الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 262الرجوع إلى "الثقافة"

زعماء الاصلاح الاسلامى في القرن التاسع عشر :، ٣ - مدحت باشا

Share

هذا مدحت باشا في مزرعته - يفكر ، كل محاولته في الإصلاح ضاعت سدي لصلابة السلطان عبد العزيز الذي يأبي أن يسمع كلمة " الشوري ، والدستور ، والعدل ، والحرية ، والأمة " وكل من نطق بهذه الكلمات كان عرضة للنفي والتشريد والقتل والعزل كما حدث له .

" إن السبب الوحيد لتذمر المسيحيين في الدولة هو فقدانهم الحرية ، فمتى منحوها عطفوا على الدولة وشعروا أنهم جزء منها .

وسبب ضعف المسلمين هو فقدان الحرية ، فمتى شعروا بحريتهم أقدموا على عملهم ونشطوا ، وكسبوا ، وتعلموا ، واستخدموا ذكاءهم ومواهبهم لإسعاد أنفسهم وأسرتهم وهيئتهم الاجتماعية

وفقدان الجميع الحرية بملؤهم خوفا ، ويفقدهم رجولتهم ويخلقهم بأخلاق العبيد : من ذلة وضعة ، وعدم الالتفات إلا إلى المأكل واللبس ينالونه من أخس الطرق . وليس الذي وقعنا فيه من طبيعة الإسلام في شئ ، فالإسلام يسوي بين الغني والفقير في الحقوق والواجبات ، وبين الوزير وراعي الغنم ، ويحمل أمرهم بينهم شوري ؛ وهذا السلطان يكره كلمة الشوري كما يكره الموت . والإسلام جعل من أهم قواعده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا السلطان لا يسمح لأحد أن يأمر بمعروف ولا أن ينهي عن منكر .

إن الشوري الإسلامية نظمت في العصر الحديث بما يسميه الأوروبيون البرلمان ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشكل في المدينة الحديثة بحرية الصحف في النقد ، وحرية الأفراد والجماعات في التأليف وإبداء الآراء في صراحة ، يستحسنون ما يرون ، ويستنكرون ما يرون ،

ويخطبون كما يشاءون . فلا أحد معصوم ، ولا الحكومة معصومة ؛ ولا الوالى معصوم وإنما الذي يقومهم ويخيفهم  ويلزمهم الجادة يقظة الرأي العام وحريته في النقد ، وهذا هو ما سمي في القرآن : بالتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر . كل هذا واضح وجلى ولابد منه ، ولكن إرادة السلطان عبد العزيز هي الصخرة التى تتكسر عندها كل هذه الآراء .

أرض الدولة العثمانية أخصب أرض في العالم ، وهي مع ذلك أفقر أرض لهجرة كثير من أهلها بالظلم ، وإتقال كاهل من بقي بالضرائب ، ولا شركات ، ولا مصانع ؛ فالقطن كثير في البلاد ، ومع هذا فالأقمشة القطنية تجلب من أوروبا ، حتى الطرابيش التي نضعها على رءوسنا ، وعلب الكبريت التي نشعل به نيراننا نجلبه من الخارج . وكل المواد الاساسية متوفرة عندنا ؛ ولكن لا عدل ، ولا أمن على المال ، فلا شركات ولا صناعات ، ولا يتأنى العدل إلا بالقوانين العادلة ، والمحاكم العادلة ، وهذه لا تكون إلا بالحرية ، أي الدستور كل من جاهر بالإصلاح أبعد ! ففؤاد باشا مات محتقرا مبينا ، وعالي باشا دست له الدسائس حتى عزل من مناصبه ، وهما ما هما في الكفاية والإستقامة ؛ وإنما يقرب أمثال محمود نديم الشر ، الجاهل الذي يقدم مال الدولة للسلطان ، ثم ينتهب لنفسه ما نالته يده

رحم الله فؤاد باشا وعالي باشا فقد رأيا أن السلطان لا يسمع لقولهما في الإصلاح ، ففكرا في حيلة لطيفة أن بشوقا السلطان لزيارة أوروبا ، وينتهز فرصة زيارته للعواصم الأوروبية فبينا له ما وصلت إليه من النظام والتقدم ، وبشعراء من طرف خفي بأن سبب هذا كله حسن الإدارة وصلاحية الحكم ، لعله إذا عاد تحفزت نفسه لحسن التقليد فأصغى إلي المصلحين وشجعهم على الإصلاح ، وسار في أموره غير سيرته ، والتفت إلى رعيته ؛ ولكن خاب فألهما فقد عاد أشد إسرافا ، وأكثر تبذيرا في ملذاته . عاد ووعد ثم أخلف ما وعد ؛ وكل ما فعل أن حقد عليهما لأنهما أشارا

عليه بانتخاب مجلس في كل ولاية يجدد كل سنة لمشاركة الوالي في أعماله ، ويذل النصح له ، فرأي أنها فكرة شيطانية يراد منها التدرج إلي البرلمان او الدستور ، ذلك الشبح المخيف . وكل ما جنته البلاد من هذه الرحلة إنشاؤه مصانع ومتاجر باسم خزانته الخاصة لا باسم الشعب . ثم هذا السلطان يستدين ويستدين ؛ فقد كانت ديون الدولة في آخر أيام السلطان عبد المجيد ٢٥ مليون ليرة فبلغت بعد ١٢ سنة بفضل عبد العزيز ٢٥٠ مليون ليرة ، فما مصير الدولة إذا استمر الحال على هذا المنوال ؟ ! يظهر ان لا أمل في الإصلاح مع وجود ؟ عبدالعزيز ، بل لا أمل حتى ولو أصدر لوائح الإصلاح ، وأوامر إنشاء القوانين للمحاكم والنظم للمدارس ، فقد جربناه فرايناه يطأطي للعاصفة حتى تمر ، فإذا مرت عاد سيرته الأولى ، وحصل ما عقد ونقض ما أبرم .

لم يبقى إلا أمر واحد ، وهو تهيئة النفوس لعزله ، ووضع الخطط المحكمة لإنزاله عن عرشه ؛ ومع الأسف لا يمكن ان يتم ذلك إلا بالجيش ، وفي هذا خطورته ، ولكن قد تعلمت في جامع الفاتح أن الضرورات تبيح المحظورات . فإذا تمت الأمور وعزل عبد العزيز ، وأقيم مكانه سلطان جديد أقامته الأمة بقوتها ، وأعلن يوم توليته الدستور ، شعر بأن الأمر بيد الأمة فأطاعها ، وأنه مدين لعرشه بالدستور فاحترم وسارت الأمور سيرا حسنا : دستور نافذ ، وسلطان مطيع ، وبدأنا حياة جديد كلها خير على الأمة ، وسرنا في الطريق الذي سارت فيه الأمم الحية تأخذ محاسنهم ، ونتجنب أخطاءهم ، فاذا الحياة سعيدة ، والعدل شامل ، والدستور حام ، فلنسر على بركة الله

هكذا فكر مدحت ، وهو يشرف على الإصلاح في مزرعته ، والفؤوس تضرب في الأرض ، والنواهير تبكي بدموع غزار !

سارت الأمور أول الأمر كما فكر تماما . فها هو مدير الحركة ويتصل بالشبان والشيوخ الذين سئموا هذه

الحال ويتفق معه في الرأي حسين عوني باشا ( سر عسكر الدولة ) ، وهما يتصلان بناظر البحرية وشيخ الإسلام ، ويتفق الجميع على خلع عبد العزيز في يوم معين . حتى إذا جاء اليوم أتى الأسطول فرسا أمام سراي طولمة بفجة ، واجتمعت العساكر فأحاطت بالقصر ، ودخل على السلطان من أبلغه خير العزل ، فاستخف بهذا الخبر فأشهدوه العساكر والأساطيل والحموع المحتشدة فاستسلم ، وانزلوه من السراي ، ووضعوه في قصر والدته ومعه تلثمائة أنثى بين زوجات وجوار مملوكات ووصيفات وخادمات ؟ واختصروا حاشيته فاستغنوا عن ١٢٠٠ سائس و ١٠٠٠ طينكار ( حامل طبليات الطعام ) و ٦٠٠ قواربي وأمثالهم من الخدم ، وقطعت مرتباتهم للضائقة المالية التي حلت بالدولة . وبعد بضعة أيام وجد السلطان مقتولا ، فقيل إنه قتل ، ويري الأكثرون ، ويقرر الأطباء العديدون ويؤكد ذلك مدحت ، أن السلطان أخذته العزة فقطع شريانا من ذراعه بمقراض فمات من ذلك .

ومهما كان فقد بويع السلطان مراد ، فلم تمض عليه أيام حتى ظهر جنونه واختلط عقله ، فولي السلطان عبد الحميد بعد ثلاثة أشهر ، وحمل عبء ، هذه الأحداث الفظيعة والربكة الشنيعة ؛ وهو في ـثناء مرض السلطان مراد يجتمع بأعوانه ويدرس قوانين أوروبا ونظمها ويختار أنسبها .

وكان في ذلك يضع إحدي عينيه على النظم الأوروبية والأخري علي حالة الدولة ، فما كل ما يصلح لأوربا يصلح لها ، وفي ذلك يقول : " إن أخذ القانون من أوروبا ووضعه لنا لأنه أفادهم بشبه أخذ آلة من الآلات عندهم للنسيج وجلبها إلى بلادنا وليس عندنا فرد بقدر على إدارتها والاستفادة من سرعتها .

" وفضلا عن ذلك فكثير من القوانين لا يوافق كل الولايات في دولتنا ؛ فالقانون الذي يوافق ولايات حلب وسوريا وبغداد لا يوافق ولايات بروسه وازمير وأدرنه ؟ وقد يكون القانون في بعض الولايات عدلا ، وفي بعضها

ظلما ، فيجب النظر إلى هذه المسألة عند تغيير القوانين

" وإن مسألة استقلال المحاكم ، وأصول جبابة الأموال ، وقوانين الإدارة وغيرها من القوانين والنظامات ، قد استعملها الإفرنج فأفادتهم بسبب وفي الأهالي ومدنيتهم ؛ فقانون الأراضي مثلا يقضي علينا بتعيين المهندسين ، ومعرفة مقادير أراضى بلادنا وأصحابها ووضع الضرائب اللازمة ، وهذا لا يتم بواسطة كاتب واحد يتقاضى ١٥٠ قرشا في الشهر ، فالإفرنج يعينون لكل قرية لحجانا ومهندسين تمسحون الأراضي ويقدرون الضرائب ، ونحن لا نعرف لليوم عدد سكان بلادنا ولا مقدار أراضينا

" فيجب تدريب الرجال وإلقاء أزمة الأمور إليهم بالتدريج . كما يجب تخصيص الأعمال لكل طائفة ؛ ففي أوروبا المالية اختصاصها ، وللحربية اختصاصها ، وكذلك للداخلية والعدل ، أما عندنا فالأمور كلها منوطة بالوالي

وهكذا عكف هو وأعوانه على هذا الإصلاح الذي يتلخص في اختيار خير النظم الأوروبية واختيار اوفقها لحالة الدولة الاجتماعية ، والأخذ بيدها تدريجيا كما ألفت خطوة انتقل بها إلي ما بعدها

وبعد القانون الأساسي للدولة ويرتب نظام مجلس المبعوثان فما ولي السلطان عبد الحميد حتى كان ذلك كله معدا ، وتولى مدحت باشا الصدارة . وبعد أربعة أيام من صدارته بادر السلطان إلى إقرار القوانين ، وأعلن الدستور المؤسس على الشوري ، والمؤسس على اشتراك جميع الرعايا في شؤون تحسين الدولة من غير تفرقة بين منصر ودين ؛ ونظم للدولة مجلسان : مجلس ينتخب من الأهالي ويسمى بمجلس المبعوثان ، ومجلس تعين الدولة أعضاء . ويسمى مجلس الأعيان . وتلى هذا الدستور المشتمل على ١١٩ مادة بالأستانة في محفل عام ( ١٤ من ذي الحجة سنة ١٢٩٣ ه)، وأمر بأن يكون العمل بمقتضاه في جميع أنحاء المملكة العثمانية ، وأطلقت المدافع من القلاع البرية والبحرية ، واستبشر الناس خيرا ، وأقيمت الأفراح والليالي الملاح . وكان يتضمن

هذا الدستور حقوق الدولة وواجبات الوزراء ورجال الإدارة ، واختصاص كل مجلس من المجلسين ، وتنظيم المحاكم والديوان العالي والمالية الخ ، وكل الدلائل تبشر بالخير . هذا مدحت أو الدستور رئيس الوزارة ، وهذا السلطان عبد الحميد أتى بإرادة الأمة وهو مدين لها بجلوسه على العرش ، مدحت يؤيده ، وهو يؤيد مدحت ، والكل يخضع للنظام والحكم الديمقراطي ، فماذا ينتظر بعد ذلك إلا الخير !

هكذا قال الناس ، وهكذا قال مدحت . لعله أخطأ إذ بالغ في التفاؤل أكثر مما يلزم ، وكذلك أكثر عطاء الرجال تسحرهم الفكرة ، وبتعب بابهم المبدأ فلا يرون منه إلا الدواحي البراقة ، كالفنان يري في شجره الوردة أزهارها ولا ري اشواكها . استخف بقوة الرجعيين ، ولم يعرف لطهارتة أساليب دسائسهم ، واقتنع بالبسمة على وجوههم ، ولم ينفذ منها إلى النيل في اهماق صدورهم ، ولم يقدر قوة العدو العديد الذي كان يغتني من الظلم وسيفتقر بالعدل ؛ والذي كان بثري من كلمة ملقي او تسويد سطر بوشانة فاصبح خائفا من العدل ان يجرده من ترائه وينزله من جاهه ؛ والذين يبشرون أنفسهم بالحظ لأنهم فقدوا أن ينالوا شيئا ببذل الجهد .

وشيء آخر هام فاته ، وهو أن من عاش طويلا في ظل العبودية لا يتعلم سريعا مزايا الحرية ، وان الامم السابقة إلي النظم الديمقراطية لا فت الأهوال قبل أن تعتدل ، وتأرجحت كثيرا قيل ان تتوسط ، والذي نفعها انها لم يكن يطمع فيها طامع ، فقضت مدة التجربة وهي امنة مطمئنة ؛ أما هذه الدولة فلا ينتظر مدة تجربتها احد ، فإذا بدأت بحرب قالوا لا تصلح ، وإذا أخطأت لم يقولوا إنه عرض مفارق بل قالوا طبع ملازم

فهذا مجلس المبعوثان يجتمع فيشتط بعض اعضائه في القول من غير حساب حتي يثير بأقواله مشاكل ومخاوف ما كان أغناهم عنها ، وكل ولاية نظن أن مبعوثيها نائب

عنها لا غير وليس نائبا عن الامة ، وان عليهم ان ينفذوا جميع رغائبها ولو كانت غير عادلة ، ولو كانت لا تتفق ومصلحة الدولة من حيث هي كل ؛ ويحمل البريد إلي كل مبعوث ما يتوء بفتحه بله قراءتة : هذا يطلب عزل خصمه وتوليته بدله ، وهذا يلتمس رتبة ونيشانا ، وهذا راغب في وظيفة ، وهذا راغب في ترقبة ، حتى بلغ الحال ان مكاريا سرفت دابته فيبعث إلى مبعوث ولابنه ان يأمي بإعادتها إليه

وربما كان هذا طبيعيا والنظام جديد ، والجهل عتيد ، ولإبد من فترة تمر يفهم فيها ان المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ، وان مبعوث الولاية نائب الأمة أولا وولايته ثانيا ، وانه كلما خفف ناخبوه مطالبهم زادوء مقدرة علي نفع أمتهم ؛ ولكن اتى لهم بمن يسير على سخافتهم ، وبفسح الصدر لمراتهم ، والأعداء كثيرون في الداخل والخارج وهم لهم بالمرصاد ؟ !

وزاد الآمر سوءا ان الروسيا إذ ذاك لم يرضها هذا الحال ، فاحتجت على ذلك وتأخرت في الاعتراف بالنظام الجديد ، ولعبت بالبلقان فحركته ، وثارت الثورات في أنحائه ، فثورة في الضرب ، وثورة في الجبل الأسود والبوسنة والهرسك ، والحروب قائمة ، وانتصارات الدولة لا تفيدها عند الدول ، وانتصارات عدوها يفيده . والدولة فقيرة في المال بما أسرف عبد العزيز ، وفقيرة في رؤساء القواد فقد قتل حسين عوني باشا وغيره معه بيد أئيمة ، وروسيا تريد فصل البلغار عن الدولة ، ولكل دولة مطامع ؛ ومدحت يتحمل كل هذه الأعباء الداخلية والخارجية في صبر عجيب ، فنهاره في تنظيم الشؤون الداخلية ، وليله في المشاكل الخارجية ، وفي ذلك يقول . " تحملت من المتاعب من يوم جلوس السلطان مراد ما يفوق القدرة البشرية ، وكنت أقول ليست هذه الحياة لي بل للأمة ، وقد وقع الوطن في مصائب داخلية وخارجية ؛ فواجب أن أسعى في تخليصه من مخالبها " .

وفيما هو كذلك سلم إليه أحد رجال المابين خطابا فتحه وقراه ، فإذا فيه عزله وإبعاده إلى خارج الدولة فورا من غير ان يعرج على أهله ، وذلك بعد شهرين من صدارية . فألح مدحت على رجل المابين أن يراجع السلطان في بيان السبب ؛ فعاد وقال إن السلطان يقول إن المادة ١١٣ من الدستور تخول السلطان حق إبعاد الذين تري نظارة الضابطة سوء حالهم ، وقد قدم ناظر الضابطة إلى جلالة السلطان تقريرين وقع عليهما وهما هذان . ففتح مدحت أحدهما فإذا فيه : " أن جاسوسا سمع ضابطا يقول لصاحبه في إحدي المقاهي إن مدحت سيكون رئيس جمهورية " فاكتفى مدحت مهذا ولم يفتح الثاني ، وقال : " إن بلادى التعيسة كمريض حضره نطس الأطباء ، وعالجوه حتي كاد يبل من مرضه ، فاندس عدو له فسقاء مما قضي على حياته " وصدع بالأمر وركب الباخرة " عز الدين " لتوء من غير ان يري أهله .

وخاف السلطان من الرأي العام ، فطلعت الجرائد ومن ضمنها الجوائب " ترمى مدحت بأفظع السهم ، هذه تقول إنه ضبطت اوراق تدل على خيانته ، وهذه تقول إنه أراد ان يجعلها جمهورية ، وهذه نقول إنه قد اوقع الدولة في مشاكل خطيرة ؛ وادي الشعر رسالته ، وانشئت فيه قصائد هجاء بليغة ، وأظهر كثير من المعممين ابتهاجهم وقالوا إنه يريد فصل السلطة الدنيوية عن السلطة الدينية . والذي يقارن بين الجرائد مند اربعة ايام وبينهما اليوم يعجب لهذا الانقلاب الغريب من مديح رنان إلي هجاء رنان . وسكت الناس بين الدهشة والعجب ، والشك واليقين ؛ وشرد رجال مدحت ممن اخلصوا له ولمبادئه . ووسط هذه البليلة الفكرية صدر الأمر الشاهاني بتعطيل الدستور تعطيلا مؤقتا ، ولكن الا تعرف ايها القارئ الكريم - مدة هذا التعطيل المؤقت ؟ ثلاثون سنة! !

لم يكن الرأي العام حذرا فخدر ، ولا عاقلا فخدع . ولا قويا فامتهن

اشترك في نشرتنا البريدية