الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 259الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامى فى القرن التاسع عشر :، مدحت باشا، ، ١٢٣٨ -١٣٠١ ه، ١٨٢٢ - ١٨٨٣ م

Share

وهذا مصلح آخر من جنس آخر ؛ محمد بن عبد الوهاب مصلح دينى ، وهذا مصلح اجتماعى ؛ ذاك فى نجد ، وهذا فى استنبول ؛ ذاك لا شأن له بالسياسة ولا بالمدنية الحديثة ، وإنما همه إصلاح العقيدة ؛ وهذا منغمس فى السياسة لا مشكلة أمامه غيرها ؛ ذلك برنامج إصلاحه الرجوع إلى عهد الرسول ( ص ) وصحابته لنعتقد كما يعتقدون ، ونعمل ما يعملون ، ونترك ما يتركون ؛ وهذا يرى الإصلاح فى الرجوع إلى المدنية الحاضرة ومناهجها فى الأمم الحية لنختار منها ما يصلح لنا ويتفق ومواقفنا ، دارسين فى إمعان كيف شق الأوربيون طريقهم إلى الحياة الاجتماعية والسياسية ، وكيف تعثروا وكيف نهضوا ، فنتعلم من خطئهم وصوابهم ، ونقتبس خير ما أنتجته عقولهم .

لقد ولد فى عهد السلطان محمود ، ونضج شبابه فى عهد السلطان عبد المجيد ، وبدأت كهولته فى عصر عبد العزيز ، وتمت فى عهد عبد الحميد .

جاء والدنيا مدبرة عن الدولة العثمانية ، وحركة الجزر تلى حركة المد ، والمملكة تنقص من أطرافها ، ويدب الفساد فى داخلها .

يقع الظلم على سكانها المسلمين والنصارى على السواء ، ولكن المسلمين ينادون بالإصلاح فى هدوء وإشفاق ،

والنصارى من ورائهم أمم تحميهم وتتخذ ظلمهم وسيلة للتدخل فى شؤون الدولة بدعوى حمايتهم ، والعمل على تحريرهم ، فأصبحت الدولة وكل يوم تقتطع منها ممالك ، وكل يوم تعقد معاهدات تنقص حقوقها تفرض عليها بالتهديد والوعيد .

حكام فى كل ولاية ، يحكمون البلاد بعقول ضيقة وشهوات واسعة ، فخفخة فى المظهر ، وسخف فى المخبر ؛ لا يقيدهم قانون ، ولا يردعهم عدل ، ولا يرون للشعوب حقا إلا أن تؤمر فتطيع ، وتنتهب فتصبر ؛ بل لا يكفيهم الصبر على المصيبة وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم فى ظلمهم وطريقة حكمهم ، فمن امتعض من ذلك فهو ثائر ، ومن شكا فهو كافر ، فأورث ذلك الهجرة عند من احتفظ بإبائه . والذل والهوان عند من لصق بأرضه .

لا عناية بصحة ولا تعليم ، فالأمراض فاشية ، والجهل عميم ، والمسلمون فى ذلك أسوأ حالا من المسيحيين ، لأن الجمعيات المسيحية فى الأمم الغربية تعين مسيحيى الشرق بفتح المدارس لهم ، ونشر التعليم بينهم ، والمسلمون حائرون بين إقدام على التعلم فى هذه المدارس مع التعرض لما يمس دينهم ، وبين الاحتفاظ بدينهم ومعه الاحتفاظ بجهلهم .

والفقر ضارب أطنابه بين الشعوب لضعف وجوه الاستغلال ، فلا زراعة صالحة ، ولا صناعة ناجحة ، فهذه كلها تدار بيد أضعفها الفقر ، وعقل أضره الجهل ، وعقيدة أفسدها التخريف ؛ ثم عدم اكتراث الناس لما ينتج إذ ليس بحميه العدل .

الجنود فى الدولة لا تزال قوية شجاعة على رغم كل ذلك ، تحتقر الموت وتستعذبه ؛ وحالتها المعنوية عالية رفيعة ، ولكن لا نظام لها على النمط الحديث ، ولا نظام فى التموين بالآلات والعدد والغذاء ؛ فإن انتصروا فى

بعض المواقع فبفضل قوة إيمانهم ، وسمو روحهم ، وعلى الرغم من سوء تغذيتهم ، وضعف همتهم ؛ وتلك حال لا تبشر بخير دائم . والأمم الحية حولهم كل يوم تعد جديدا من الآلات ، وتستكمل نقصا فى النظام ، وتتخذ الأساليب الخفية والظاهرة فى الظفر بالأعداء ؛ فكيف ينفع بقاء القديم وسير الأمور فى مجراها العتيق ؟

وهذه الدول من حولها أحست بضعفها ، وشعرت بدنو أجلها ، فهى كل يوم تنصب الشباك حولها ، وتتقن صنعها فى دقة ومهارة ، ولكل دولة أساليبها فى الحيائل ، وطرقها فى الصيد ، وكل دولة تصطنع من الدولة رجالا هم عيونها وعدتها ووساقها .

والملكة خليط من عناصر مختلفة يختلف جنسها وتختلف لغتها ، ويختلف دينها ، ولكل عنصر هوى . ولكل جنس أسباب متصلة بأمم أخرى تستهويها وتستنجدها .

فلا المثالية صالحة ، ولا الإدارة صالحة ، ولا الجيش صالح ، ولا الأمة متحدة النوازع والآمال والآلام .

وزاد الأمر سوءا أن السلطان عبد العزيز جاء ناقما على الحالة التى وصلت إليها الأمة ، وانتقد أخاه عبد المجيد فى تصرفاته ، وفى إسرافه فى شهواته ، وفى تبذيره المال ، وعدم نظره إلى شؤون الدولة كما ينظر إلى نفسه ، فأعلن أنه آت لإصلاح المفاسد ، والأخذ بيد الشعب ، والاقتصار على زوجة واحدة ، والاقتصاد فى نفقات الحريم ، ولكن سرعان ما تبددت هذه الوعود ، وخطا فى سبل البذخ والترف والنعيم والإسراف أضعاف ما كان ينتقده من أخيه . وارتكب فى عهده غلطتين كبيرتين : استفزازه عواطف رعاياه المسلمين فى أنهم أولى بالتفضيل فى مزايا الدولة فى المعاملة والمناصب ونحو ذلك ، وأن ليس يصح أن يساويهم رعاياه المسيحيون فى ذلك ، فأوقد بذلك شعور البغضاء

والحقد وحب الانتقام بين عنصرى الأمة الواحدة ، ومهد الطريق للدول الأوربية للتدخل فى حماية أهل دينها .

والغلطة الثانية : وقوعه فى الدين من المصارف الأجنبية لقلة دخل الدولة وكثرة إسرافه . نعم إن بعض هذا المال أنفق فى إصلاح الجند والبحرية ، ولكن كثيرا منه أنفق فى بناء قصوره العديدة الفخمة وما تحوى من أسباب الترف والنعيم ] مع أنه لما أراد سعيد باشا والى مصر الاستدانة بعث إليه بكتاب طويل مملوء بكل الحجج التى يمكن أن تقال فى سوء عاقبة الاستقراض وضرره بالممالك [ فكان هذا أيضا وسيلة أخرى من وسائل التدخل الأجنبى ؛ هذا إلى اعتداده بنفسه ، واستبداده برأيه ، وتركيز أعمال الحكومة كلها فى شخصه ؛ فهو مرجع كل شئ لا يسمع نصيحة ناصح ، ولا رأى مجرب ، ويخشى الذكاء والعلم والثقافة الواسعة ومعرفة بواطن الأمور ، لأنها كلها تؤدى إلى مراقبة أعماله ، ومحاسبته على إسرافه .

وجاء السلطان عبد الحميد فزاد فى الطنبور نقمة بل نقمات ؛ لقد لعب خوفه على شخصه يرأسه ، وقد سمع من التاريخ أن كثيرا من أجداده خلعوا أو قتلوا ، وهذا بالأمس القريب عبد العزيز خلع وقيل قتل ، فليحذر أن يمثل به هذا الدور ؛ ثم ذكاء نادر ، ومال كثير وسلطان كبير ، كل هذا يوجه للمحافظة على شخصه أن يمس بسوء ، فلا ذكر الله والأمة فى الصحف والمجلات ، بل تذكر (( الذات الشاهانية )) متوجه بالألقاب الضخمة الفخمة ، فهو السلطان الأعظم والخاقان الأفخم ، وسلطان البرين والبحرين ، وإمام الحرمين الشريفين ، وهو ظل الله فى أرضه ، المحفوف بألطافه الصمدانية ، وعنايته الربانية .

ويصادر الكتاب إذا كان فيه (( الأئمة من قريش )) ، وتمنع (( العقائد النسقية )) من الطبع لأن فيها فصلا فى الإمامة وشروط الخلافة ؛ وكل كتاب يطبع فى الشام أو العراق

أو الآستانة لابد له من (( رخصة جليلة )) ؛ ويجمع كتاب كان يدرس فى (( مكتب الحقوق )) ويحرق لأنه وردت فيه جملة مضمونها أنه إذا اختلت دولة من الدول يكون للدولة المجاورة الحق فى طلب إصلاحها .

وخطيب الجمعة يتحرى الحديث الذى يذكره فى الخطبة فلا يكون مما ينهى عن ظلم ، ولا مما يشير إلى حق رعية على راع ولا نحو ذلك ؛ ولذلك يغلب أن يكون الحديث (( إن الله جميل يحب الجمال )) .

والجواسيس لا عداد لها ، والجاسوسية سبيل الارتقاء ، وعشرة آلاف جندى يقفون للمحافظة على حياة السلطان ، وإظهار أبهته وجلاله إذا خرج للصلاة يوم الجمعة . والقصر مملوء بالمشعوذين والدجالين من المشايخ ، يختلقون رؤيا يزعمون أنهم رأوها ، أو يفسرون حلما ، أو يوقعون بمن يقف فى سبيل دجلهم ، والأمور تدار والمشاكل السياسية تحل بمثل هذه الرؤى ، وآراء هؤلاء الطغام .

فى هذه الأجواء عاش مدحت باشا وكافح وجاهد حتى مات .

ما أشق الإصلاح على من يعمل فيها ! فأنفاسه معدودة عليه ، وحركاته وسكناته تسجلها الجواسيس ، وهم لا يكتفون بما يعمل بل يزيدون عليه مالم يعمل، ويؤولون ما يصدر عنه تأويلا يزيد فى ربحهم وقربهم . يخلص فى عمله فيقال إنه يرمى إلى أخطر غاية ، ويعزل من عمله فيقال إنه يدبر المكايد ، ويبعد لعمل خارج العاصمة فيقال إنه يسعى للاستقلال بولايته ، ويعمل للدستور فيقال إنه يريدها جمهورية ؛ وهكذا وهكذا ، فى كل خطوة عقبة ، وفى كل فكرة وساوس ، وفى كل حركة دسائس ، وليس يحتمل مثل هذا إلا أولو العزم الذين يدأبون مهما عذبوا ، ويعملون مهما اضطهدوا ، عقيدة تتملكهم أنهم ليسوا ملكا

لأنفسهم ولا لأسرتهم ، إنما هم ملك لفكرة استحوذت عليهم ، ومبدأ غمر مشاعرهم ؛ أما غيرهم فسرعان ما يعودون من منتصف الطريق سائلين الله السلامة ، مكتفين بأول عذاب نالهم ليستريح ضميرهم ، ويلقوا التبعة على غيرهم . وكان مدحت من هؤلاء الذين فى خلقهم حمية ، وفى طبعهم تحد للشر ، وثبات على الجهاد ، وجلد على تحمل الألم حتى بلفظ آخر أنفاسه وعار عليه أن يتأوه .

ولد مدحت فى استانبول ؛ وكان أبوه (( الحاج حافظ محمد أشرف )) عالما دينيا تولى بعض أيامه القضاء الشرعى فى بعض الولايات ، فأنشأه أبوه تنشئة دينية ، فحفظه القرآن وهو فى العاشرة ، ولقب بالحافظ وهو لقب لكل من يحفظ القرآن من الأتراك ، فكان اسمه الحافظ أحمد شفيق ؛ أما مدحت الذى غلب عليه فهو اسم ديوانى . والتحق بالديوان الهمايونى يتعلم الخط الديوانى ، وتنقل مع والده فى الولايات التى تولى فيها القضاء يتعلم فى مكاتبها ؛ حتى إذا عاد والده إلى الآستانة ألحقه بأحد أقلام الحكومة يساعد الكتبة ويتعلم منهم بعض الوقت والبعض الآخر يقضيه فى جامع الفاتح ، وكانت فيه حلقات الدروس تشبه حلقات الأزهر ، لكل شيخ حلقته وتلاميذه . فكان يتعلم هناك اللغة العربية والفارسية والدروس الدينية والنحو والمنطق والفقه والبلاغة والفلسفة التى كانت تسمى الحكمة ؛ وظل على هذه الحال إلى أن ناهز العشرين ، تلميذا فى دواوين الحكومة وتلميذا فى جامع الفاتح .

وهى ثقافة - كما ترى - ضعيفة ، فلا تاريخ ولا جغرافيا ولا رياضة ولا لغة أجنبية ، ولكن قد يعلم الزمن العقل المستعد أكثر مما تعلمه المدارس النظامية والبرامج الثقافية ، ولذلك نراه يشعر بنقصه الثقافى إذا كبر فيطالع بنفسه الكتب ، ولما جاوز الخامسة والثلاثين رأى الحاجة

الثقافية والسياسية ملحة إلى تعلم لغة أجنبية ، فتعلم اللغة الفرنسية ، فكان يدرسها وهو يشتغل فى ( وظيفته ) .

وشىء آخر أفاده فائدة كبرى فى ثقافته العملية ، وهو سياحته فى أوروبا لدرس النظم السياسية والاجتماعية التى أصلحت من شأنها ، وعالجت بها أمثال المفاسد التى تعانيها تركيا ؛ فحصل على رخصة للسفر سنة ١٢٧٤ وسنه إذ ذاك نحو ست وثلاثين ، فأنفق فى سياحته هذه نحو ستة أشهر فزار فيها باريس ، ولندن ، وفينا ، وبلجيكا ؛ وكانت زيارته زيارة درس واستطلاع ، كيف تنظم الدول ماليتها ، وكيف تسوس أمورها ، وما نظام الحكم ، وما علاقة شعوبها بملوكها ، وما أهم وسائل العمران عندهم ، إلى غير ذلك من الأسئلة التى ملأت ذهنه ؛ وأراد أن يتطلب الإجابة عنها من كل مملكة زارها - وفى الوقت عينه أراد من سياحته أن يتقن اللغة الفرنسية التى تعلمها على كبر؛ فتم له ما أراد لعقله المتفتح وهمته العالية ، واستقامته التى أخذها عن دينه .

ولذلك كان مزيجا غريبا ، محافظة على الصلاة وسبحة ومعرفة بشؤون الدنيا ، وإطلاع واسع على تيارات العالم وأسس المدنية الحديثة ، ودروشة ويقظة .

أول ما لفت الأنظار إليه فى تركيا أنه شب صريحا لا يتقن فن المجاملة ، حادا لا يكظم غيظه ، حارا فى تنفيذ ما رأى فى وسط بارد بطئ ، مخلص لفكرته ، على حين أن كثيرا ممن حوله إنما يخلص لشخصه . تربى فى مدرسة كبرلى باشا ورشيد باشا وعالى باشا ، وتعلم منهم القوة والتصميم، والقدرة على التنفيذ ؛ فلما خلفهم من لا يملأ  كراسيهم اصطدم بهم . تولى محمد باشا القبرصلى (( صدرا أعظم )) ، وكان بينه وبين مدحت إحن وأحقاد ، واندلع لهيب الثورة إذ ذاك فى البلقان ، واحتاجت إلى رجل شديد ، فرماها القبرصلى باشا بمدحت ، لعله يفشل أو يقتل فيستريح منه ،

وإن نجح فلا بأس ، فأقل ما فيها أنه أبعده عن وجهه ؛ فسافر مدحت ومعه قوة عسكرية ، وقضى ستة أشهر فى قمم الجبال ومغاورها يقبض على أشقيائها ، وأثبت إدانة أربعة منهم وأعدمهم ، وحبس ثمانين أرسلهم إلى الآستانة ، وهدأت الفتنة ووضع مشروع الإصلاح ، فكان ذلك مما لفت الأنظار إلى قوته وحزمه .

كما لفت الأنظار إلى حسن إدارته عند ما عين واليا فى الصرب وبلغاريا ، وقضى فيها أربع سنوات كان فيها مجددا حقا ، يختلف عن سائر الولاة العثمانيين ، بث المدارس فى أنحاء الولاية والمستشفيات ، وأصلح من الطرق نحو ألفى ميل ، وبنى نحو ١٤٠٠ جسر ، فإذا أعوزه المال الرسمى حض الأهالى على التبرع بعد ما لمسوا قيمة الإصلاح فى تحسين حالهم ؛ وأهم ما تمتاز به إدارته مما كان جديدا فى نظر العثمانيين عدم تفرقته فى سياسته وإدارته ، وعدله بين مسلم ومسيحى ، ثم شدته المتناهية على العصاة ومثيرى الدسائس ، ومعاقبته لهم بما يؤمنن البرىء ، ويردع المسىء ؛ فأصبحت بفضله هذه المقاطعة على فقرها وكثرة فتنها مضرب المثل فى الغنى والأمن أيام حكمه من غير أن يكلف الدولة مالا .

كل هذا كان إرهاصا بما سيكون إذا أسندت إليه شؤون الدولة ، وهو موضوع الحديث الآتى إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية