قضى خير الدين - بعد اعتزاله الوزارة - أعواما سودا ، فقد كان أشبه بسجين لا يزور ولا يزار ، ولم يتجه إلى التأليف يتسلى به كما فعل فى العهد الماضى ، إذ كان فى المرة الماضية شابا آملا ، فأمسى فى هذه المرة شيخايائسا ، يرى كل ما بناه من إصلاح وما وضعه من خطط تهدم علي يد الباى وأعوانه حجرا فحجرا ، وفرنسا تتقدم للقضاء على استقلال البلاد خطوة فخطوة ، ثم إذا هو ضاق صدره مما يرى وتهدمت أعصابه مما يفكر سافر إلى أوربا يظن أن فيها سعة من ضيق ، فإذا هى ضيق من سعة ، لا يلبث حتى يشعر بالحنين إلى بلاده ، فعل هذا مرتين فكان يستشفى من داء بداء .
وأخيرا وصل إليه تلغراف من كبير الأمناء يأمره فيه بالحضور إلى الآستانة فأطلع عليه الباى فتردد فى الإذن له ، وشاور قناصل الدول فأشاروا عليه بأن يسمح له ، فسافر فى رمضان سنة ١٢٩٥ ، وكان سفرا حزينا تعطف عليه قلوب الناس ولا يتيسر لهم وداعه ، لأن الباى أمر أن لا وداع ، وترك أسرته وماله فى حماية من لا يوثق بهم فى الحماية ، وقد كان له أملاك كثيرة ، ثلاثة قصور أهداها إليه البابات المتعاقبة جزاء له على خدمته أيام رضاهم عنه ، وغابة من شجر الزيتون أهداها إليه الباى أحمد ، ومنزل كبير به مياه معدنية أهداه إليه الباى محمد ، وضيعة كبيرة منحها له الباى محمد الصادق ، وقد أراد أن يبيع كل هذه الأملاك لعزمه على الاستقرار فى الاستانة فعرضها على الحكومة التونسية فأبت شراءها ، فأمر وكيله أن يعلن الأهالى التونسيين بخصم ١٠ % من ثمنها ، فلم يتقدم أحد خوفا من الباى ورجال
حكومته ، فلما اضطر إلى بيعها للفرنسين بعد سنة من إعلانه نقدوه نقدا مرا ، وفى هذا يخطر لى قول أبى العلاء :
عنب وخمر فى الإناء وشارب
فمن الملوم : أعاصر أم حاسى ؟
وصل إلى الاستانة ، فوجد فى انتظاره سليمان باشا مدوب السلطان عبد الحميد وحمدى باشا كبير الأمناء وعلى فؤاد بك السكرتير الاول للسلطان ، وتوجه إلى قصر يلدز وقيد اسمه ، فدعى للمقابلة فى نفس المساء ، وتحدث معه السلطان طويلا ، واستبقاه للعشاء معه ليكتنه كنهه ويزنه بموازينه .
وأمر السلطان فأعد له جناح فى قصر من قصوره الكبيرة ، وأرسل سليمان باشا إلى تونس ليعود بأسرة خير الدين .
وسرعان ماعين وزير دولة ، فكان يدعى لحضور مجلس الوزراء عندما يجتمع لبحث المسائل الخطيرة ، ولم يمض شهر حتى سمع من كبير الوزراء أن السلطان يرشحه لوزارة العدل ، فرجا منه ورجا من كل من توسم فيه الجاه أن يسعى لعدم اتمام ذلك فلم يفقد شيئا ، فذهب لمقابلة السلطان نفسه وتوسل إليه أن يعفيه من ذلك فقبل رجاءه وأعفاه .
وكانت أكبر حجة له فى الاعتذار أنه لا يستطيع خدمة البلاد - وخاصة عن طريق الوزارة - إلا إذا عاش فيها زمنا طويلا عرف أهلها ودرس شؤونها وتعرف كنه أمورها ووجوه الاصلاح فيها .
هذا ما كان يقوله وأما ما يبطنه فهو أنه يرى أيضا أن الدولة العثمانية أصبحت من المرض بحيث لا يرجى لها علاج فى وضعها الحاضر ، ثم هو دائم الحنين لتونس ، إذ صارت وطنه يأنس بها ويستوحش من فراقها ، ويفضل أن يكون فردا آمنا فيها على وزير فى غيرها .
هذا الذى كان يعتذر فى إلحاح عن الوزارة يدعي إلى يلدز فى الصباح المبكر يوم ٤ ديسمبر سنة ١٨٧٨ م = ١٢٩٥ ه ويقابل السلطان فيخبره أنه عين رئيسا للوزارة ، ولما أراد أن يعتذر أبلغه أنه أمضى المرسوم ولم يعد فى الامكان إلغاؤه بحال .
هذا خير الدين صدرا أعظم فى أيام تواجه فيها الدولة العثمانية شدائد من أخطر الأمور وأشدها تعقيدا وارتباكا .
فتركيا فى حرب مع الروس ومنهزمة أمامهم ، وجيوش الروس تتقدم وتهدد العاصمة نفسها . والأسطول البريطانى فى مياه البسفور . وحالة البلاد الداخلية من مالية واقتصادية ونفسية من أسوأ الحالات ، حتى كان أصحاب المخابز يفضلون إغلاق مخابزهم على التعامل بنقود متدهورة تكاد تكون عديمة القيمة ، و ٣٨٠٠٠٠ مهاجر لا مورد لهم ولامعين يزحفون على العاصمة . ومعاهدة سان ستيفانو التى عقدت فى برلين سنة ١٨٧٨ كانت طويلة الذيول تتطلب عقد معاهدة بين تركيا وروسيا فى الأمور الخاصة بهما . وأبى الروس الجلاء عن أراضى الدولة العثمانية حتى تتم المعاهدة . وأبى الانجليز سحب أسطولهم حتى تجلو الجيوش الروسية . ومشكلة قبرص معلقة، والحالة مرتبكة مع النمسا لاحتلالها البوسنة ، ومشكلة الأرمن قائمة . فى هذا الأتون المستمر وضع خير الدين ليطفى النار . وأى قدرة تستطيع إطفاءها من غير حرائق ؟ . لقد كانت سياسته " إنقاذ ما يمكن إنقاذه " .
فبذل كل ما يستطيع من رأى وجهد حتى كان الاتفاق مع روسيا ، ووضعت ضمانات تكفل مصالح المسلمين فى بلغاريا ورومللى الشرقى ، وخفضت التعويضات الحربية تخفيضا كبيرا وانسحبت الجيوش الروسية إلى بلغاريا ورومللى ، كما انسحب الأسطول البريطانى من بحر مرمرة ، وسوى الخلاف بين تركيا والنمسا بما حفظ لتركيا كثيرا
من حقوقها . وحلت مشكلة الأرمن التى استعصت على . الحل نحو عشر سنوات الخ الخ ، وبسياسته حقا أنقذ ما يمكن إنقاذه .
وفى أيام وزارته هذه كانت مشكلة مصر الكبرى فى آخر عهد الخديو اسماعيل ، فانه لما اضطربت الحالة المالية والسياسية فى مصر عزمت انجلترا وفرنسا على التدخل فى شؤونها تدخلا آخر جديدا ، فأرسلنا إلى قنصليهما فى مصر ليطلبا من الخديو إسماعيل تنازله عن العرش لأكبر أبنائه " توفيق " فأبى اسماعيل محتجا بأن ذلك من حق الباب العالى وحده ، مؤملا أن يرفض هذا الباب العالى مطلب الدول . وزاد الأمر سوءا أن قنصلى ألمانيا والنمسا انضما فى الرأى إلى قنصلى انجلترا وفرنسا ، فكانت هذه مشكلة جديدة أمام خير الدين فى الاستانة ؛ إن هو أجاب فقد سمح للدول الأوربية بالتدخل فيما ليس من حقها ، وإن هو رفض خشى أن تتجمع هذه الدول وتصمم ، وتفعل بالقوة أكثر مما تصل إليه بالمفاوضة ، وتقطع العلاقة الباقية بين مصر والدولة العثمانية ، وتنتهز الفرصة السانحة فتلتهم إحداهما مصر والآخرى تونس الخ .
حار خير الدين طويلا بين الرأيين هو ووزاؤه وسلطانه ، وأخيرا كان من رأيه أن يطاطىء الرأس قليلا أمام العاصفة ، ويشير على السلطان بخلع اسماعيل ، ولكن يجب أن يعمل شيئا آخر مع هذا وهو أن يتلافى الأسباب التى جرت إلى هذا التدخل الأجنبى ، فيسلب بعض الحقوق التى أعطيت لخديوني مصر ، كالاستدانة وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية فينتهز فرصة عزل اسماعيل لتعديل فرمان مصر . ولكن أبت انجلترا وفرنسا ذلك لأن هذا يزيد فى تبعية مصر للدولة العثمانية ، ومن مصلحتهما أن تكون حقوق مصر أوسع وسلطتها أكبر للأيلولة المنتظرة .
وصدر الأمر بعزل اسماعيل وكثر الأخذ والرد فى مسألة تعديل الفرمان حتى خرج خير الدين من الوزارة ،
فأجابت الوزارة التى وليتها مطالب الدول فى إصدار الفرمان المعتاد مع بعض التعديلات .
ثمانية أشهر قضاها رئيس وزارة كانت أعباؤها تساوى ثمانين عاما . ولولا ما عهد إليه من حل المشاكل ما بقى هذه الأشهر الثمانية ، ففيه من الصفات مالا يتفق ومزاج السلطان عبد الحميد : حر الفكر ، واسع النظر ، متحمس فى تحقيق الإصلاح ، مرهف الحس فى العدالة وما يتعلق بها ، يرى انه وقد عين رئيسا للوزراء يجب أن يتحمل المسئولية ، فيصرف الأموركما يرى هو وزملاؤه ليتحمل نتائج رأيه ؛ فأما أن يأمره السلطان ويتحمل هو المسئولية فليس حقا ولا عدلا ، السلطان يريده عبدا مأمورا ، وهو يريد نفسه حرا مسئولا ؛ لهذا نفر منه السلطان كما نفر منه الباى من قبل .
*وتألب عليه أيضا رجال الدين إذ كره منهم ضيق عقلهم وتعرضهم لما ليس من شانهم وتدخلهم فى أمور من السياسة لا يحسنونها ، و كرهوا هم منه الوقوف أمامهم وضغطه عليهم .
لكل هذا عزل خير الدين بعد ثمانية أشهر فى قسوة ، وما كان أقرب المأتم من العرس ، وأدرك عبد الحميد أن قد خابت فراسته فيه ، وظل بعد ذلك نحو عشر سنين فى مقاعد النظارة ولا يمثل على المسرح شيئا . وكل ما يرى مآس لا ملهاة فيها .
ومات وهو فى الآستانة فى سنة ١٨٨٩ - ١٣٠٧ عن نحو سبعين عاما ودفن فى جامع أيوب وخلف تاريخ فى الإصلاح حافلا ، وكفاحا للفساد طويلا ، وذنبه أنه لم يجد مواتيا من الشعب ولا مؤازرا من السلطان .
لقد كان مصلحا اجتماعيا وسياسيا من جنس مدحت باشا ، غير أن الفرق بينهما كالفرق بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده ؛ فمدحت يصلح فإن عجز عن الإصلاح ثار ودبر الانقلاب ، وخير الدين يصلح فإن عجز عن افصلاح رفع يديه إلى السماء وقال : " اللهم إنى قد بلغت " وكانت فضائله التى تكون شخصيته الجرأة فى قول
الحق وعمله من غير خوف ، وصلابته فيما يعتقده من غير انحناء ، وحريته فى تفكيره من غير جمود ، وقوة كواهله على حمل الأعباء من غير تبرم . فرحمه الله .
(تم البحث)

