الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 304الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الإصلاح الاسلامي في العصر الحديث :، -٢- السيد عبد الرحمن، الكواكبى

Share

ذكرنا في المقال السابق أن أهم آثاره كتابان : " طبائع الاستبداد " و " أم القري " .

فطبائع الاستبداد يدور حول تعريف الاستبداد بأنه " صفة للحكومة المطلقة العنان ، التى تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولاعقاب ويأتي هذا من كون الحكومة مطلقة التصرف لا يقيدها قانون ولا إرادة أمة ، أو أنها مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال هذه القيود والسير على ما تهوي . والحكومات ميالة بطبعها إلى الاستبداد ، لا يصدها عنه إلا وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لا تسامح فيها ، وإلا قوة الرأي العام وعظمة سلطانه

والمستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم  ويعلم من نفسه انه الغاصب المعتدي ، فيضع كعب رجله على افواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق ومطالبتها به .

والمستبد عدو الحق ، وعدو الحرية وقاتلها .

والمستبد يود أن تكون رعيته بقرا يحلب ، وكلابا تتذلل وتتملق وعلي الرعية ان تدرك ذلك فتعرف مقامها منه ؛ هل خلقت خادمة له ، أو هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها ؟ والرعية العاقلة مستعدة لأن تقف في وجه الظالم المستبد تقول له لا أريد الشر ، ثم هي مستعدة لأن

تتبع القول بالعمل ؛ فإن الظالم إذا رأي المظلوم يحمل سيفا لم يجرؤ على ظلمه

وقد بحث بحثا مستفيضا في علاقة الاستبداد بالدين ، ونقل عن الفرنج رأيهم في ان الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين او مساير له . فكثير من الاديان تبث في نفوس الناس الخشية من قوة عظيمة لا تدرك كنهها العقول ، وتهددهم بالعذاب بعد الممات تهديدا ترتعد منه الفرائص ؛ ثم تفتح بابا للخلاص والنجاة بالالتجاء إلي الأحبار والقسس والمشايخ ، بالذلة لهم ، والاعتراف أمامهم ،

وطلب الغفران منهم . والمستبدون السياسيون يتبعون هذه الطريق فيسترهبون الناس بالتعالي والتعاظم ، ويذلونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال ، حتى لا يجدون ملجأ إلا التزلف لهم وتملقهم ! وعوام الناس يختلط عليهم في أذهانهم الإله المعبود والمستبدون من الحكام ؛ فيتشابه عندهم استحقاق التعظيم ، وتنزههم عن سؤالهم عما يفعلون ،

ولا يرون لهم حقا في مراقبتهم على أعمالهم ، كما أنه ليس لهم حق في مراقبة الله فيما يفعل ! ولهذا خلعوا على المستبد صفات الله كولي النعم ، والمعظم الشأن ، والجليل القدر ، وما إلى ذلك ! وما من مستبد  سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو تربطه برباط مع الله ، ولا اقل من أن يتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله

ولقد رأي " الكواكبي " أن الإسلام في جوهره الأصل لا ينطبق عليه هذا القول ، فهو مبني على قواعد الحرية السياسية متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية ؛ فهو مؤسس على اصول ديمقراطية ) اي المراعاة التامة للمصلحة العامة ( ، وعلى شوري ارستقراطية ، اي شوري الخواص وهم اهل الحل والعقد . فالقرن مملوء بتعاليم تقضي

باماتة الاستبداد ، والتمسك بالعدل ، والخضوع لنظام الشوري من مثل :  وشاورهم في الأمر " وامرهم شوري بينهم " حتى في القصص من مثل : " ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ؟ ومظهر هذا كان في أيام النبي ) ص ( والخلفاء الراشدين ، ثم لا يعرف ) الإسلام سلطة دينية ، ولا اعترافا ،

ولا يمنح غفران ، ولا منزلة خاصة لرجال الدين ؛ ولكن دخل عليه من الفساد ما دخل على كل دين ، فتفرقت كلمة المسلمين وانقسموا شيعا ، وتحول الحكم من نظام شوري إلي استبدادى ، فصغرت نفوس الناس وخفت صوتهم ، وأضاعوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو المبدأ الذي به يراقب أولو الأمر في الآمة ، فسار أمر المسلمين إلي ما نري .

ولم يتعرض " المؤلف " للرد على الشطر الأول ، وهو ما يوحيه تصور الله بالقوة والعظمة والسيطرة من خضوع النفوس للمستبد . وعندي ان الإسلام بجعله " لا إله إلا الله " محور الدين ، تتكرر في كل أذان وفي كل مناسبة ،

كان كفيلا ان يذكر  النفوس دائما بأن العزة لله وحده وان النفوس لا يصح ان تخضع لاحد سواه ، وان هذه الكلمة توحي بالضعف أمام الله والقوة امام من سواه كائنا من كان ؛ ولكن بتوالي القرون ، ودخول الدخيل من العقائد ، أصبحت لا إله إلا الله " عند أكثر المسلمين كلمة جوفاء لاروح فيها ، تبعث الضعف ولا تبعث القوة ، وتبيح ان يشرك مع الله الحاكم المستبد والرئيس المستبد ، بل والمال والجاه والمنصب ، فكل هذه وأمثالها أصبحت آلهة مع الله ، وفقد المدلول الحق للا إله إلا الله !

ثم ابان أن الحاكم المستبد يخشى العلم ، لأن العلم نور ، وهو يريد ان تعيش الرعية في الظلام ، لان الجهل يمكنه من بسط سلطانه ) وأعرف أن حاكما مستبدا شرقيا

كان له مرب سويسري ، فقال له يوما بعد أن تأمر : ليتك تعنى بتربية الشعب وتعليمه ! فقال الأمير : كلا ! إني إن علمته صعب علي حكمه " !

والحاكم المستبد لا يخشى علوم اللغة والأدب ، ولا علوم الدين المتعلقة بالمعاد ، بل هو يستخدم العلماء من هذا القبيل لتأييده   فى استبداده ، بسد أفواههم بلقيمات من فتات مائدته .

انما ترتعد فرائصه من الفلسفة العقلية ، ودراسة حقوق الأمم ، وعلوم السياسة والاجتماع ، والتاريخ المفصل ، والقدرة على الخطابة الأدبية ، ونحو ذلك من العلوم التي تنير الدنيا وتثير النفوس على الظالم ، وتعرف الإنسان ماهو الإنسان ، وما هي حقوقه ، وكيف يطلبها ،  وكيف ينالها ،  وكيف يحفظها ؛ فإن المستبد سارق ، والعلماء من هذا القبيل يكشفون السرقة .

ولذلك يكون الحاكم المستبد وهؤلاء العلماء في صراع دائم ، العلماء يحاولون الإنارة والمستبد يحاول ) إطفاءها ؛ وكلاهما يحاول كسب عامة الشعب ، فالمستبد يخيفهم ليستسلموا ، وهؤلاء العلماء ينيرونهم ليقولوا ويفعلوا

والحاكم المستبد تسره غفلة الشعب لأنه يتمكن بغفلتهم من الصولة عليهم : يغصب اموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم ؛ ويضرب بعضهم ببعض فيصفونه بحسن السياسة والكياسة ؛ ويسرف في أموالهم فيقولون إنه كريم ؛ ويقتلهم ولا يمثل بهم فيقولون إنه رحيم ؟ وإن نقم عليه بعض الأباة ، قاتلهم بهم كأنهم بغاة !

والحاكم المستبد يخاف رعيته كما تخافه رعيته ، بل خوفه منهم أشد ، لأنه يخافهم عن علم وهم يخافونه عن جهل وقد اعتاد المؤرخون المحققون قياس درجة استبداد الحاكم بمقدار حذره ، ودرجة عدله بمقدار طمأنينته ؛ كما يستدلون على عراقة الاستبداد في الامة بفخفخة الحكام ، وإمعانهم في الترف ، وكثرة الحجاب ، ودقة نظام

المقابلات . ومن دلائل تغلغل الاستبداد في الأمة استكناه لغتها ، فإن كثرت فيها الفاظ التعظيم وعبارات الخضوع ، كاللغة الفارسية ، دلت علي تاريخها القديم في الاستبداد وإن قلت كالعربية قبل امتزاجها بغيرها دلت علي الحرية .

وعلي الجملة فأخوف ما يخافه المستبد من العلم ، العلم الذي يعلم ان الحرية افضل من الحياة ، والشرف أعز من المنصب والمال ، والحقوق وكيف تحفظ ، والعلم وكيف يرفع ، والإنسانية وقيمتها ، والعبودية وضررها .

وقد كان " الكواكبي " في كل هذا يقرأ نتائج القرائح التي كتبت في الاستبداد ، وينظر إلي الدولة العثمانية في عهده ويستملى منها آراءه وأحكامه

ثم عرض للأستبداد والمجد ، ويعني بالمجد رغبة الإنسان ان تكون له منزلة حب واحترام في قلوب الناس ؛ وهو مطلب طبيعى  شريف ، وبلغ عند بعض الأفراد درجة تجعلهم يتساءلون أيهما أقوي : الحرص على المجد أم الحرص على الحياة ؟ و " الكواكبي " من قبيل من يري الحرص على المجد أقوى وأوجب من الحرص على الحياة ، ولذلك عاب على ابن خلدون رأيه في تقديم الحرص على الحياة ، عندما نقد ) ابن خلدون ( الإمام الحسين بن علي وأمثاله ، وقال إنهم يعرضون أنفسهم للموت بخروجهم في فئة قليلة على الخليفة ذي السلطان والعدد والعدد ، فيلقون بأنفسهم في التهلكة . فقال " الكواكبي " إنهم معذورون ، لأنهم يفضلون الموت كراما على حياة الذل التي كان يحياها ابن خلدون ، وهم في ذلك كرام سباع الطير والوحوش التي تأبي التناسل في أقفاص الأسر ، وتحاول الانتحار تخلصا من قيود الذل - وغضبة الكواكبي علي ابن خلدون سببها عصبية لاهل البيت إذ كان من الأشراف ،

وفيه نزعة لحب المجد ولو كان فيه فقد الحياة . فابن خلدون

يتحدث بالعقل ، والكواكبي يتحدث بالعاطفة

والمجد انواع : " مجد الكرم ، وهو بذل المال في سبيل المصلحة العامة ، وهو اضعف انواع المجد ؛ " ومجد العلم " وهو نشر العلم النافع رغم عوائق السلطات ؛ ومجد النبالة "

وهو بذل النفس بالتعرض للمشاق والأخطار في سبيل نصرة الحق ، وهذا اعلي المجد . ويقابل المجد التمجد ، أي المجد الكاذب ، وهو أن يكون الإنسان مستبدا صغيرا في كنف المستبد الأعظم ، وهذا يزدهر في الحكومات المستبدة ، لأن الحكومات الحرة تحافظ على التساوي بين الأفراد ولا تخالف ذلك ، ولا تميز بعض الأفراد إلا بخدمة عامة للأمة أو عمل عظيم يوفق إليه أما في الحكومات المستبدة فالمتمجدون أعداء للعدل انصار للظلم ، ينتخبهم المستبد الأعظم ليقوي بهم سلطانه

ويختارهم من ضعاف النفوس ويستغويهم بالمناصب والمراتب ، وأكثر ما يعتمد على العريقين في التمجد ، الوارثين من آبائهم واجدادهم مرض الاستبداد ، ومن هنا ظهرت في الأمم نغمة التمجد بالأصالة والانساب . والحكومة المستبدة يظهر استبدادها في كل فروعها ، من المستبد الأعظم إلى الشرطي ، إلى الفراش ، إلى كناس الشارع ،

ولا يكون كل صنف من هؤلاء إلا من أسفل طبقته ، لأنه لا يهمهم المجد باستجلاب محبة الناس ، إنما يهمهم التمجد با كتساب ثقة رئيسهم المستبد . والوزير في الحكومة الاستبدادية وزير المستبد الأعظم لا وزير الأمة ، وكذلك من تحته من أعوانه ؛ فالهيئة كلها تتمجد ولا تمجد ، وكلهم شركاء في جريمة الضغط على الأمة وظلمها . والاستبداد يقتل المجد ويحيي التمجد !

وهذا حق ، فالحكومة المستبدة تقتل في النفوس العزة الحقيقية بالمفاخرة بالأعمال النافعة ، وتخلق نوعا من السيادة الكاذبة ، وتجعل اولى الأمر سلسلة تبدأ من المستبد

الأعظم إلي الشرطي في الشارع ، كل يخنع لمن فوقه ويستبد بمن تحته وعلي العكس من ذلك الحكومة الديمقراطية ديمقراطية صحيحة ، فهي تشعر كل شخص في الدولة بالعزة التى يحميها العدل ، وبأن له نصبيا في حكم بلاده ، وصوتا مسموعا فيما يجب أن يعمل وما يجب أن يترك وأن حكومته ليست قائمة إلا برأيه ورأي امثاله ، إن شعروا يوما بجورها أسقطوها ، سلطة الرأي العام فيها فوق سلطان الحكومة والبرلمان وكل سلطان .

ثم عرض للاستبداد والمال ، ويعنى بذلك الحكومة الاستبدادية وأثرها في الثروة او الحالة الاقتصادية في البلاد . وهو في هذا الموضوع يري الخير في نوع معتدل من الاشتراكية . نعم لا ينبغي أن يتساوي العالم الذي أنفق زهرة حياته في تحصيل العلم النافع أو الصانع الماهر في صنعة مفيدة ، وذلك الجاهل الخامل النائم في ظل الحائط ؛ ولكن العدالة تقضي أن يأخذ الراقي بيد السافل فيقربه من منزلته ، ويقاربه في معيشته . وقد مال الإسلام إلي هذا النوع ففرض ٥ ر ٢ % من رءوس الأموال تعطى للفقراء وذوي الحاجة ؛ وحرم الربا ، لأنه وإن اجازه الاقتصاديون لأسباب معقولة اقتصاديا للقيام بالأعمال الكبيرة ، ولأن الأموال المتداولة في السوق لا تكفي للتداول فكيف إذا امسك المكتنرون قسما منها ؛ ولأن كثيرا من القادرين على العمل لا يجدون رءوس المال ،

فإن الدين ورجال الأخلاق ينظرون إليه من حيث ضرره الأخلاقي لأنه متى انتشر قسم الناس إلي عبيد وأسياد ، وكان سببا في ضياع استقلال الأمم الضعيفة

والحكومة الاستبدادية سبب في اختلال نظام الثروة ، فهي تجعل رجال السياسة والدين ومن يلحق بهم يتمتعون بحظ عظيم من مال الدولة ، مع ان عددهم لا يتجاوز الواحد في المائة ؛ وهي تخصص المال الكثير لترف المستبد وسرفه ؛

وتغدق على صنائعها ومن يستخدم لتحصيل شهواتها ومن يعينها على طغيانها ، وسائر افراد الشعب في شقاء وفقر وبؤس

والحكومات العادلة تعمل على تقريب المسافات بين أفراد الشعب ، فلا غني مفرط ولا فقر مفرط . وهذه حكومة الصين المعدودة غير متمدنة لا تجيز للشخص الواحد أن يملك اكثر من خمسة أفدنة ؛ وروسيا وضعت لبعض ولاياتها قانونا اشبه بهذا ، ومنعت سماع دعوي دين غير مسجل على فلاح ، ولم تأذن لفلاح ان يستدين أكثر من خمسمائة فرنك . وحكومات الشرق إذا لم تعالج الفروق . الكبيرة بين سادتها وعبيدها ساء مصيرها

ثم الحكومات المستبدة تيسر للسفلة طرق الغني بالسرقة والتعدي علي الحقوق العامة ، ويكفي احدهم ان يتصل بباب احد المستبدين ويتقرب من اعتابه ، ويتوسل إلي ذلك بالتملق وشهادة الزور وخدمة الشهوات والتجسس ، ليسهل له الحصول علي الثروة الطائلة من دم الشعب .

هذه صورة سينمائية لكتاب " طبائع الاستبداد " ولو انسيء في عمر " الكواكبي " حتى يري النظريات الاقتصادية الحديثة ، وتطور النظم السياسية ، والدولة الشيوعية ، وحركات العمال امام استبداد رءوس الاموال ، وعلاقة الغرب بالشرق ، وما اخترع الد كتاتوريون في أوروبا من نظريات أرغموا العلم إرغاما على ان يؤيدها ، ونحو ذلك من أوضاع ، لكان له من كل ذلك مادة خصبة يبدع فيها فوق ما أبدع

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية