الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 331 الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامى فى العصر الحديث :، خير الدين باشا التونسى

Share

- ٥  -  بعد أن سار شوطا بعيدا فى طرق الإصلاح كانت تتجمع عناصر مختلفة تعاديه وتضع العراقيل فى سبيله وتشيع الأخبار عن خيانته وسوء قصده ، ونفسر بالشر بعض ما يأتى من الخير ، وتجسم بعض ما يرتكب من أخطاء ، ولا بد لكل مصلح من أخطاء .

فالباى ( محمد الصادق ) كان مصطفى خزنه دار الناهب السارق الخائن أحب إليه من خير الدين الزيه العادل الحازم ؛ فهذا لم يكن يعطيه من المال إلا ما تقرر له فى الميزانية ، وذاك يعطيه ما يشتهى ليأخذ لنفسه ما يشتهى ؛ وهذا حازم لا يجيز من الأمر إلا ما وافق العدالة ومصلحة الشعب ، وذاك يقبل الشفاعة والرجاء ولو على حساب العدالة ومصلحة الشعب ؛ وهذا جاد خشن الملمس ، وذاك ناعم هين لين ، والأمراء المترفون يرضهم المظهر ومن يجيب رغباتهم ، أكثر مما يرضيهم المخبر ومن يقدر التبعات .

لذلك كرهه الباى وعاداه ، ولكنه رأى تعلق الناس به فجاراه وداراه ، وخالفه سرا ووافقه جهرا .

ثم هناك أعوان مصطفى خزنه دار الدين كانوا يأكلون من فتات مائدته ، ويسرقون درهما إذا سرق ألفا ، ويكسبون بالوساطة والشفاعة ، وينهبون من الضرائب غير المضبوطة ، قد رأوا خير الدين يسد فى وجوههم الباب ويحصنه بالعدالة ويضع من النظم ما يفقرهم ليغنى الشعب - هؤلاء  الذين يعجبهم النور وإنما يعجبهم الظلام قد كرهوه أيضا وأخذوا يدسون له الدسائس وينصبون له الشباك .

وهؤلاء أيضا فئة اشترت ذممهم إيطاليا أو فرنسا ومنتهم الآماني بالمناصب والمغانم إذا هم أعانوها فى خطتها

ودبروا لها الاضطراب الذى يمكن من سلطانها ، وخلقوا الأحداث التى ترتكن عليها فى تدخلها .

وهذه فرنسا كرهت أشد الكره من خير الدين ما يقوم به من حركات لربط تونس بالدولة العلية ربطا محكما ، فهى تريد عزلتها كما يرقب الذئب انفراد الشاة عن القطيع ليفترسها ، حتى إنه فى إحدى سفرات خير الدين إلى استانبول ركب السفينة من ميناء تونس وقبل أن تقلع أعلن أن قادما أتى لزيارته ، وإذا هذا القادم هو القومندان المساعد لبارجة فرنسية كانت راسية فى الميناء فسأله هل يعتزم السفر ؟

أجاب : نعم ، فقال : إن قائده يرجو منه أن يؤخر سفره يومين أو ثلاثة حتى يتلقى القنصل التعليمات من باريس .

خير الدين : أنت رجل عسكرى مثلى تعلم أنى لا أستطيع مخالفة أمر حكومتى إلا إذا خالفت واجبى ، ولست أملك حرية الاختبار بين طاعتى للواجب ، ومجاملتى لقائدك ، وإذا فأنا راحل فى الساعة التى حددتها .

الضابط : فى هذه الحالة أحذرك وأنذرك بأن قائدي - مع الأسف - سينمعك بالقوة .

خير الدين : كان الأولى أن تبدأ مهمتك بهذا الكلام ، ولست فى منزلة تجعلنى أتلقى الأوامر من قائدك ، ولست مغيرا قرارى ، والحكومة التونسية مطلقة الحرية فى تصرفها . وسأمنحك الوقت الكافى للعودة إلى بارجتك وتبليغ قائدك ماقلت ، وستقوم الباخرة فى موعدها ، وإذا كان قائدك سينفذ تهديده فإنى أعرف كيف أقابله بالمثل وبالوسائل التى أملكها وأحمله تبعة ما يحدث .

وتحرك السفينة فى المساء وطاردتها البارجة الفرنسية ترسل الإشارات بالوعيد وتأمر بالوقوف من غير جدوى حتى الصباح ، واستمر فى طريقه ، وعادت البارجة الفرنسية

كل هذه القوى تجمعت لما كسته فى وزارته ، وانتهزت الفرصة لاتهامه بما يسقط منزلته . وربما كان أهم ما وجه إليه من تهم أمرين :

) ١ ( اتهمه خصومه السياسيون بأنه منح امتيازا لشركة فرنسية بمد خط حديدى بين تونس والجزائر ، وهو يعلم مطامع فرنسا ويعلم امتلاكها للجرائر ، فمد هذا الخط يمكنها عند ارادتها احتلال تونس أن تغزوها من الجزائر وفى ذلك خط أى خطر ، وقد أطنبوا فى هذه التهمة ، وأحكموا خطتهم وأرادوا أن يضربوا عصفورين بحجر ، فمن ناحية يسيئون سمعته عند المواطنين الوطنيين ، ومن ناحية يشوهون منزلته عند الدولة العثمانية التى تعتقد أنه رجلها يعمل لصالحها وصالح تونس يربط العلاقة الوثيقة بينهما .

وكان دفاع خير الدين وحزبه عن هذه التهمة أن لهذه المسألة تاريخا ، وهو أنه فى عهد وزارة مصطفى خزنه دار طلبت شركة انجليزية مد خط حديدى بين تونس ومينائها (( حلق الوادى )) فأجيبت إلى طلبها ، وأنشأته فعلا ثم باعته إلى شركة إيطالية ، وبعد مدة وجيزة طلبت شركة انجليزية أخرى مد خط يسير من تونس إلى داخل البلاد حتى سوق العرب ، ثم يمتد إلى (( كيف )) مركز الصناعة الزراعية فى البلاد ، وينتهى فى منتصف الطريق بين ولاية تونس وحدود الجزائر ، فمنحت الشركة الامتياز لأن الباى ومجلسه كانا متفقين على أن من مصلحة البلاد إلاكثار من مد الخطوط لتسهيل المواصلات . ولكن هذه الشركة لم تنجح فى جمع رأس المال لهذا الخط فطلبت مساهمة الحكومة بنسبة الربع فى النفقات فلم تجب إلى ذلك وطلبت مهلة بعد مهلة دون أن تبدأ فى العمل فسقط الامتياز من نفسه .

وفى وزارة خير الدين طلبت شركة فرنسية الاذن لها بمد خط بين تونس والجزائر فرفض خير الدين بحجة أن المسألة تتصل بالحدود والباب العالى وحده هو صاحب الحق - بمقتضى الفرمان - فى التصرف فى هذا الشأن ، فلا يمكنه أن يتفق مع الشركة بدون استشارته ، ورأت الشركة أن هذا يورطها ، وأقل ما فيه ان طلبها من الباب العالى ذلك

اعتراف منها بسيادته على تونس ، فعدات مطالبها وطلبت أن تحل محل الشركة الإنجليزية فى مشروعها بنفس الشروط ، وهذا يجعل الأمر فى يد الحكومة التونسية لأنه لا يصل إلى الحدود ، وعرض خير الدين اأامر على مجلس الوزراء ، فأجاب طلب الشركة .

وبعد ثمانية أشهر من اعتزاله الحكم عرضت الشركة تكملة الخط إلى حدود الجزائر فأجيبت إلى طلبها .

قال خير الدين إنه لم يسمح بمد الخط إلى الحدود ، وبأنه لو لم يسمح لفرنسا بما سمح به لانجلترا لنشأ عن ذلك مشكلة دولية لم يكن فيها موقفه قويا ، ثم إن مد الخطوط الحديدية من مصالح الدول ، ومن الخير أن تنشئها الدولة أو الأهالى وليس ذلك فى الإمكان ، فالحكومة فقيرة تبتلع أكثر ميزانيتها فوائد الديون ، والأهالى فقراء جهلاء أو أغنياء لاعلم لهم بالشركات ولا قدرة لهم على إدارتها ، فلم يبق إلا منحها للشركات الأجنبية أو عدم إنشائها بتاتا .

والحق أن مركز خير الدين فيه بعض الضعف . فتعديل الشركة مطلبها واقتصارها على جزء من الطريق يفهم منه بالبداهة أنها تريد وضع رجلها فى مركز تثب منه إلى الحدود كما حدث فعلا . فالحزم كان يقتضى المنع بتاتا ، إذ من الواضح أنها جزأت مطلبها على دفعتين بعد أن طلبته دفعة واحدة والنتيجة واحدة .

وكأنه أحس بضعف حجته هذه فحاول أن يريح ضميره بعد سقوط تونس إذ قال : (( على أن الفرنسيين عند غزوهم تونس أنزلوا قواتهم فى طبرق وبنزرت واجتازوا منهما الحدود إلى تونس دون أن يعتمدوا على السكة الحديدية المذكورة التى كانت فى بداية إنشائها )) .

كما قال إن إنشاء هذا الخط ليس هو الذى أضاع تونس ، ولا عدم إنشائه كان يحميها ، لأن مركز تونس لم يكن يحميه إلا الضمير الأوربى الذى كان يوجب المحافظة على وحدة الدولة العثمانية . وما دامت أوربا سمحت لفرنسا

بالانقضاض على فريسة هينة كتونس فخط الحديد لا يقدم ولا يؤخر .

وهذا ضرب من اليأس لا يصح أن يتسرب إلى نفس المصلح .

ونفذه بعضهم بأنه أيام وزارته الثانية جاء فرأى قوانين الشورى ملقاة ، فلم يعمل على إعادتها وإصلاح ما كان قد ظهر من عيوبها ، بل حكم البلاد حكما استبداديا وإن كان عادلا ، وهو هو الذى طالما مجد الشورى فى كتاباته وفى مقدمة كتابه ، وطالما قال إن الحاكم الذى يحكم بأمره وإن كان عادلا ليس لعدله ضمان ، إذ هوموفرت يوقته ، فكان واجبا عليه وقد ملك زمام الأمر أن يعيد الحكم النيابى ويقويه فى البلاد حتى يذيق الناس لذته ويفهموا فائدته .

وكانت حجته فى الرد عليهم أن الحكم النيابى فى المملكة الإسلامية لا يتيسر إلا بأحد أمرين رغبة الملك أو الأمير فى ذلك ، أو قوة الرأى العام وثورته المطالبة بهذا الحق رغم رغبة الملك أو الأمير ، والأمران مفقودان فى تونس ؛ فالباى يكره الحكم النيابى ولا يطيقه ، والرأى العام جاهل خاضع ، وليس يفهم مزايا الحكم النيابى إلا أفراد معدودون ليس لرأيهم قوة التنفيذ . وهب أن الباى قبل النظام النبيانى أليس فى إمكانه إلغاؤه كما حدث عند سنوح الفرصة ، ما دامت الأمة ليس فيها من يحميه ويحرص عليه ، والعالون بالأمور يرون أن حجته فى ذلك واهية ، فعند ما أسندت إليه الوزارة كان قويا وكان الباى والناس يرون فيه المنقذ الوحيد لما آلت إليه الحال ، فلو تشدد فى عدم قبوله الحكم إلا بالنظام النيابى لاضطر الباى أن يجيبه إلى مطلبه ، وفى مدته كان فى إمكانه تدعيمه حتى يألفه االناس ويطمئنوا إليه ويشعروا أنه حاجة ضرورية من حاجاتهم .

وعلى الجملة فهذا خير الدين بما له وما عليه ، حكم البلاد حكما استبداديا ولكنه عادل ، وتولى أمر البلاد وهى فوضى فى كل

ناحية من نواحيها فعالجها بحزم وضبط وقوة ، وقبض بيد من حديد على المفسدين والمتلاعبين ، ودفع البلاد إلى الأمام بأقصى ما يستطيع من قوة ، وعالج فى كياسة التيارات السياسية فى احرج أوقاتها ، ولكن كان شأنه فى ذلك شأن كل مستفيد عادل يزول فيزول بزواله كل إصلاح وترجع الأمور إلى ما كانت عليه من اضطراب وفساد .

لقد سمع الباى إلى الوشاة فصد عنه وأوسع الطريق أمام الدساسين يدسون له ويشيعون الأراجيف حوله حتى بالتناقضات ؛ ففريق يقول إنه يريد تسليم البلاد لفرنسا بدليل مسألة السكة الحديد ، وآخرون يقولون إنه يريد تسليم البلاد الدولة العلية وسلبها استقلالها بدليل مساعيه المختلفة فى هذا الطريق . وقد نصحه بعضهم فى هذا الموقف بأن يشرك معه الوزراء فى تصرفاته وتحمل المسئوليات معه ، وأن يقسم الإدارة إلى أقسام ويجعل على كل قسم رئيسا بلقب بوزير بتحمل المسئولية فى اختصاصه ولا يرجع إليه هو إلا فى الأمور الهامة ، وبذلك توزع الأعباء والمسئوليات ، ولكنه كان من الأشخاص الذين ضعفت ثقتهم بكل من حولهم وشك فى كل الرجال الذين ناصروا العهد الماضى ، ولم يؤمن إلا بالله ونفسه ، فخشى إن هو فعل ذلك أن يتلاعب من يسند إليهم العمل فيما يتولونه ويسببوا له من المشاكل أكثر مما يحلون ، فرفض هذا وظل قابضا على زمام كل الأمور .

نجحت دسائس الدساسين فباعدوا بينه وبين الوالى ، وزاد الأمر سوءا أن الدولة العثمانية كانت قد دخلت فى حرب مع الروسيا وطلب الباب العالى المعونة من الولايات ومنها تونس ، فتراخى الباى عن إجابة هذا الطلب وتحمس خير الدين ودعى الأهالى إلى التطوع فتطوعوا ، وأرسل ما تطرعوا به إلى الباب العالى ، فازداد الباى نفورا لأنه لم يكن يسره الارتباط الوثيق بين تونس والدولة العثمانية . وكان اخشى ما يخشاه الباى هياج الاهالى لعزله

لتعلقهم به وإظهار شعورهم نحوه فى المناسبات المختلفة اعترافا منهم بجميله . فلما كثرت الاشاعات حوله انتهز الباى الفرصة وأشعره بعدم رضاء عنه ، فقدم خير الدين استقالته فقبلها الباى ، وكان ذلك سنة ١٢٩٤ وأمر الباى الموظفين بتجنبه حتى خاصة أصدقائه ، وقد استأذن الوزراء الباى فى زيارة خير الدين عقب استقالته فلم يأذن لهم ، وأرصدت حول داره العيون ، فكان فى حقيقة الأمر مستقلا . ولما سئم هذا العيش استأذن فى السفر إلى أوربا لمداوة أعصابه فامتنع الباى أولا ورضى أخيرا ، ثم طلب العودة على أن يؤمن على حريته الشخصية من غير أن يتدخل فى الأمور السياسية ، فلم يرد على طلبه بقبول ولا منع ، فحضر بنفسه من غير أمان وضيق عليه أكثر مما كان .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية