الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 328الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامى فى العصر الحديث :، خير الدين باشا التونسى

Share

- 2 - تربى فى قصر الباى أحمد - وكان من حسنات الباى أن اهتم بتعليمه ليعده رجلا من رجاله ، والتعليم كله فى تونس كان مضبوطا بالصيغة الدينية ، فكان البرنامج الذى أعد له أن يتعلم القراءة والكتابة ، ويحفظ ما استطاع من القرآن ويجوده ، وشيئا من الفقه والتوحيد ، فمتقدم فى كل ما تعلمه ، وأخذ هو بعد ذلك يتوسع فى العلوم الشرعية بمخالطة العلماء والاستفادة منهم ، وعلماء اللغة والمران على الكتابة ومطالعة كتب التاريخ .

وعرف فى أوساطه بالتدين ومحافظته على أداء الشعائر وتوقير الشريعة ورجالها ، وإلى ذلك نزع إلى تعلم الفرنسية فأحسن تعلمها ، فكان يجيد العربية والفرنسية والتركية .

وحدث أن الدولة العثمانية كانت قد اتجهت إلى تنظيم شؤونها وخاصة جيوشها - كما أشرنا قبل - وكتبت إلى ولاياتها بذلك ، ومنها تونس ، فأخذ الباى أحمد ينظم جيشه ، وكتب إلى فرنسا يسألها المعونة فى ذلك ، فأرسلت إليه بعثة من الضباط الفرنسيين وعلى رأسها القومندان كامينون الذى صار فيما بعد وزيرا للحربية الفرنسية فى حكومة جاميتا .

فالتحق خير الدين بالجيش التونسى يتعلم من هذه البعثة ، ومن ذلك الحين دخل فى السلك العسكرى ، وكان هذا يوافق مزاجه الشركسى ، فكان رئيسا لفرقة من الفرسان ، وما زال يرقى حتى كان أميرا للواء الخيالة سنة ١٢٦٦ .

أفادته التربية الأولى أن يكون متدينا مثقفا مطلعا

على أحداث الماضى قريبا من نفوس العلماء وخاصة الشعب ، وأفادته التربية الثانية حب النظام وقوة الحزم وسرعة البث والصلابة فى الرأى .

ثم اضطرته الظروف بعد إلى مزاولة الأمور السياسية والانغماس فيها .

قد كان فى أيامه هذه ثلاث شخصيات مشهورة ، هى التى تدير دفة الحكم وتظهر على المسرح : الباى أحمد باشا ، ومصطفى خزنه دار ، ومحمود بن عياد .

فالباى أحمد - مولى خير الدين - وال طموح يحب رقى بلاده ، فيأخذ فى تنظيم الجيش ويشجع نشر العلم ، ويخصص المرتبات للعلماء ، ويؤسس مكتبة فخمة فى جامع الزيتونة ، ويعيد تنظيم الإدارة الحكومية على أسس حديثة بتحديد الاختصاص ، ولكن فيه إسراف وإفراط فى الترف وقلة نظر للعواقب وخضوع لبعض الظالمين الماليين من رجال دولته ، لحاجته إليهم فيما يسرف من مال ، ونقطة الضعف هذه جعلته يتغاضى عما يأتون من مفاسد خطيرة .

ومصطفى خزنه دار وزير العمالة " المالية والداخلية " رجل مغربى الأصل جاء تونس وسنه دون العشر ، فرباه أحمد باشا كما ربى خير الدين ، وارتقى فى الوظائف حتى صار وزيرا ، وهو شخصية غريبة ، لين بشوش ، لا يقول لا لمن طلب منه شيئا ولو مستحيلا ، يرضى بالوعد ظاهرا ويضمر عدم الوفاء باطنا ، عف اللسان ، " متدروش " يحافظ على الصلوات ويقرأ الأوراد ويقوم الثلث الأخير من الليل ، وهو مع ذلك شره فى جمع المال ، لا يتورع عن السرقة والغصب ومشاركة السارقين والغاصبين . تولى الوزارة نحو خمسة وثلاثين عاما أثقل فيها كاهل الشعب بالضرائب والمغانم والمظالم ، يفعل ذلك كله نهارا ويتهجد ليلا ، يختلس المال ويعمر المساجد ، بدأ حياته سمحا كريما وختمها بخيلا شحيحا ، زوج بنته من خير الدين لما تنبأ له

بمستقبل باهر ، وبسط سلطانه على الباى أحمد بحيله وأساليبه ، وغشى بصره فلم يعد يرى ظلمه وفساده ، وحارب بكل قوته من تقرب إلى الباى أو من مال إليه الباى ، حتى يضمن دوام نفوذه ؛ يحبذ للوالى كثرة الاتفاق فى الاصلاح وغير الاصلاح ، ويشجعه على الامعان فى الترف ، والافاضة فى البدل ، حتى يأسره بحاجته اليه وحتى يتخذ من كل ذلك وسائل لاستنزاف مال الشعب بعضه له وبعضه للوالى .

ومحمود بن عياد يد مصطفى خزنه دار التى يقبض بها ويسرق بها ويستغل بها ، وشريكه فى المغانم والمظالم ، وظيفته جمع الضرائب على اختلاف أنواعها ، وشراء جميع ما تحتاجه الحكومة وما يحتاجه الوالى ، وظل على هذا عشرين عاما ؛ ذكى خبيث ماهر ، يغالى فى الضرائب ويتخذ كل الحيل حتى لا تصل مظالمه إلى سمع الوالى ، فإذا وصلت احتال حتى ترفض ؛ استطاع أن يجمع من الثروة من هذه الأبواب ثمانين مليونا .

رأى من بعيد أن الشعب بدأ يعلو أنيته وأنه يوشك ان يفتضح هووشريكه ، فهربا أموالهما إلى فرنسا ، وادعى ابن عياد المرض وزعم أنه مسافر إلى باريس للتداوى ، فلما وصل اليها أعلن عدم العودة ، وطلب أن يتجنس بالجنسية الفرنسية فأجيب إلى طلبه .

ومع هذا كله فقد بلغ من " فجره " أن ادعى على الحكومة التونسية أن له مبالغ طائلة قبلها (٦٠ مليون قرش تونسي = ٤٠ مليون فرنك ) نظير مشتربات اشتراها لها لم تدفع ثمنها ، وأخذت المسألة دوراخطيرا ، إذ أصبح المدعى فرنسى الجنسية تحميه حكومة فرنسا وتطالب بحقوقه .

هنا اتجه الباى أحمد إلى خير الدين ليذهب إلى باريس ويخاصم ابن عياد ويبين فساد زعمه ، ويثبت أن عليه - لا له - ديونا يطالبه بها ، وكانت قضية هامة لو حكم فيها لابن عياد

لوقعت تونس فى الافلاس ، وزاد من خطرها ما كان تحت يده من مكاتيب ومستندات رسمية دبرها هذا الماكر تدبيرا محكما .

وظلت هذه القضية فى باريس أكثر من ثلاث سنوات من سنة ١٢٦٩-١٢٧٣ ، وخير الدين فيها يرافع ويدافع ، وابن عياد يملأ فرنسا دويا ، ويساعده على ذلك ما ينفقه عن سعة ، ويشترى الدور والأملاك فى فرنسا ، وعلى خير الدين أن يقاوم كل هذا .

وأخيرا كلفت لجنة القضايا بوزارة الخارجية الفرنسية دراسة هذا الخلاف ورفع تقرير عنه ، وشكلت لجنة تحكيم يرأسها الامبراطور نابليون الثالث ، وأصدرت حكمها وهو يقضى بتخفيض مطالب بن عياد من ستين مليون قرش إلى خمسة ملايين ، كما ألزمته بأن يدفع للحكومة التونسية ١٤ مليون قرش فى ذمته لها ، ودفع مبالغ أخرى ، فكان مكسب تونس من هذه القضية نحو ٢٤ مليون فرنك . وفوق ذلك قام خير الدين فى هذه السفرة بأعمال أخرى ، أهمها أنه لما حدثت حرب القرم ١٢٧٠-١٨٥٣ أرسل الباى أحمد لمساعدة الدولة العثمانية ١4 ألف جندى بأدواتهم الحربية وأسطولا من سبع قطع ، وهذا اثقل كاهل تونس ، فأرسل الباى إلى خير الدين بباريس مجوهرات لبيعها وفوضه فى أمر ثمنها ، فلم يقبل خير الدين هذا التفويض وظل يراجع الباى فيما يعرض من ثمن حتى أنكر عليه كثرة الاستشارة وأمره بالبيع فورا فباع .

ولم يكف ثمن هذه المجوهرات فكلفه الباى أن يعقد قرضا من فرنسا ، وكانت هذه مسألة خطيرة لم يستطع ضمير خير الدين أن يحتملها ، لاسيما وأن الباى قد أصيب بالشلل وقربت منيته ، فماطل وماطل وأخذ يبعث بالاستفهام تلو الاستفهام حتى مات الباى ولم يتم عقد القرض ، فكانت محمدة من محامده حمدها له أهل تونس والباى الجديد المشير محمد باشا ، وأنعم عليه برتبة فريق سنة ١٢٧٢ .

أفاده بقاؤه فى باريس هذه المدة اطلاعا على الدنيا الجديدة ومعرفة بنظمها واحتكاكا برجال السياسة وفهما لأغراضهم ، ووضع عينه على أسباب رقى الأمم وقارن بينها وبين تونس ، لم تأخرت وكيف ترتقى ، مما كان له أثر كبير فى حياته المستقبلية ، كما أفادته علوشأنه ، فى أمته وثقتها به وأملها فيه .

ومما يؤسف له أنه بعد هذه الفضائح كلها بقى مصطفى خزنة دار المغتصب الكبير وصهر خير الدين فى منصبه فى الوزارة .

عاد خير الدين إلى تونس فعينه الباى محمد باشا وزيرا للحربية سنة ١٢٧٣ ، وظل فى هذا المنصب إلى سنة ١٢٧٩ ؛ وفى هذه الفترة قام بإصلاحات كثيرة ، فأصلح ميناء " حلق الوادى " وهو أعظم ميناء لتونس وأمر بأن يقيد كل شىء فى وزارته ، وكان هذا النظام أول ما أدخل فى تونس .

وأنشأ مصنعا تجاريا لبناء السفن وإصلاحها ووسع الطرق ونظمها . ولكن أهم من ذلك كله أن الدولة العثمانية وولاياتها التابعة لها المرتبطة بها - ومنها تونس - مالت إلى اقتباس النظام النيابى تحت تأثير الضغط الأوربى وظهور فساد الحكم الاستبدادى ، وميل خواص الشعوب الشرقية إلى إصلاح الحال وإدخال النظم الحديثة - فكان خير الدين العقل المنظم لهذه الحركة ومن له النصيب الأكبر فى وضع القوانين لمجلس شورى منتخب .

وصدر الأمر به سنة ١٢٧٧ وانتخب أعضاء المجلس وكان خير الدين الرئيس الفعلى له بجانب وزارته للحربية .

ولكن هذا المجلس اصطدم بطائفتين لهما خطرهما : فرجال الدين لم يرضوا عنه ، لأن بعض أحكام القانون سياسية لاشرعية ، ولأن القانون يقضى بالحكم بالأغلبية وقد ترمى الأغلبية مالا يرتضى الدين . وأصحاب السلطان من الوالى ومصطفى خزنه دار لم يرضيا عنه فى باطن نفوسهما ،

لأنه يسلبهما سلطانهما ، فأراد خير الدين أن يكون السلطان الحق للمجلس ، وأرادا أن يكون المجلس ستارا شرعيا لتصرفهما وأداة طبيعية لتنفيذ أغراضهما ، أراده حقيقة ، وأراداه لعبة . أراد من كل عضو أن يقول ما يعتقد فى صدق وإخلاص وجرأة ، وأرادا من كل عضو أن يتحسس رأيهما فيعبر عنه ، فكان النزاع وكان الخصام .

عرض على المجلس رغبة شركة فرنسية بأن تقوم بمد ماء زغوان إلى قرطاجنة ثم يوصل إلى المرسى والحاضرة . وفى هذا المشروع فوائد عظيمة ، وتجادل الأعضاء فيه منهم من يحبذه لفوائده ، وبعضهم يرفضه خوفا من تغلغل النفوذ الفرنسى ورغبة منهم أن يدبر لأمر لتقوم بالمشروع الحكومة التونسية نفسها ، واشتد الجدل ومالت الأغلبية إلى الرفض ، وهنا قال الوالى : لقد وعدت قنصل فرنسا وعدا قاطعا بالموافقة على المشروع . فكان خير الدين جريئا إذ قال : فلم جمعتنا إذا لتأخذ رأينا ، وكان يكفى سماع هذا الخبر من سيادتكم ؟ .

وأرادوا أن يصرف فاضل الأوقاف على الإصلاحات العسكرية ، واستندوا إلى فتوى من أحد العلماء المالكية ، فعارض خير الدين فى هذا وأوضح وجهة نظره بأن الشؤون العسكرية لها تخصصات فى مالية الدولة ، ولا يصح أن تمتد الأيدى إلى فاضل الأوقاف إلا إذا عجزت مالية الدولة واستنفدت فى وجوهها العادلة ، أما إذا كانت تبعثر هنا وهناك ويصرف منها على الغرف والشهوات فلا يصح أن تمتد الأيدى إلى فاضل الأوقاف .

وناحية ثالثة لم يكن يرضيها النظام الشورى وإقامة العدل ، وهى الحكومة الفرنسية إذ ذاك ، لأن شمول العدل والنظام الشورى واستقرار الأمور يضيع على فرنسا مطمحها فى الاستيلاء على البلاد ، فكان ممثلو فرنسا يحرضون الباى على التلاعب بالمجلس الشورى . ولما حضر نابوليون الثالث إلى الجزائر وتوجه إليه باى تونس وقدم له نسخة

من قانون الشورى الذى وضعه ، قبلها منه بالشكر ظاهرا ، ونقدها أمام رجاله سرا وقال : إن العرب إذا استأنسوا بالعدالة والحرية لم نسترح معهم فى الجزائر . وهكذا اتجهت سياسة فرنسا فى هذه البلاد إلى التظاهر بتشجيع حركات الاصلاح والعمل سرا على إحباطها .

وهكذا كل يوم مشكلة وكل يوم نزاع ، والإصلاح مستحيل مع هؤلاء ، فاستقال وقال : " لقد حاولت أن أسير بالأمور فى طريق العدالة والنزاهة والاخلاص فذهب كل مساعى سدى ، ولم أشأ أن أخدع وطنى الذى تبنانى بتمسكى بالمناصب ، ورأيت أن الباى وعلى الأخص وزيره الرهيب العظيم الجاه مصطفى خزنه دار لا يلجآن إلى التشريعات الاصلاحية الا لتثير استيائهما تبريرا قانونيا ، قدمت استقالتى سنة ١٢٧٩ من رياسة المجلس ومن وزارة الحربية ، وعدت إلى حياتى الخاصة" .

لم يشأ أن يثور بعد اعتزاله ولا أن يكون حزبا يناضل فى سبيل تحقيق العدالة ، فذلك ما لم يتفق ومزاجه ولم تتهيأ له البلاد ثم هو تربطه بركنى الاستبداد روابط تقيد حريته ؛ فالباى مولاه ومصطفى حزنه دار صهره ، وموقف البلاد إزاء المطامع الأجنبية دقيق ؛ لهذا كله اعتزل وسالم ، ونفض يده من العمل الرسمى مع الالحاح عليه فى العودة ، ولكنه لم يقطع علاقاته الشخصية بالباى والوزير ، واستمر على هذه الحال تسع سنوات امتلأت بأمرين جديرين بالذكر : الأول سفره سفيرا من الباى إلى ألمانياوفرنساوانجلترا وإيطاليا والنمسا والسويدوهولنداوالدانيمارك وبلجيكافى مهمة خاصة ، فمكنته هذه ورحلته السابقة - كما يقول - من دراسة الأسس التى قامت عليها المدنية الغربية وبقت عليها الأمم الكبرى قوتها ونفوذها . والثانى تأليفه كتاب " قوم الممالك فى معرفة أحوال الممالك " وهو موضوع الحديث الآتى إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية