عيبه إفراطه في صراحته ، وعدم استطاعته كتمان ما يعتقد ، ويقول : " لا يكون الكمال النسبى في البشر إلا متي كثر إعلانهم وقل كتمانهم" ، وأكثر متاعبه في الحياة كان سببه جهره بما يصح أن يكتم وإعلانه ما يجب أن يسر ، فأخلاق مثل هذه تؤكد أنه لو كان السيد ملحدا يري الحق والخير في الإلحاد لدعا إليه في صراحة وجرأة وشجاعة من غير ما موارية ولا إيماء .

لقد كان يؤمن بالأصول ، ويترك لعقله الحرية التامة في الفروع ، ويصل في ذلك إلي نتاج قريبة من اذهان الجامدين الملتزمتين فيرمي بالألحاد ، فكان ينفر من التقليد ويدعو إلي الاجتهاد ، ويذكر في مجلسه قول للقاضي عياض

ويتمسك به راووء فيقول " السيد " : سبحان الله ! إن القاضي عياضا قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله وتناوله فهمه ، وناسب زمانه ، فهل لا يحق لغيره أن يقول ما هو أقرب للحق وأوجه وأصوب من قول القاضي عياض وغيره من الآئمة ؟ إذا كان القاضي عياض وأمثاله سمحوا لأنفسهم أن يخالفوا أقوال من تقدمهم فاستنبطوا وقالوا ما يتفق وزمانهم فلم لا تستنبط ونقول ما يوافق زماننا .

"مامعنى باب الاجتهاد مسدود ، وبأي نص سد ، أو أي إمام قال لا يصح لمن بعدي أن يجتهد ليتفقه في الدين ، ويهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان وأحكامه " إن الفحول من الآئمة اجتهدوا وأحسنوا ، ولكن لا يصح أن تعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن ، واجتهادهم فيما حواه القرآن ليس إلا قطرة من بحر ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده ".

ويري أن التفرقة بين أهل السنة والشيعة أحدثتها مطامع الملوك لجهل الأمة ، وجميعهم يؤمنون بالقرآن ورسالة محمد ، فقيم الخلاف ولم القتال ؟

ويقول إن الأديان الثلاثة كلها أساسها واحد وإنما يوسع شقة الخلاف بينها اتجار رؤساء الأديان بها .

ويفيض في اشتراكية الإسلام ويقارن بينها وبين اشتراكية الغرب فيري ان اشتراكية الغرب بعث عليها جور الحكام وعوامل الحسد في العمال من أرباب الثراء، أما الاشتراكية التي كانت في الأسلام فملتحمة مع الدين ملتصقة مع الخلق باعث عليها حب الخير كما في أعمال عمر وأبي ذر

ويعرض في مجلسه للحديث عن الرجل والمرأة والسفور والحجاب فيطيل القول في ذلك وخلاصة رأيه أن المرأة في تكوينها العقلي تساوي الرجل ، فليس للرجل رأس وللمرأة نصف رأس ، والتفاوت الذي بينهما لم يأت إلا من التربية

وإطلاق السراح للرجل وتقييد المرأة ، وليس ما يمنع المرأة من التعلم ، إنما يجب أن تعد المرأة للبيت ولتربية الجيل .  ومهمتها في هذا أمم واسمى مما يقوم به الرجل من كثير من الصناعات ، ويخطئ من يطلب مساواة الرجل بالمرأة في كل شئ فلكل وظيفته وهي تفاوتها - كل في عمله - يقوم المجتمع ، ولا مانع أن تعمل المرأة في الخارج إذا فقدت عائلها واضطرتها ظروفها إلي ذلك ولكن بنية صالحة وذيل طاهر ثم قال : " وعندي أن لا مانع من السفور إذا لم يتخذ مطية للفجور " .

ويقول " إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية فإن كان ظاهره المخالفة وجب تأويله . وقد عم الجهل وتفشي الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء حتى إتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة - والقرآن بريء مما يقولون - والقرآن يجب أن يجل عن مخالفة العلم الحقيقي

خصوصاً في الكليات " .

وهو واسع الصدر ينقد شبلي شميل في آرائه التي اتبع فيها مذهب دارون بل وجاوزه ، ومع ذلك بقدره لصبره على البحث وجرأته في الجهر بما يعتقد ولو خالف الناس . وهكذا وهكذا مما يراه المتزمتون خروجا عن المألوف فما أقرب ما يقذفون بكلمة الإلحاد .

سنة مألوفة في الكون لا يأتي مصلح سابق لزمنه إلا رمي بالزندقة أو الكفر أو الجنون ، ثم أوذي ممن يسعي في الخير لهم ، وممن يضحي بسعادته لسعادتهم ، ولا يقدر حتى قدره إلا بعد ان يهدأ الجسد بموته ، وتتجلي صحة دعوته بعد زمنه .

رحمه الله فالزمن لا يسمح بمثله إلا قليلا ( انتهي )

اشترك في نشرتنا البريدية